

الأدب


الشعر

العصر الجاهلي

العصر الاسلامي

العصر العباسي

العصر الاندلسي

العصور المتأخرة

العصر الحديث

النثر


النقد

النقد الحديث

النقد القديم


البلاغة

المعاني

البيان

البديع

العروض

تراجم الادباء و الشعراء و الكتاب
رواية مكابدات عبد الله العاشق
المؤلف:
د. فائق مصطفى، د. عبد الرضا علي
المصدر:
في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات
الجزء والصفحة:
ص: 226-236
2026-03-24
30
مختارات من القسم الثالث من رواية (مكابدات عبد الله العاشق)
صفقوا أكفهم ببعضها نافضين عنها الغبار. وبتهيب وارتباك رددوا كلمات عزاء مقتضبة جابهها (صمد) بالصمت. وتخطوا القنطرة الحجرية وسط نقيق الضفادع المتقافزة بين أغشيتها الطحلبية المتماوجة برفق، حيث النجوم تنبض بانبهار على صفحة المياه الساكنة. واتخذوا طريق العودة مستغرقين بتدخين السكائر بعدما امتنعوا عن ذلك تبجيلا للميت الكبير. شقوا طريقهم عبر الغابات التي تناهبتها دفقات هواء مثقل بالرطوبة والروائح العطنة. وخشخشت الاوراق المتساقطة تحت خطاهم بصوت مسموع. ومن فوق رؤوسهم شخصت الاشجار العارية وقد كساها الليل بزرقة حلمية ناصلة.
وانفتحت الغابات أمامهم على منظر القرية التي لاحت تحت السماء القائمة كتلة معتمة كادت تتوحد بالأرض السوداء لولا كوى البيوت المضاءة بوهج الفوانيس. وتفرقوا بصمت. ليجد (صمد) نفسه في النهاية أعزل ازاء الاحزان القابعة بانتظاره في كل زاوية من زوايا البيت. في الهزيع الاخير من الليل. في الساعة التي تستيقظ فيها الذكرى غالب ارتجاف أعضائه المنداة بالعرق وقد تناهى لسمعه نقر عصاه وهو يتخطى العتبة فساءل نفسه بريبة: ترى هل يعقل أن يبارح الموتى القبور؟ وتنصت مليا لصوت تنفسه العميق الذي كان يتوضح باضطراد. ودون أن يستدير يميناً أو شمالاً حدق أمامه بالضبط. فرآه ينتصب فوق رأسه بقامته الفانية ويده المعروقة متشبثة بمقبض العصا. وقف ازاء أكثر الزوايا عتمة. وبعدما حدق فيه طويلا انداح صوته الذي بدا غريبا على سمعه بعض الشيء: الآن تبدأ الحكاية يا بني لم يتكلم. ولم يتحرك من موضعه. وحرص على أن لا يطرف بأجفانه حابسا أنفاسه في صدره. لعلمه بأن الموتى رقيقون ونفورون بشكل عجيب.
أنسيتها؟ انها حكاية العراف .....
م/ 15 في النقد الأدي الحديث
وتفرس بدوره في الوجه المعتم ليتساءل دون صوت: وكيف لي أن أنسى مثل هذه الحكاية؟ وراقبه وهو يبرك على الارض بطريقته المتباطئة المؤلمة. ويداه الخشنتان تنسحبان على امتداد العصا التي صالبها على ركبتيه الهزيلتين وقد قرفص في ذات الموضع الذي اعتاد التربع فيه كل مساء. وكدأ به أبدا سلك حلقه لبعض الوقت قبل أن يكمل الحكاية كأنه ما انقطع عن سردها منذ مساء البارحة.
(.... تلمس العراف زندي ابنه المفتولين وكتفيه العريضين وتنسم رائحته طويلا. وصرف على أسنانه بحقد وهو يقول: اليوم يومك يا ولدي. فلمثل هذا الوقت ادخرتك ذخرا. وقص عليه حكايته مع ذلك الشيخ الظالم الذي فقأ عينيه منذ عشرين سنة خلت دون ذنب يستحقه. وأهاب به طالباً منه الاخذ بالثأر. فقبل الابن يدي أبيه وقال له وقد اشتعل حماسا. أمرك مطاع بالأبتاه فهيا بنا منذ اللحظة لكن العراف هز رأسه وأجاب: لا يا بني فمن انتظر عشرين عاما لن يستعجل الثأر قبل أوانه ... وطلب منه ان يهيئ نفسه ويشحذ اسلحته ويطعم جواده جيدا وعند اطلالة هلال العيد سيتوجهان الى هناك فقد أعتاد ذلك الشيخ اقامة سباق خيل في مثل ذلك اليوم من كل عام خارج مضارب القبيلة. وفي اليوم الموعود أغرق الابن جسده بأسلحته من قمة رأسه حتى أخمص قدميه. واعتلى ظهر الجواد مردفا أباه وراءه وانطلقا من فورهما. وما أن لاحت اعمدة دخان مضارب ذلك الشيخ حتى أخبر الابن أباه. فطلب هذا منه اخفاءه في مجرى نهر جاف قريب. وأوصاه بأن يذهب من ساعته لذلك التل فينتظم في صفوف الفرسان دون أن يتهيب فقد جرت العادة أن يشارك في هذا السباق أي عابر سبيل دون أن يسأل عن أصله وفصله. وأضاف قائلا ستسبق الجميع دون شك وستكون أول من يصل الدرات الثلاث. فارع بالعودة وأركض بجوادك نحو التل مغتنما فرصة اشتراك الفرسان بالسباق. وستجد الشيخ جالساً على تخته لا يحيط به غير عبيده العزل. فلا تقتله ولا تجرحه. انما افقأ عينيه مثلما فقأ عيني وقل له: (أنا ابن العراف وقد أخذت بثاره) وعد سريعا لهذا الموضع الذي ستتركني فيه.
انطلق الابن نحو غايته فرأى من بعيد الشيخ متربعا على تخته فوق التل والناس قد احتشدوا من حوله رافعين الرايات، والفرسان مصطفون بخيولهم واحدا جنب الآخر، فاختلط بهم. وعندما أعطيت الاشارة أرخي العنان منطلقا بجواده نحو السدرات الثلاث، فوصلها واتخذ سبيل العودة والفرسان لم يقطعوا بعد نصف المسافة. ودون أن يضيع لحظة واحدة اعتلى بالحصان سفح التل. فتفرق العبيد والنساء من أمامه مذعورين. والشيخ الجالس على التخت يتفرس فيه مدهوشا. وقف فوق رأسه وصاح بأعلى صوته:
أنا ابن العراف ... جئتك لأخذ بثأره .....
وفقأ عينيه لاكزا في الوقت نفسه الجواد فانحدر به نحو الجانب الآخر للتل. وقبل أن يصل المجرى الجاف الذي ترك فيه أباه هتف: أبشر يا أبتاه. فقد أخذت بثأرك فتهلل وجه العراف وسال الدمع من عينيه المطفأتين. وأجاب ابنه بأعلى صوته: بوركت من ابن بار فلمثل هذا اليوم ربيتك. ولمثل هذه الساعة حرصت على اختيار جوادك. فعملك الآن انتهى وجاء دور الحصان فهيا بنا قبل أن يجد الفرسان في أثرنا وصدق ظن العراف فعندما التفت الابن الى الوراء رأى سحابة غبار كثيفة قد ملأت الافق من أقصاه إلى أدناه فأعلم أباه بالأمر. فامسك به من خصره. وصاح قرب أذنه: لا تأبه يا بني فأغلبهم لن ينال حافر جوادك وانطلق الحصان براكبيه يطوي الارض طيا. والزبد يتساقط من خطمه المنتفخ بكثافة. فيرش وجهيهما بالرذاذ والتفت الابن للمرة الثانية فلم ير غير ثلاثة فرسان يتعقبونهما. وعندما أخبر أباه طلب منه أن يذكر له ألوان خيولهم. فقال. الأول أدهم كالليل والثاني كميت أحمر والثالث أبيض. فأجابه العراف: غليظة. علينا الآن بالأبيض فهو أسرعهم الى التعب ولن يستطيع الهذب في أرض وطلب من ابنه ان يتحول بجواده من الطرق الممهدة نحو المناطق المحصبة المليئة بالاخاديد والشجيرات. ففعل مثلما أمره أبوه. وعندما التفت صاح.
لم يبق سوى الادهم والكميت ...
فأجابه والده.
الهشة. علينا الان بالكميت فحوافره دقيقة ولا يستطيع السير بسهولة على الأراضي وطلب من ابنه أن يتجول بجواده نحو الاراضي الرملية والسبخة. وبعد قطعهما المسافة لم يبق وراءهما سوى الجواد الادهم. فقال العراف. انه جواد أصيل لا يقل عن جوادك. غير أن العيب في الفارس والا فقد كان عليه اللحاق بنا منذ فترة طويلة. فنحن اثنان على ظهر حصانك وكانا قد أشرفا على حدود أراضي شيخهما التي يفصلها عن اراضي الشيخ الظالم نهر يستحيل على ذلك الفارس المجد بمطاردتهما المجازفة باجتيازه والتوغل في أرض اعدائه. ولشدة اندفاع الجواد بهما لم يخض النهر كعادته. انما قفزه. فأطلق العراف صرخة ألم استفسر الابن عن سرها. لكن الاب لم يجبه. ووقف الجوادان على جانبي النهر ولهاثهما يكاد يمزق صدريهما. وترجل العراف وابنه. كما ترجل فارس الحصان الادهم وخاطبهما بقوله:
لقد نجوتما غير ان لدي رجاء عندكما وهو ان نتبادل حصانينا
فقهقه الابن ساخرا وأجابه:
وكيف ذلك وقد رأيته يسبقكم جميعا رغم اننا كنا على ظهره؟
لكن العراف لكزه في جنبه وهمس له.
- سارع بمبادلته
ورضخ الابن لأمر أبيه رغم دهشته الشديدة فرفع السرج عن ظهر حصانه ونخسه ليخوض النهر نحو الجانب الآخر. حيث رفع الفارس بدوره السرج عن حصانه الادهم دافعا به باتجاههما. وألح العراف على ابنه بالاسراع باسراج الحصان المخضل بالعرق وما كادا يركبانه حتى تناهى لسمعهما صوت ارتطام شيء ثقيل بالأرض. وعندما التفت الابن رأى جواده القديم في الجانب الآخر للنهر يرفس بأطرافه قبل أن ينفق فأخبر أباه الذي أوضح له بقوله. ذلك ماكنت أعرفه. فلحظة قفز بنا النهر هجست بشيء ما ينقطع في احشائه وهكذا أخذ العراف بثأره عقب مرور عشرين سنة
وبعد يا أبتاه؟
أجفل (صمد) من اغفاءته القلقة على صوته وهو يكلم نفسه. فحدق بذهول في عتمة الحجرة التي شفت قليلاً على وهج غبش رمادي تسلل من الكوى الدائرية.
وتطلع بشرود في وسادة الريش المقعرة من الوسط حيث استقر رأسه ليلا. ولم يدر هل ما جرى كان في صحو أم حلم؟ فها هو صدى ذلك الصوت الاثيري الغريب ما أنفك يرن في سمعه. موقظا في أعماقه حنينا لم يذبله كر السنين كأنه لا يزال ذلك الصبي النزق الذي اعتاد المبالغة في الحاجة على أبيه - في لحظات صفوه النادرة ليسرد له المزيد من الحكايات، وبشكل خاص حكاية (العراف) التي ما مر شتاء الا وقصها له بعدما استقر به المقام في بيته عقب تغير الاحوال وانقطاع بساطيل رجال الشرطة الخيالة عن جلد أزقة القرية بين فينة وأخرى. مجدة في أثره كلما تأزمت الامور دون أن يشفع له ضياع شبابه وزواجه المتأخر في كهولته. يومذاك لم يستطع (صمد) أن يتصور ان (عبد الله العاشق) - ذلك الرجل الخرافي الذي كان قد أصبح اسطورة القرى الحدودية تضيف عليها الاجيال المتعاقبة وتشذب منها ما شاء لها خيالها - ليس سوى والده الكهل الصموت الذي كان يبدو على الغالب معتكر المزاج فيحاذر الظهور أمامه. مكتفيا بالتطلع اليه من بعيد بتهيب. وهمس أمه الوجل يوشوش سمعه. غير أنه كان يحدث أن يفاجأ (صمد) بأبيه وقد انقلب رأسا على عقب. فعند اجتماعه بأصدقائه الحاج (رمضان) و (موسى) و (عبد الزهرة) ووسط سحب الدخان المنعقدة فوق رؤوسهم كان ينطلق متحدثاً بشغف عن ماض غابر لم يكن (صمد) يفقه منه أي شيء. ولحظة كان يحمل صينية الشاي للحجرة أو عند مجازفته باستراق السمع كان يلاحظ أن ثمة أسماء معدودة تتمحور حولها الأحاديث على الغالب مثل (الشيخ نصيف) و (السيد) و (ناظم الاسود) و (نرجس). بالإضافة لاسم السركال (بشار) الذي كان (صمد) يعرفه جيدا. فقد اعتاد هو وأصدقاؤه الصغار التحلق حوله كلما صادفوه ينقر الارض بعصاه في طريقه الى المسجد محدقين فيه بفضول كأنهم يحاولون كشف سر كلمة (الخصي) الملتصقة به وهل لها علاقة بعماه أم بمشيته البطيئة أم بشيء آخر أكثر غموضا وسرية؟ غير ان الرجل العجوز سرعان ما كان يضع النهاية الحتمية لفضولهم. فينال أقربهم اليه بضربة من عصاه ويشمر برأسه الى الوراء لينطلق لاعناً بأعلى صوته آباءهم وأجدادهم متتبعا حركاتهم من حوله بأذنه الشاحبة كأنه يبصرهم بها
وكان ثمة اسمان آخران يردان وسط تلك الأحاديث المتشابكة. أولهما (المضيف) الذي لم يبق منه أثر قرب النخلات الثلاث والثاني (القلعة) التي كان الكهول الاربعة يبالغون بإضفاء الالق والفخامة عليها. بينا لم تمثل في نظر
(صمد) وأصدقائه الصبية سوى الحدود القصية التي تتوقف عندها ألعابهم الطفولية فقد كانوا يعرفون جيدا أن تلك الاطلال المهدمة التي غدت وكرا للخفافيش وطيور اليوم مسكونة بجنيين شريرين لا يكفان عن الخصام. ورغم انهما لم يظهرا لأيما مخلوق لكن الاطفال كانوا يؤمنون بان أحدهما على هيئة تركي يعتمر الطربوش والآخر جني كافر بعنينين زرقاوين في الامكان سماع رطانتهما الاجنبية عند هبوب الريح. وبقيت تلك النتف المتفرقة من الأحاديث الموشحة بأسماء حشد من الموتى مغلقة لا تملك تفسيرا واضحا غير ما يرشح من مخيلة الاطفال إلى أن حلت ليلة ترسخت في ذهن (صمد) الى الابد: فقد فوجئ برجال الشرطة يقتحمون البيت يتبعهم المختار الذي انزوى بأبيه جانبا واعتذر منه همسا بينما رجال الشرطة انهمكوا بالنبش مبعثرين حولهم كل ما تطاله أيديهم. ولم يغادروهم الا بعدما نقبوا في كافة الزوايا والحجرات. دو أن ينسوا المرور بالاسطبل وتقليب تبن العلف. بل ومد أحدهم رأسه داخل التنور. وبخطى وجلة ترك (صمد) الزاوية التي تخفى في ظلامها وحملق برهبة في تلك الصور والزنابيل والصناديق وأكوام الالبسة والاوعية المبعثرة في شتى الاتجاهات وثمة كيس مبقور الجانب انسكب فيض قمح منه على الارض. وكانت أمه المكللة أبدأ بالسواد تتطلع حولها بحيرة، وأبوه المتربع ازاء الموقد الطافح بالجمر يدخن بنهم. مراقبا بشرود عمود البخار النحيل المنبثق من غطاء وعاء الشاي. ولا شيء يبدد الصمت المطبق سوى وقع حوافر الدابة على أرض الاسطبل وصفير (الكتلي) المركون فوق الموقد.
صمد ... اغلق الباب
فوجئ الصبي بأبيه يخاطبه وقد رفع رأسه محدقاً فيه بهيئة ذاهلة فسارع بالانصياع لأمره. وعند عودته رأه واقفا ورأسه يطال الفانوس الذي بدت عيناه على وجهه معكرتين شأنه عندما يغضب.
أتدري عن أي شيء كانوا يبحثون؟
ترى عن أي شيء؟ طرف (صمد) بأجفانه وهو في حيرة من أمره وأختلس النظر نحو أمه المنهمكة بإعادة تلك الاشياء المبعثرة مواضعها في الكوى والدولاب الخشبي والصندوق وعلى الاوتاد والمسامير المثبتة في الحيطان الطينية. هات السلم انتشله والده من حيرته فسارع باختطاف السلم من الاسطبل وعاد به وهو يترنح تحت ثقله صادما به الابواب والحيطان قبل أن يتلقفه والده منه ويركنه ازاء أحد الجدران. وبوثبات معدودة كان قد ارتقاه حتى كاد رأسه. يمس السقف الاسود الملطخ بالهباب ورآه يدس يده بين الجذوع ليستل من هناك شيئا ما كان ملفوفا بخرق قماش متربة جعلته يطلق عطسة مدوية وهو يعقف عينية للأسفل ليخاطبه من ذلك العلو: كانوا يبحثون عن هذه
وانحدر ها بطأ ليبرك ازاء الموقد. وسارع بإزالة تلك الخرق الخبراء مظهرا لعيني (صمد) الفضوليتين بندقية جبارة ومض حديد سبطانتها تحت ضوء الفانوس. انها الشيء الوحيد الذي حملته معي طوال اعوام هجرتي عن القرية حتى أصبح بالإمكان تلمس أثر الحزام في لحم كتفي في تلك الليلة وبدل أن يسرد على سمعه احدى حكاياته. حدثه وسط انشغاله بتفسيخ البندقية وتنظيفها وتزييتها عن مساء يوم بعيد ضجت القرية فيه بعدما شوهد السركال مشبوحا على بطنه وسط بركة دم. وأحرقت صبية أسمها (نرجس) نفسها. فثار اللغط. وجد رجال الشيخ باحثين عنه. كنت قد تخفيت في بيت صديقي رمضان - الحاج رمضان كما تعرفه أنت -وياله من صديق ... لم يهدأ له بال الا بعدما اقتنى لي هذه البندقية. وملا جيوبي بالطلقات. فتكبتها. وغادرت القرية فجر اليوم التالي: وحدثه عن سنين الغربة المريرة التي عاشها متنقلا عبر القرى. مزاولا مختلف الاعمال. متتبعا أخبار الاهل والاصدقاء عن بعد. ولم يعد الى القرية الا بعد موت أبيه (خلف) واعتكاف السركال في بيته وقد أوشكت عيناه على الانطفاء. وخفوت سطوة المشيخة في المنطقة عقب موت الشيخ (نصيف) وانتقال ابنائه للسكن في البلدة.
عدت الى القرية كما غادرتها بالبندقية ذاتها متحملاً بين فينة واخرى زيارات ضيوفنا الثقلاء ذوي البساطيل الغليظة الذين لم يدركوا أنهم لن ينالوها مني الا على جثتي وكان قد انتهى من اعادة تركيب البندقية، فأمسكها باحدى يديه. مفردا اياها في الهواء متطلعا فيها بوله. ليهتف على غير انتظار.
والان ... تقدم
فهدأ المغزل في يدي الام التي كانت قد لجأت لصوفها عقب انتهائها من تنظيم أثاث البيت واحتلالها لموضعها الاثير في الجانب الآخر من الموقد. وتنقلت بنظراتها المتوجسة بين زوجها وابنها الذي أقترب بخطى حذرة. ساحبا رأسه بين كتفيه تفادياً لصفعة منتظرة.
- يالك من ماكر... أتخشاني لهذه الدرجة؟
وفوجئ (صمد) بأبيه يسحبه بغلظة ليشبك حزام البندقية عبر صدره الهزيل معلقا اياها على كتفه. حيث ارتطم أخمصها بالأرض. وعلى الفور انفرجت أسارير الصبي المرعوب وامتلاء كبرياء. فنفخ صدره بفخر شاعراً بالحزام الجلدي يحز لحم كتفه الطري. وبطريقة خرقاء ومرتبكة خطا الى أمام ساحباً الى جانبه البندقية التي بدت مثل عضو مشلول يعيقه عن التحرك. وجحظت عيناه وقد كتم أنفاسه وهو يحاول السير. محافظا في الوقت نفسه على الصرامة التي لا شك انها تظهر على وجه كل حامل بندقية. لكن تعثره المفاجئ وسقوطه المخزي وضعا النهاية الطبيعية لتلك المغامرة المتواضعة. وضاعفت ضحكة أبيه الساخرة من احساسه بالحرج. فتخلص من حزام البندقية وبحركة نزقة دفعها بعيدا عنه. وكور جسده الضئيل. مخفيا رأسه بين ركبتيه وقد اخضلت عيناه بدموع القهر والغضب.
- ستطول قامتك يا بني فيصبح بامكانك تنكب البندقية بيسر
جاءه الصوت الهامس عن قرب، فزحف على أربع ليلتصق بأبيه. وعندما رفع رأسه مختلسا النظر نحوه راه يتابعه بعينيه المتلامعتين حول منبت أنفه الصغرى وقد انعكس فيهما لهب النار.
باغته الضوء الخاطف وهو يسطع من فوق رأسه فأغمض عينيه وقد المتاه قليلا. ورف بأجفانه بحذر شاعراً بخدر النعاس يبارحه نهائيا. وتطلع في ارجاء الحجرة. حيث المصباح الكهربائي الذي نسي اطفاءه منذ يومين بعدما أصابت القذائف المحطة كان قد أضيء فجأة منيرا أبعد الزوايا. وتنصت البعض الوقت لصياح الديكة يتتابع من منزل لآخر يعلوه صوت (الحاج رمضان) وهو يؤذن لصلاة الفجر من فوق سطح المسجد. انه نهار جديد. همس (صمد) لنفسه. ونهض من فوره ليفرد ظهره المتصلب وتثاءب بعمق صافعا فمه المفغور بظاهر كفه. وشق سبيله بين اكياس الحنطة والدقيق وصفائح الدهن والاوعية المبعثرة كيفما اتفق شأن أي منزل يفتقد اليد النسائية التي تحرص على تنظيم الاشياء في مواضعها المناسبة.. ووقف ازاء صندوق خشبي مركون في احدى الزوايا رفع الغطاء. فطالعته أكداس الملابس. وفي حوض ضحل على اليسار تناثرت مخلفات أبيه القليلة من مسابح رخيصة ومباسم خشبية سودها الدخان وقداحة معطوبة وبقايا تبغ في قعر كيس مزهر وخنجر ذي قراب فضي وحفنة طلقات ذات أعقاب نحاسية صفر. بالإضافة لكبسولة رصاصة سودها الصدأ. عقب لحظة تأمل مد يده. والتقط الطلقات واحدة أثر اخرى. وأردفها بالكبسولة. عاد بعدها يجلس على اللبادة الصوفية مفردا اياها على الارض العارية ازاء الفانوس المطفأ الذي تلطخت قمة زجاجته المحدبة بالسواد. وبالسبابة والابهام أمسك بالكبسولة الصدئة متفحصاً اياها عن قرب. كأنه يبحث عن مسحة دم قديم خلفها أول جرح أصيب به والده من بندقية أجنبية. وتقبضت ملامح وجهه ألما وقد هاجمه الحزن مرة واحدة. فها هو الدم الذي لطخ التربة المحروثة عصر أمس يملأ بصره. هز رأسه بعنف. وحاول عبثا ابعاد ذلك المشهد عن ذهنه. لكنه لم يستطع. فصر على أسنانه. مطبقاً في الوقت نفسه راحته على الكبسولة الباردة. في مثل هذا الوقت من صباح البارحة استيقظ على نداء أبيه وهو يدس طرف عصاه في بطنه. ولم يدعه يكمل افطاره بسلام. فقد استعجله منوها بأنه سبقه بشد البردعة الى ظهر الدابة. فنفض يده عن طبقه بيأس. ومرة اخرى ارتفع صياحهما ليتناهى لا بعد بيت في الزقاق وتردد صوت الحاج (رمضان) وهو (يلعن الشيطان) قبل ان يتخطى العتبة برأس عار وفم أدرد خال من أسنانه الاصطناعية. واعتكر جوف المنزل ازاء جرم (موسى) الذي بدا أكثر ضخامة من المعتاد. فقد قدم دون أن يشد الحزام الى وسطه الجبار. وتربع (عبد الزهرة) من فوره على الارض عاقدا ذراعيه حول ركبتيه دون أن يكف عن الانين والتوجع. وكاد يكرر احدى جمله الاثيرة الدائرة حول (صبر أيوب) لولا أنه أحجم في آخر لحظة. وتشابكت الاصوات تحت السقف. صياح الحاج الرنان وقد اعتوره شيء من العطب بسبب ثأثأته البائسة. وجئير (موسى) العميق. ونواح (عبد الزهرة) المشروخ. وبعدما تصايحوا طويلا مؤملين ثني الرجل العجوز عن عزمه. فوجئوا به يكتفي برميهم باحدى نظراته الصاعقة. واتخذ طريقة نحو الاسطبل مبعدا أقربهم اليه بطرف عصاه فبادلهم (صمد) نظرة يائسة أشهدهم بها على مدى صبره وتحمله. وتبع أباه وقد رضخ للأمر الواقع فشد زكائب البذار الى ظهر الدابة. ونخسها بعنف. مفرغا فيها غيظه المتأجج في صدره. لكن الذي لم يتوقعه حقاً عند وصولهما الحقل هو ذلك النشاط الذي تلبس والده العجوز. فبعدما دخن لفافة تبغ وتصايح طويلاً مع الفلاحين المنهمكين ببذار حقولهم المجاورة ركن عصاه على الارض. وشد أذيال ثوبه الى وسطه وعلق كيس الحب الى كتفه. وبصوت خافت بسمل بخشوع وشرع بالبذار باتجاه (القبلة). متخطيا كتل التربة المفتتة بخطى موزونة مشمرا حفنات الحب لا بعد مدى تطالها قوة ذراعه العجفاء. وحمل (صمد) بدوره كيس الحب. وتبع أباه متطلعا من بعيد في نقرة عنقه الهزيل المعروق وفي ثوبه البني الذي اسود بالعرق عند ظهره المحدودب بعض الشي. عندما انتصف النهار جاءهما صوت المؤذن مكتوما من القرية. وكانا قد بذرا مساحة واسعة من الحقل. وعقب الصلاة وتناول الغداء وتدخين لفافتي تبغ واصلا العمل. وأمام أعينهما المجهدة شخصت قامات الفلاحين وهي تتقابل وتتعاكس على أبعاد متفاوتة وأيديهم تجد ببذر حفنات القمح التي تنطلق لتتوهج للحظة خاطفة عبر شعاع الشمس المتعامدة. قبل أن تتخلل لحمة الارض السمراء المنداحة تحت سماء أيلولية تضج بخفق أجنحة أسراب العصافير والقنابر. قبل الغروب كانا قد انتهيا من البذار. فترك (صمد) أباه منشغلا بكيس تبغه. وسارع بالاتجاه نحو النهر دون أن يكف عن التحديق بتوجس نحو الجبل القائم عند حافة الافق وقد غشيته الشمس بشعاعها الموشك على الانطفاء.
ما كاد يطلق الماء نحو الحقل حتى ارتج الهواء على صغير قذيفة تفجرت في موضع بعيد فترددت الاصداء عبر غابات النخيل التي شرعت الشمس الدامية تغوص وسطها. مخلفة وراءها فيضا من وهجها الذهبي. (لقد بدأوا مبكرين هذا اليوم...)
فكر (صمد) وهو يقف وسمعه مشدود الصغير قذيفة ثانية شعر بالأرض تهتز على دوي انفجارها القريب.
... أبي
صرخ دون وعي وقد انكفأ على وجهه فقفز من فوره وتطلع حوله بعينين مجنونتين أبتاه ...
صاح مرة أخرى وبصق دما وهو يهرول نحو سحابة غبار شرعت تتبدد ببطء في الهواء الساكن. ومن حوله تقاطر الفلاحون غير آبهين الصغير قذيفة ثالثة انفجرت بين التلال. وهناك في قاع تلك الحفرة المملوءة بالوحل والدم والدخان كان جسد (عبد الله) الممزق قد سكن تماما.
رفع (صمد) رأسه وقد فغر فمه. مصيخا السمع لدوي مكتوم ترجع في عمق السماء خمن أنه هدير طائرات. فأفرد أصابعه المخضلة بالعرق راكنا الكبسولة التي تدفأت بحرارة جسده على الارض. نهض من فوره وجاء بالسلم الخشبي. وارتقاء ليهبط بالبندقية التي كانت مخفية في موضعها القديم بين الجذوع التي تسند السقف وبحركات محمومة أزاح الخرق المتربة. فطالعته نظيفة ومزيتة سوى أن سبطانتها باردة بعض الشيء. حرك الترباس من موضعه. فاستجاب له بيسر ودون اضاعة لحظة واحدة ألقمها سبع اطلاقات وتنكبها على عجل.
قبل أن يغادر البيت لوى عنقه جانبا. عاقفا عينيه للاسفل محدقا بالأخمص الذي لم يكد يصل لمنتصف
(ستطول قامتك يا بني فيصبح بإمكانك تنكب البندقية بيسر) ن تردد صوت أبيه في ذهنه فأبتسم بصمت. وتنفس ملء أنفه الصقري. ورغم شعوره الضاري بالجوع اتخذ طريقه الى الخارج. مشدودا بالضجة التي تفجرت على امتداد الازقة. حيث الحشود كانت تتدافع متخذة سبيلها خارج القرية نحو النخلات الثلاث وثمة شاحنات عملاقة تتقاطر من بين النخيل ساحبة وراءها مدافع ضخمة. واختلطت خوذ المقاتلين الفولاذية المغطاة بشبكات التمويه بكوفيات الفلاحين المرقطة. وتناقلت الايدي البنادق والمعاول والرشاشات والمساحي. وحفرت المواضع هنا وهناك. على التلال والمرتفعات المحدقة بالقرية. وسورت من الامام بأكياس التراب والرمل. وأمامهم كانت الشمس قد شرعت بالانفصال عن الجبل البعيد معرية اياه ازاء زرقة السماء. وفوق رؤوسهم وشوش جريد النخلات الثلاث بهدوء.
وكانت أطلال القلعة الشيء الساكن الوحيد عبر ذلك الخضم الصاخب. وقد فضح الشعاع البكر ما اعتورها من خراب. حيث الشقوق والفجوات انتشرت على امتداد الجدران الغبراء المتآكلة التي تخللها نصف قوس محدب شكل في زمن ما بوابة شاهقة كانت تؤدي الى داخل القلعة المحمية بالبنادق التركية والانكليزية. وبغيت الحركة تزداد صخبا وضجيجا حول النخلات الثلاث والشاحنات تجيء وتذهب والمواضع تنتشر شمالا وجنوبا لتحتلها مدافع هائلة بفوهات جبارة ودروع فولاذية عريضة وعجلات مطاطية راكزة في الارض. وكانت الايدي قد القمتها بالقذائف الضخمة ذات الاعقاب النحاسية المتوهجة التي دفعت عميقا داخل القواعد المعدنية الصقيلة. واستند المقاتلون على الركب وسحبت الحبال المشدودة الى عتلات الاطلاق. وانتفضت المدافع واحدا أثر الآخر فدوت القذائف لأول مرة في الاتجاه المعاكس. واختضت الارض بعنف. وعلى غير انتظار انهارت اطلال القلعة ومرة واحدة. كأنها لم تقم لها قائمة منذ عشرات السنين. وعندما تبددت سحب الغبار والدخان ظهر المقاتلون وهم يلقمون مدافعهم من جديد.
وقبل ان تهدأ أسراب الطيور المحومة في الفضاء اللانهائي الموغل في زرقته وصفائه كانت المدافع تنتفض ثانية على امتداد الارض المزدحمة بالرجال.
الاكثر قراءة في النقد الحديث
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)