العلوم البائدة
المؤلف:
مايكل دي جوردين
المصدر:
العلوم الزائفة مقدمة قصيرة جدًّا
الجزء والصفحة:
ص23
2026-06-10
26
عادةً ما يُصنِّف الناس نظرية معينة كعلمٍ زائف، لا بناءً على ماهيتها، بل استنادًا إلى الحقبة الزمنية التي ارتبطت بها. المعرفة العلمية ليست مخزنًا ثابتًا من المعلومات، كما لو كانت مجموعة من الكتب علاها التراب، تملأ حائطًا من أرفف الكتب في مكتبة مدينتك المحلية. على النقيض من ذلك، واحدة من أبرز خصائص العلم هي ديناميَّته الهائلة، ويُوجَّه جزءٌ كبير من هذه الطاقة إلى دحض أو مراجعة المعارف السابقة، وهذه السِّمة هي ما ألهم كارل بوبر لوضع معيار التمييز. لا يوجد فَهم منطقي للعلم لا يعترف بهذه الخاصية التطورية، بل الثورية، لما يُعَد معرفة علمية.
يعني التطوير العلمي أن الأمور التي كنا نعتقد في الماضي أنها صحيحة يتبيَّن بعد ذلك أنها مبسَّطة للغاية، أو غير متطورة بما يكفي، أو خاطئة تمامًا بعدما يجمَع الباحثون اللاحقون أدلة جديدة، ويعمقون من تحليلاتهم. ينطبق الأمر نفسه على أبحاث العصر الحالي: لقد نُشر الكثير منها على أنها أحدث ما توصَّل إليه العلم، ولكن سيتبيَّن في المستقبل غير البعيد جدًّا أنها غير ذات صلة أو خاطئة. إليكَ مثالَين. كان بلوتو يُصنَّف على أنه كوكب عندما اكتُشف في عام 1930، ولكن في الرابع والعشرين من أغسطس عام 2006، أعاد الاتحاد الفلكي الدولي تصنيفه على أنه «كوكب قزم»، الأمر الذي أدى إلى انتهاء كواكب المجموعة الشمسية الرسمية بكوكب نبتون. كان علماء الحفريات يعتقدون أن الديناصورات زواحف تكسوها حراشف، ولكن كشفت تقنيات جديدة أن الكثير من هذه المخلوقات المنقرضة كانت أجسادها مكسوة بالريش، وهو ما كان ينبِّئ عن تطورها لتصبح طيور العصر الحالي. كلتا الفكرتين الجديدتين صدمتا أولئك الذين شبُّوا على أن بلوتو كوكبٌ، وأن الديناصورات عارية الأجساد، فكان هذا ما تعلَّموه في حصص العلوم في المرحلة الابتدائية، ألم تكن هذه المعرفة موثوقة إذن؟ ولكن من الخطأ أن ننظر إلى العلوم على أنها ثابتة. لا يمثِّل التغيُّر الدائم مشكلة فيما يتعلق بكيفية عمل العلوم، فهذه هي الطريقة الطبيعية لعمل العلوم.
إن لهذا تداعياتٍ مهمة بالنسبة إلى فئة العلوم الزائفة، خاصةً عندما تتوغل في الماضي. تمتلئ سجلات العلوم بالنظريات المنبوذة. في واقع الأمر، أغلب تاريخ العلوم عبارة عن نظريات مرفوضة، وتكبر كومة تلك النظريات يومًا بعد يوم. إذا ما استمررت في اعتناق فكرة بعد انتهاء تاريخ «صلاحيتها» — وبعدما اعتبرت جموع العلماء أن الفكرة لم تعُد مثمرة أو صحيحة — فإنك تخاطر بأن توصَم بأنك عالِم زائف. أُطلِق على هذه النظريات اسم «العلوم البائدة»: أي، النظريات والمعتقدات التي كانت تُعد علميةً في الماضي، ولكنها أصبحت مرفوضة، فتحوَّلت في العصر الحالي، وأصبحت تُصنَّف على أنها علوم زائفة.
من بين تلك العلوم البائدة نظريات يُنظر إليها بشكلٍ جماعي تقريبًا على أنها علوم زائفة كلاسيكية. تقدِّم هذه المكانة المرموقة درسَين لنتعلَّمهما. الأول، تُلقي هذه العلوم الضوء على ما كان يعتقد الأقدمون أنه الخصائص الرئيسية للمعرفة الموثوق فيها، الأمر الذي يعني أنه يمكننا أن نلاحظ التنوع التاريخي للأفكار التي صنَّفناها على أنها علوم. الثاني، يساعدنا التحليل التاريخي في فهم العملية الطويلة التي استُبعدت من خلالها هذه المجالات خارج نطاق العلوم السائدة.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة