العلوم المفرِطة التسييس (مخاطر التسييس المفرط للمعرفة)
المؤلف:
مايكل دي جوردين
المصدر:
العلوم الزائفة ٍّ مقدمة قصرية جدا
الجزء والصفحة:
ص38
2026-06-10
11
لا شك أن قراءة الطالع في الجريدة من حين إلى آخر لا يجعل بالطبع من المرء منجِّمًا، كما أنها لا تتطلَّب حتى أن نأخذ المنجِّمين الذين رسموا تلك المخططات النجمية والتنبؤات على محمل الجِد جدًّا. ربما كان هذا التصرف ببساطة تجاوزًا. وربما ترى أنه فعل «غير ضار».
لا يتصدى أغلب العلماء بشكلٍ نشِط للمذاهب التي يصمونها بأنها «علوم زائفة». يمكنهم أن يذكروا بعض المذاهب التي لها صلة بمجال خبرتهم بالطبع، ولكن من النادر أن يحمِّل شخص نفسه عبء شن حملة للهجوم على المذاهب المؤذية ومن يمارسونها. وحتى أولئك الذين يعدهم العلماء «مهووسين» عادة ما يكونون «مهووسين غير مؤذيين»، ولا يستحقون إضاعة الوقت عليهم، كما أنهم لا يسببون أذًى كبيرًا.
في المسار المعتاد للأمور، ينظر الناس إلى العلوم الزائفة على أنها معتقدات ضالة؛ لكنها غير مزعجة كثيرًا، وهذا هو السبب في عدم شغل تفكيرهم بها كثيرًا. ولكن ليست جميع المذاهب غير ضارة. يجدر بنا في هذا السياق ذِكر مجموعة من المذاهب وثيقة الصلة بالأنظمة السياسية القمعية، مثل ألمانيا النازية، وفترة حكم جوزيف ستالين للاتحاد السوفييتي. يمكن أن نقول عن هذه المذاهب إنها «مفرطة التسييس». وعندما تفككت الأنظمة التي تدعمها، اختفى أنصارها من الساحة على نحوٍ كبير.
يتطلب مصطلح «مفرط التسييس» المزيدَ من التفصيل. كانت بعض البرامج العلمية في عهد النازيين وستالين مثيرة للجدل ومدمِّرة بشدة، ويعزو المعلقون على المشهد عادةً عواقبها المدمِّرة إلى حقيقة كونها «مسيَّسة». يُعد هذا توصيفًا خاطئًا. كل العلم مسيَّس بشكلٍ ما، سواء جاء هذا التسييس على نطاقٍ صغير فيما يتعلق بالبِنى الهرمية والمكانة داخل مجال بعينه، أو على نطاقٍ أوسع فيما يتعلق بالحصول على التمويلات الحكومية، وإظهار الدولة بمظهر «المناصِرة للعلم» (والذي عادة ما يكون مظهرًا حميدًا ومفيدًا). فخلال الحرب الباردة، رعت وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية الكثير من المشروعات العلمية كجزءٍ من سياسة مشتركة لإظهار الديمقراطية الأمريكية على أنها أكثر موضوعيةً، وأكثر ملاءمةً لإفراز المعارف من الاتحاد السوفييتي. وعندما انتقدت حكومة تابو إيمبيكي في جنوب أفريقيا استيراد العقاقير المضادة للفيروسات القهقرية التي تستهدف الحد من انتشار فيروس ضعف المناعة المكتسَبة، وتخفيف حدة أزمة مرض الإيدز في جنوب أفريقيا، كان هذا موقفًا سياسيًّا، وكذلك كان الضغط الدولي ضد موقف إيمبيكي المنكِر لوجود صلة بين فيروس ضعف المناعة المكتسَبة ومرض الإيدز. فكون أن العقاقير المضادة للفيروسات القهقرية تدعمها بقوة الغالبية العظمى من علماء الأوبئة والفيروسات لا يجعل ترويجها أمرًا غير سياسي.
لم تكن المشكلة في حالة النازيين والسوفييت تكمن في كون العلوم «سياسيةً» أو حتى «مسيَّسة» — عادةً ما تُسيَّس علوم المناخ ومعارف الصحة الإنجابية في عصرنا الحالي — بل كانت تكمن في أنها «مفرطة التسييس» بدرجة جعلها أسلحةً في يد أيديولوجيا سياسية معينة. وعلى الرغم من أن أمثلة الأنظمة الديكتاتورية هي الأبرز، فإن هذا الإفراط في التسييس يمكن أن يحدث أيضًا في الأنظمة الديمقراطية أيضًا، وهناك الكثير من السِّمات البارزة المشتركة فيما يتعلق بهذا بين أكثر الأنظمة السياسية تباينًا. وبما أن هذه المذاهب واضحة التسييس، يستدعيها السياسيون (من مختلف المشارب الأيديولوجية) باستمرارٍ باعتبارها أمثلة سلبية بغرض انتقاد خصومهم. كما أنها نادرة أيضًا بسبب الطاقة السياسية الهائلة المطلوبة لاستمرارها.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة