دحض الدحوضية
المؤلف:
مايكل دي جوردين
المصدر:
العلوم الزائفة مقدمة قصرية جدا
الجزء والصفحة:
ص13
2026-06-09
37
الإجابة المختصرة هي: ليس كثيرًا. لاحظ فلاسفة العلم تلك الحقيقة على الفور تقريبًا، وهذا لسببَين. الأول، من الصعب تحديد إذا ما كنت قد دحضت نظرية فعليًّا. ويُعد هذا، إلى حدٍّ كبير، إعادة صياغة لأحد اعتراضات بوبر على نظرية التحققية. كيف يمكنك تحديد أن ملاحظة ما تتضمن فعليًّا إثباتًا لنظرية؟ حسنًا، ستفسرها وفقًا لإطارها، وفي بعض الأحيان تنتج هذه التفسيرات الانحرافات المؤسفة التي استنكرها بوبر. ولكن ينطبق الأمر نفسه على دحض نظرية ما. لنفترض أنك أجريت تجربة في مختبرك لاختبار النظرية «س»، التي تتنبأ بأنه في ظل ظروف معينة، يجب أن يسجل مقياس التحقق خاصتك القيمة 32.8، ولكنك حصلت على النتيجة 5.63 يبدو أنك قد دحضت النظرية «س». ماذا يجدر بك أن تفعل؟ هل تهرع إلى الدوريات العلمية وتعلن نهاية تلك النظرية؟
لا تتعجل. كيف تعرف أن نتيجتك التجريبية دقيقة؟ ربما كان السبب في عدم حصولك على الناتج 32.8 هو أن مقياس التحقق خاصتك معطوب، أو ربما لم تجرِ التجربة في الظروف المناسبة بدقة تامة. الأمر باختصارٍ أنه من النادر أن تحصل على نتيجة مُرضية أو مرفوضة مثلما حدث في بعثة دراسة كسوف الشمس لعام 1919. (في واقع الأمر، لم تكن نتائج هذه البعثة قاطعة مثلما أظهرها إدينجتون. ومرَّت عدة سنوات قبل التوصُّل إلى نتائج لا تقبل النقاش تدعم نظرية النسبية العامة، توصلت إلى أغلبها مراصد في ولاية كاليفورنيا) إذا كان من شأن أي نتيجة دحض أن تنفي صحة النظرية التي توقعتها، فإن جميع النظريات العلمية الحديثة سيدحضها طلبة العلوم في المرحلة الإعدادية، الذين يفشلون في إعادة إجراء التجارب القياسية المُتفَق عليها تمامًا. وهذا محض هُراء بلا شك. وبينما قد يبدو الإصرار على دحض الملاحظات فكرةً جيدة، فإنه من الصعب تمامًا تحديد الوقت الدقيق لفعل ذلك، الأمر الذي يُبطِل الغرض من وجود خط معياري واضح.
تتعلق المشكلة الثانية بجوانب التمييز الفعلية التي يضعها معيار بوبر أمام أعيننا. إن الحد الأدنى لتوقعاتنا من معيار التمييز هو أن يرسم حدودًا واضحة بين العلوم الحقيقية والزائفة. فنحن نريد من معيارنا أن يصنِّف النظريات التي تُعتبر على نطاقٍ واسعٍ من ركائز العلم الحديث، مثل فيزياء الكم، والانتخاب الطبيعي، وحركة الصفائح التكتونية، على أنها نظريات علمية. وفي الوقت نفسه، نريد من معيارنا أن يستبعد المذاهب التي يرى الجميع تقريبًا أنها علوم زائفة مثل التنجيم والاستنباء بالعصا. معيار بوبر الخاص بقابلية الدحض ليس مفيدًا بشكل خاص في هذا السياق. فبالنسبة إلى المبتدئين، من الصعب التعريف بالعلوم الطبيعية «التاريخية»، مثل علم الأحياء التطوري، أو الجيولوجيا، أو علم الكون — تلك المجالات التي لا يمكننا فيها «إعادة تشغيل الشريط مجددًا» في المعمل — في ضوء المزاعم القابلة للدحض فقط. تقدِّم هذه العلوم تفسيرات مقنعة عن الطبيعة بناءً على إجمالي تسلسلٍ مترابِط من الاستنتاجات السببية، وليس اعتمادًا على تسلسل من التصويتات التجريبية بنعم أو لا. استبعد بوبر دون قصد مجالات مهمة من العلوم المعاصرة.
أما مسألة التضمين، فوضعها أكثر تعقيدًا. سلَّط فيلسوف العلم لاري لودان الضوء على هذه الصعوبة بشكلٍ دقيق في مقالٍ مهم، نُشر عام 1983، فقال:
[معيار بوبر] يؤدي إلى النتيجة غير المرغوب فيها المتمثِّلة في اعتبار كل ادِّعاء غريب «علميًّا» ما دام يقدم مزاعم قابلة للدحض. وبذلك، يصبح دُعاة الأرض المسطحة، وأنصار الخلق التوراتي، ومؤيدو مركَّب الليتريل أو صناديق الأورجون، ومناصرو أوري جيلر، والمهتمون بمثلث برمودا، وأنصار تربيع الدائرة، وأتباع ليسينكو، ومعتنقو فكرة عربات الآلهة، ومصمِّمو الآلات الدائمة الحركة، والباحثون عن بيج فوت، ومُروِّجو أسطورة بحيرة لوخ نيس، والمعالجون بالإيمان، وأنصار فكرة الماء المبلمر، وأنصار حركة الصليب الوردي، والمتنبئون باقتراب نهاية العالم، ودُعاة الصراخ البدائي، ومكتشفو الماء بالعصا، والسحرة، والمنجمون، جميعهم أصحاب رؤًى علمية وفق معيار بوبر، ما داموا على استعدادٍ لتحديد ملاحظة ما، مهما كانت مستبعَدة، من شأنها (إن تحققت) أن تجعلهم يغيِّرون من قناعاتهم.
(لا تقلق إذا لم يكن الكثير من هذه المذاهب مألوفًا بالنسبة إليك، فسوف نتعرَّف إلى أغلبها في الصفحات الآتية) امتد نقد لودان إلى ما هو أبعد من ذلك: أي معيار دلاليٍّ واضح — أي، صياغة تقوم على اختبار لغوي مثل تلك الخاصة ببوبر — سيفشل بالضرورة. ثم وصف مشكلة التمييز بأنها «مشكلة زائفة»، الأمر الذي أغضب الكثير من الفلاسفة الذين أصرُّوا على أنها ستظل تساؤلًا جوهريًّا في فلسفة العلم. ولكن حقيقة أن لودان كان مندفعًا بعض الشيء في صياغته، لا تنفي صحة وجهة نظره: فمعيار بوبر لا يستبعد الكثيرَ من المذاهب التي تُعَد بشكلٍ عام من قبيل العلم الزائف. بل على النقيض من ذلك، عادةً ما يقتبس أنصار الخلق التوراتي وعلماء الأجسام الطائرة المجهولة أفكار بوبر ليثبتوا أن نظرياتهم قائمة على أساس علمي، وأن نظريات خصومهم تندرج تحت العلم الزائف.
من شأن فحصٍ متعمِّق أكثر لفكر بوبر أن يكشف أنَّ صياغته تتطلَّب قبول المواقف الفلسفية التي من المرجح ألَّا تكون ملائِمةً في نظر الكثير من أنصاره الصاخبين دائمي الاستشهاد بمعيار قابلية الدحض. في مقاله الأصلي عن التمييز، وكذلك في كتابه الأيقوني «منطق البحث العلمي»، كان بوبر واضحًا في ذكر أن إطاره الفكري يتطلَّب منَّا أن نتخلى عن احتمالية التوصُّل إلى الحقيقة المطلَقة عن الطبيعة (أو أي شيء آخر). فمن وجهة نظر بوبر، لا توجد نظرية علمية يمكنها أن ترقى، بالمعنى الدقيق للعبارة، إلى مصاف «الحقيقة». وأقصى ما يمكن للعلماء الوصول إليه هو «ما لم يثبت خطؤه بعد». فوجود الذرات، ونظرية النسبية، والانتخاب الطبيعي، وبِنية الحياة الخلوية، والجاذبية، وهلم جرًّا جميعها نظريات مؤقتة تنتظر الدحض. تتسم الصورة التي رسمها بوبر بالاتساق، ولكنها تتعارض مع حدس أغلب العلماء الممارسين، والفلاسفة، وعامة الناس.
رغم أنه كان سيصبح من المفيد لو استطاع معيار بوبر الواضح للتمييز أن يفرِّق بين العلوم والعلوم الزائفة، فإن كلًّا من التحليل المنطقي والنظرة الاجتماعية إلى ما يفعله العلماء والعامة من تمييزٍ على أرض الواقع يظهران قصوره عن تحقيق هذا الغرض. يطرح ذلك تساؤلًا آخر: على الرغم من وضوح عيوب معيار بوبر، لماذا لا يزال يتمتع بهذه الدرجة من القبول والشيوع؟
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة