

الأدب


الشعر

العصر الجاهلي

العصر الاسلامي

العصر العباسي

العصر الاندلسي

العصور المتأخرة

العصر الحديث

النثر


النقد

النقد الحديث

النقد القديم


البلاغة

المعاني

البيان

البديع

العروض

تراجم الادباء و الشعراء و الكتاب
شمس وفنارات ليل وأرجوحة
المؤلف:
د. فائق مصطفى، د. عبد الرضا علي
المصدر:
في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات
الجزء والصفحة:
ص: 215-225
2026-03-24
35
قصة موسى كريدي
شمس وفنارات ليل وأرجوحة
(إلى فؤاد التكرلي)
نعدو راكضين أو مبطئين نتيه في البر الرملي او نقف على حافة واد أو كهف. لا نخشى ان نرتد. ذلك ان ظلالنا مهما اتسعت فلن ترتطم في خاتمة المطاف الا بزقاق. والزقاق يلد زقاقاً أو حجرا أو بئرا والبئر عين تشب الينا من قاع دهليز لكننا ننام في هوائها يمسنا منها برد عذب كالماء. تملأ المكان ضحكاتنا الصغيرة نحلم كل صيف بالسباحة في الجذول (ننطق الدال ذالا) ننهض من مخبأ الحجر الى الممرات التي اصابتها العتمة في الصميم، نتحرك كالزواحف، نلعب الختيلة. على سطح المخبأ الحجري ثمة مربع دكة أو كوز ماء والفوانيس. في آخر الممشى ونحن فيما حول شجيرة نعناع على يمين الباب الخارجي ندور كالعصافير نردد معاً في شبه جوقة:
طير بضباب.. هوبي
غنوة عذاب.. هوبي
ما ظل عتاب.. هوبي
وهو بي على ما الفناه جالس القرفصاء على دكة الصخر قبالتنا - يمصمص. في شفتين غليظتين ما تبقى من عظمة بحجم الكف غير عابئ بنا ولا مصغ لما نردده.. منشغل بمسح اصابعه مما علق بها. وتراه يحملق في الفضاء بزيغ من عينيه المتألقتين تارة واخرى يهذرم في شبه غمغمة كلمات قلما نفهمها تخرج من جوفه قوية نحسبها لفرط خوفنا صادرة من فم دب. ونحن. بازائه. لم نر الدب قط. ما شكله مالون عينيه. قالوا إذا اردتم ان تروا الدب فانظروا الى وجه هو بي ... نظرنا اليه. فتى أشعث. قصير الاطراف بدينا اذناه كبيرتان تتحركان منتصبتين بنبض ظاهر تتوسط مثلث ذقنه نقطة وشم زرقاء. عيناه سوداوان واسعتان إذا اقتربنا منهما رأينا أنفسنا في بوبؤيهما صغارا جدا لكنه سرعان ما ينهرنا بنفخة منه في وجوهنا فتهرب عنه لندور مرة أخرى خلف الشجيرة مرددين..
راح الشباب.. هوبي
وين الاحباب.. هوبي
ما ظل عتاب.. هوبي
اما هوبي فيظل على مبعدة منا يخزنا بنظرات ساهمة ثم يمضي فتراه يهيم في التلال البعيدة أو يمشي حافيا خلال سوق الخضار أو علوة السمك أو يقف متبخترا على طلل في الطريق الى مقبرة المدينة ثم تراه فجأة ينحدر من اعلى. لقد رأى جنازة. لا بد ان يتصدر النعش مبتعدا بضع خطوات. يؤذن مكبرا ثم حين يسجى الميت على الارض يصلي قائما قاعدا يتلفت يمينا وشمالاً يجار وحده. يتلوى في مساحته وحده غير ان احدا قلما يعير اليه التفاتا. فالناس في تلك اللحظات الحرجة منهمكون في اداء طقوس الدفن وحالما يفرغون من ذلك يعودون من حيث جاءوا غير ان هو بي يمد يديه املا في شيء فاذا لم يحصل توارى عن الحشد ومضى ليقعد بعد دقائق بين قطع الرمل وقطع الرخام متربعا والموتى يحيطون به من كل ناحية.. هنالك يكلم الموتى يقرؤهم السلام ويمطرهم بوافر وده ويظن انهم بالمقابل يتبسطون معه ويحنون اليه واذ هو كالنادل يرفع كأس الشراب. يتهدده خوف ما وكمن مسه خطر مفاجئ يثمر رأسه مائلا بجذعه نحو الخلف وسرعان ما يرتطم رأسه بحجر أو شاهدة فيهتز كيانه كله ويصرخ ... آخ ... آخ ... راح اموت.. لكن لا أحد ينجده وما هي الا دقائق حتى تمتد راحتاه حذرتين فيجس بهما الرؤوس في غابة الموتى ويعاود الهدوء ثم يمعن فيهم فيحسدهم على ما يتمتعون به من هناءة وراحة بال. فاذا اطمأن الى المكان أکثر جلس واضعا امامه على طرف دشداشته كرزا ومنديلا اسود وزجاجة عرق بيضاء ... يشرب رويدا رويدا والموتى يتربصون به فاذا ما سكر وانتشى. شرع يعني. فاذا غنى تململ ثم اخرج حشرجة وصوتا خربا. ولما لم يستطع رد صفعة الموتى راح يخرج لهم لسانه ويلعبه بين شفتيه فيسيل الزبد وتطفو رغوة العرق فاذا بنا نحن نخبي أنفسنا خلال شواهد الرخام أو مقالع الحجر نطلع كالجن من شقوق الارض نقترب من مملكته هاتفين:
عوف الشراب.. هو بي
باجر حساب.. هو بي
ما ظل عتاب. هوبي
نهرب يركض خلف ظلالنا في وحشة مترامية فلا يمسك بشيء. الموتى ما برحوا نائمين صامتين كالحجر اما هو فغالبا ما يعثر خلال منحدرات التراب. نملا الوادي ضحكا حين يسقط يعاود النهوض واذ يستقيم. وينحني باتجاهنا. يرى اشباحنا. مازالت تقف منتصبة تترصده بنظرات قططية فماله سوى المزيد من السب والشتم على طريقته.. كفاه مملوءتان حصى يرمي بهما فتصطدم غالبا بالشواهد او بمياه السبيل. كفاه ترتعشان وخده ازرق مثل بضعة اللحم فاضحي بلون الزمهرير.. يزعق في صراخ متصل فيردد الوادي صدى صرخاته. وخلال ذلك هو يعرف ايضاً كيف يغافلنا في لحظة ويختفي عبر مفاوز المقبرة الواسعة وحين نبحث عنه لا نجد لخياله اثرا ونعود صعدا الى ارض المدينة مرهقين. فالطرق ليست سالكة ترهق المترجل بالتواءاتها فكيف بمن يحاول الركض خلال المنحنيات وتضيع اقدامنها خلال الازقة ومتفرعاتها نفترق عائدين لاهثين مثل كلاب الصيد وقد جنحت الشمس للمغيب والمساء قد هبط.
أین کنتم يا تعساء؟
كنا نركض...
وراء هو بي.. اليس كذلك؟
طبعا
اتركوا هذا المسكين يا اولاد.
رأيناه يشرب.
يشرب ماذا؟
العرق.
- وتريدون عقابه؟
ألا يستحق؟
بلى.. ولكن الرب يعاقبه ...
متى؟
حين تقوم الساعة.
- ومتى تقوم الساعة؟
وهنا ينهرنا الاهل قائلين:
اخرسوا.. يالكم من صغار (ملاعين)
نهضنا في الصباح مبكرين استعدادا لجولات قادمة. فحين سمعنا خوار بقرة زهرة وصوت تساقط الحليب في (الطاسة) البيضاء المستديرة، وصيحات حمد (كعك. كعك) تحفزنا للخروج وانبسطنا بعد الفطور تسللت خيوط الشمس الى النوافذ والبيوت، عدنا لهوبي اين هو بي؟ لا وجود له قلنا: هو بي هبط نحو الموتى. زار امكنتهم تحت الثرى، لم يخرج حتى الان. سقط في بئر عمياء اذن. غيبته السراديب. طاح سقف قبر على رأسه انتهى كيف؟ لا ندري. من يدري سكران لو كان يمشي في هيمة. لهان الامر. لكنه ترك يجوس في حفرة وحفار القبور لو عثر عليه في الحفرة فهل سيعيده الى اهله ام يحسبه ميتا فيواريه التراب؟ تزاحم في ضمائرنا أكثر من سؤال. قلقنا عليه. كدنا نبكي. لولا ان أحدنا قطع حيرتنا وصاح ... هو بي. وما ان لمحناه في اخر الزقاق حتى توقف امام دكان ابي طالب الخصاف. واقتربنا منه دهشين. في البدء لم يرنا غير انه سرعان ما تلفت خلفنا فرانا كالشياطين نرقبه زوى ما بين حاجبيه. هز رأسه برطم. لطخ الشحوب وجهه والارتباك بدا عليه فتح فمه. كشف عن اسنان سود لثغ الراء غينا ثم لعن الدنيا وشتم من فيها فلم يكن بوسعنا عمل شيء سوى ان نصطف هادرين:
اسمه وهاب.. هو بي
جسمه خراب.. هوبي
ما ظل عتاب ... هوبي
نهضنا الضحى فاليوم يوم الجمعة. لعبنا سمبيلة السمبيلة هذه المرة ثم مللنا اللعبة. سألنا عن هو بي قالوا لم يأت الى الدكة ولا مر على الدكان. وانه لا بد ان يكون في المقبرة او في الجدول الكائن في ظاهر المدينة أو ينام في ظل كهف ما هناك. لكن من يدري فقد تراه يحمل بضائع لهذا أو ذاك عند مدخل سوق التجار أو صار في لحظة سائس عربة يجرها حصان بعيدا عبر الوهاد هادرا بالضحك والصفير لكن من اين تأتيه القدرة على فعل ذلك. لقد شحب وجهه. وقل اكله. قال الخصاف هوبي أكثر اهل المحلة اقبالا على الطعام. هو قلما يشبع. حتى بتنا نصدق من يقول ان في أمعائه أكثر من دودة. اظن ان شهيته قلت بسبب ادمانه الشراب.
تأفف ابو طالب وتنهد قائلا لعن الله شاربها وحاملها وبائعها. اما زهرة بائعة الحليب فقد فتحت عينيها الكحيلتين على وسعهما. ومسحت فمها الارجواني بكتها المتهدل وقالت ان هو بي لم يضعف جسمه ويتغير لونه بسبب العرق بل انه اعتاد ان يبيع دمه: اتسع قوس الدهشة في الوجوه.
- زهرة ماذا تقولين؟
ألا تعرفون ذلك؟
من اين لنا ان نعرف؟
ألم تسمعوا؟
زهرة. صحيح ان هو بي يفعل ذلك؟
إذا لم تصدقوني فاذهبوا الى امه.
تسألها؟
أسأ لوها ستقول لكم ان هوبي يبيع للمرضى دمه.
لقاء ماذا؟
دراهم معدودة
لكن ما الذي يفعله بالدراهم؟
يشتري.
ماذا يشتري؟
يسمونه في بغداد حليب السباع. عرفتموه؟
لا أبدا أي حليب هذا؟
- عرق.. عرق ...
تشبثنا بزهرة أكثر قلنا لها:
لكن منذ متى يفعل هو بي ذلك. هل تعرفين؟
قالت:
منذ سنين...
اغلق ابو طالب دكانه ذهب الى المسجد لأداء صلاة الظهر فقد دقت الساعة واذن المؤذن على حين شرعت زهرة تجر بقرتها الى زريبتها في كوخ يبعد مسافة زقاقين أو أكثر. اما نحن فقد احتمينا من شواظ الشمس بسكب الماء على ثيابنا وارجلنا واختبأنا في المنازل ريثما تميل الشمس وترحل نحو الغرب ضاقت بنا مخابي الحجر. ضقنا ذرعا بالصمت ومثلما تستفزنا المنازل بحجراتها يوحشنا صمت الظهيرة ... ومثلما يستهوينا الزعيق والركض في البراري. يطربنا النقر على الصفائح. وهو بي يوقظنا بصوته الاجش. ونبرته البحاء واذ نسمعه عن قرب نعود فنری فوق الدكة جسداً مسطولا التف ببساط اخضر تقترب فنخاف غير ان خوفناهذه المرة مشوب بفرح غامض بعودته تقترب منه ثم سرعان ما ترتد. انها واحدة من حيل يفتعلها هوبي فلا تنطلي علينا.
هو بي.. هوبي.
انه لا يجيب استغرقه النوم نوم الدية علا شخيره ثم تململ جسده كالمريض هل تذعه يغرق في نومه؟ لعله يعلم: لكن هل يحلم حقا؟ طال انتظارنا اذن لنوقظ الجثة من سباتها تهيأوا يا مغار.. تهيأنا.. اقتربنا من اذنيه
هتفنا:
حلمك سراب.. هو بي
شعشع وغاب.. هويي
ما ظل عتاب: هوبي
وان هي الا لحظات حتى تكشفت الجثة عن شخص السيد حليحل السقاء نضج المكان بالضحك وقد جعل السيد قريته مخدة: وحزامه الاخضر بساطا... ينام القيلولة على دكة هو بي ويخدعنا ولا يدري وحين يرانا يقولى (اتركوا هذا المسكين يا اصدقاء) وتركنا السيد في مكانه، يتثاءب وقد بان شعر فخذيه اسود غزيرا وبرزت دوالي ساقيه كما لو انها فتائل مجمدة.
ونحن الذين اعتدنا لن نراه صباح مناء فلم نره كأنا باختفائه فقدنا الصديق.
- ما العمل اذن؟
لتكن الجولة دون هوبي.
هذا لا يمكن وقلما حصل
نبحث عنه؟
نعم.
فلنعبر هذا الزقاق
فما ان عبرنا حتى صدنا تل من التراب - قطعنا الهل. هبطنا من يزحف زحفنا فعلا نحو حجر حجري لاج كالكهف غائرا في عمق أمتار داخل الأرض ولا حالم كان كالبرج يتصدره باب عريض بات كايد من الخشب رصع بدوائر من نحاس النحاس فقد بريقه الخشب تخرم فشاقطت منه بقايا صدأ ولكمات من الحناء الصقت كالأصابع وبرزت بشكل يلفت النظر. طرقنا الباب طلعت طفلة في السابعة جعداء الشعر تأكل حلوى وترتدي ثوبا موشى بالنميم رماديا تهزأ من أسفل قلنا للطفلة أخبري أمك بان في الباب جماعة يريدون رؤيتها. بمرت دقيقتان أو أكثر حتى اذنت لنا بالدخول دخلنا خمسة من الصبيان مرة واحدة: دخلنا صامتين مجللين برهبة لاسيما بعد ان اجتزنا مجازا شبه معتم ثم إذا بنا نجد أنفسنا نجلس متقاربين على حصيرة في حجرة ضيقة. نظرنا على استقامة فرأينا حوضا من الماء مربعا مخضر الحواشي على مقربة منه انتصب مقعد خشبي ادكن بلون السيان لمعت فوق سطحه قطرات ماء لم يطل انتظارنا لولا صوت ام هوبي سمعناه خلال الجدران ناعما عميق النبرات شبيها بصوت الملة (صفية) الذي اعتدنا سماعه وقت الاحزان.. سمعنا ام هوبي تقول (اصبري يا ام سعيد ولا تيأسي من رحمة الله والغائب سيعود) خرجت ام سعيد تجر ذيل عباءتها السوداء وتجر معها حسرة طويلة بينما بدا واضحا ان مضيفتها تحمل في ثنايا يديها صرة رمادية حوت قواقع واحجارا واصداف محار ميت.. بعد ذلك بوقت قصير عادت فسلمت علينا ولاح طيف ابتسامة في عينيها العميقتين وراحت تستعرض وجوهنا واحدا واحدا مرحبة بنا ترحيبا تتخلله عبارات ثناء لبقة جدا لم نعتدهما لدى عجائزنا وحين عرفت اسماء بعض من امهاتنا اطمأنت وابدت ارتياحها وقالت:
أنتم تطلبون ان اقرأ لكم
انت أفضل من تقرأ
ولكن مالكم وهذا الأمر؟
- ولم لا يعنينا هذا؟
أنتم صغار ابرياء ...
قلنا:
والصغار اليست لهم أسرار؟
قالت:
لا...
ظلت كالحيري تتأمل في ملامحنا خيم في ضوء عينيها ظل اسود. انحبست فيما بين الجفون دمعة. رفعت يديها نحو طرحتها البيضاء استعاذت بالله. حاولت في تلك اللحظة ان تحجب ما بين انظارنا الشاخصة وعينيها بنقاب لم يتضح. بيد ان حركة يديها كشفت عن ورقة طويلة جداً وظلت تتسربل على طول قامتها. استغرق طيها بضع دقائق اختفت في الظلام ثم ما لبثت ان عادت تسأل ان كان لدينا شيء تقوله قلنا:
نحن جئنا نسأل عن هو بي اين اختفى هل تعرفين؟
تحيرت النظرات في عمق عينيها ثم انسدل شيء من طرف وشاحها فغطي شعرها
ومقدم جبهتها قالت:
سيعود.
تنهدت ثم هزت رأسها كما لو كانت تقرأ في كتاب ثم اشرقت عيناها بالدموع
قالت:
الله - كما تعلمون - يرحم لكن الناس لا ترجم.
هوبي انسان طيب نحن نعرفه.
اتمنى أني لن اراه ابدا.
نحن نريد ان نراه.
مالكم؟ حتى أنتم لستم رحماء به.
هو بي صديقنا ماذا تقولين؟
اقول قد حل الشيطان في رؤوسكم.
لا أبدا.
ومثل المرأة بكينا. وحين مسحنا حبات الدمع التي انبربت خلال اصابعنا
قلنا لأم هوبي:
صحيح هو بي يبيع دمه؟
صحيح. كيف عرفتم؟
سمعنا هذا.
ولكن لماذا يبيع هو بي دمه؟
اسألوا والده.
والده. اين يقيم؟
يقيم في قبره.
عادت المرأة للبكاء فاحمرت عيناها وانت انيناً خفيفاً غير ان صوت السيد حليحل السقاء (ماي.. ماي) قد قطع صوت ولولتها نهضنا متباطئين. وحين ودعناها اطللنا بفضول على كوز الماء في المدخل اذ رأيناه فارغا خرجنا معا فارغين لكن ممتلئين بحلم غامض. سرنا في الشمس نحلم بهوبي والاراجيح. لكن الريح اشتدت عصفت بنا عصفا والزرقة في اعالي السماء تضاءلت تماما.
مثلما تنتشر النجيمات في أقصى السماء انتشرت حبات الرمان بدمها في طبق. دنونا منه اهتزت الأراجيح بمن فيها ارتفعت في الهواء على اسفل تدحرج الطبق المعدني فارغا. الورق صار زورقا الزورق مشى في الماء.. تلال من الخريط انفرطت في اكفنا مثل فتات الخبز اخذناها على عجل. التهمت قبل ان يطفو الجسد سابحا في المياه الموجية هل جعتم؟ شخص ما جاء بالديري. تكسر الديري وصلصل فيما بين الاسنان صلصلة الحصى ظمئنا للماء والماء جار في الفرات. وعربات العيد. ركبناها العربات تضج بالصبيان وبلب الجمباز. تمر عبر سهب من الرمال تسير بطاء في عرض الصحراء الكل يغني اغنيات الطريق. هو بي على مبعدة منا أوفر حظا يمتطي حصانا، من أين جاء بالحصان؟ نحن لا ندري. الحصان البني كالطائر يثير دقائق الزمن مثلما يثير حفيظتنا يجتازنا. راكبه هوبي يرفع يديه يحينا بكلمات لا تكاد تسمعها. يضحك للهواء والشمس والمطر ثم يغيب عن أنظارنا ذائباً في الفسق. لكننا بعد حين تلتقيه عند الاراجيح. الاراجيح اه.. ما زالت معلقة في فراغ المساء تردد صدى ضحكاتنا تأخذنا الاراجيحا على فاسفل فأعلى تنزل منها نقتاد هوبي ليدفع بأجسادنا. يدفع من جهة الظهر لكن على مثلثات من الخشب: المثلثات تثبتت في اطرافها حدائد دائرية من البربرين المحشو بالصجم. الحدائد تتلامع كالفضة. تحت ارجلنا تسير بالعربات المثلثة. نعبر بها الازقة والقباب الزرق. والمنعطفات التي تليها. تحلم بالرحيل الى اماكن لم ترها نصرخ يعلو صراخنا (لاسيما حين نرى شخصا نعرفه يبغي الرحيل معنا) غير ان هذا لا يدوم طويلا ان تؤخذ العربات منا عنوة لأننا صغار قد نجرح شرطيا أو أعمى أو أحد السابلة فاذا لم نبك نعود الى قامات النخل نلمح عبرها الاراجيح موصولة من اعلاها بحبال القنب فان تركناها.. بعد تعب. شدنا من الرمل. في ظلها بيوتا احطناها بالزوارق والسواقي فان هدمت البيوت وانكفأت الزوارق عدنا الى لعبة - شبي يا حيدر - حيث العصا تضرب العصا فتشب احداهما ويرتفع الصياح هلاهل.
فاذا شهدنا طائر الورق والفنارات خضرا وحمرا وصفرا تخرق ظلام المساء امسكنا خيوط البكرة فارتفعت في الليل اوراقنا كالمنديل وفي الصباحات تستفزنا كومة العصافير بهدير شقشقتها مثلما يستفزنا هذا زهر المشمش ونفرح اذ ستمتلئ بعد ايام جيوبنا بالنوى مشمش ونلعب لعبة النوى مثمين ونتركها حالما نرى جمال البادية تأتي على مهل كل عام تبرك في (المناخة) جائمة تحرسها عيون البدو.. هو بي يتلوى ألما لأنه لا يستطيع سرقة جمل ليهيم يه عبر الصحراء. فماله سوى ان يبرك مثل الجمال. يقهقه في حضرة البدو الصامتين أو يمضغ ما تبقى من شيء شبيه بنباتات الحلفاء فان سألت هوبي ماذا تأكل اجابك بسرعة (خبيز ...
خبيز) واذ نقترب منه تلك اللحظة نسأله:
هو بي تحب الجمل لو الحصان؟
الحصان
العرق لو الحصان؟
الحصان
نفسك لو الحصان؟
الحصان
- ابوك لو الحصان:
الحصان
ينهض هو بي يحدق في عيون الجمال: يقف امام اصحابها من البدو الملفعين بالفراء. يمد ذراعه اليسرى ثم يثني تلك الذراع مرة بعد أخرى متأملا فوقها كلمات (لا سيف الا ذو الفقار) موشومة بخط ازرق دقت فوق العضد والساعد. واذ يهيئ جسمه للحركة وهو واقف في مكانه يخرج صوتاً كالصهيل ثم يحمحم ماذا ذراعيه الى الامام. تمسك كفاه برشمة رسمها في الهواء وقبل هذا يكون قد حدد بقدميه موضع السرج والركاب وحين يعطي لنفسه اشارة الحركة يصهل ثم يعدو مسرعا كالحصان:
اين كل ذلك المدى؟
غاب.؟
ما غاب ...
اين هو بي اذن؟
ادخل منذ يومين أو أكثر للعلاج.. لكن المسالة لا تقف عند هذا الحد انما لا بد من اجراء عملية العملية تحتاج الى دم وانه ليس جاهزا على الدوام. الطبيب اتصل. حاول ان يحصل على دم المستشفى ازدحم بالصبيان. امه التي تمنت ذات يوم ان يرحل ابنها تخلصا من عذاب الدنيا تقف الان بين جمهرة نساء تقول خذوا دمي.. لكن الطبيب يوكد لها ان ليس باستطاعتها اعطاء الدم. لا أحد اذن يتبرع بل لا أحد يبيع دمه لقاء ثمن. لم الشمس تتكئ على طرف السياج ترسل لهبا ازرق. صارت تقترب من الأرض أكثر الضجة تتسع. الغبار يغطي سماء المكان نفسه بعباءتها السوداء تقف كالغريبة تمسح بشالها الابيض الغبار وحبات العرق. الدموع تملأ عينيها الواسعتين تنفرط في اصابعها ترتل في خشوع المزيد من الآيات ممن تعرفه وممن لا ترتجف في الضوء الكابي. تجتاز كل عقبات الطريق والزحام. تغوص قدماها في الطين وبيوت الناس تبحث هنا وهنالك تتصل بهذا أو ذاك تعرفه تلفها الحيرة ويغشاها الذهول. تصيح لكن من يسمع؟ ما عاد يسمع صوت استغاثتها بل ما عاد أحد يصدق ان هوبي يطلب دما فالدنيا لابد ان تظلم والاشياء تفقد الوانها والاصوات تجف لا شيء اذن لا قطرة امل. لكن الأمل في لحظة يأتي. تشكلت اطيافه للتو. بزغ حين الفتى الطويل مرق كالسهم وسط الهمهمات دخل الفتى دخل الامل كله. استقبله الطبيب مرحباً قالوا المتبرع بالدم قد جاء صلوا على النبي. تنفست المرأة. استطاعت لحظتها ان تميز من كان حواليها من البشر حسنا هو بي سيوهب الحياة زهرة لملمت أطراف ثوبها
بعد ان أطرقت في صمت. ابو طالب قال: لو أني أستطيع.. لو أني أستطيع. مرت الدقائق ثقيلة كالرصاص الانتظار تمدد والصمت عرش فوق الوجوه الفتى المتبرع دخل غرفة الطبيب ولم يخرج. ما الذي حصل؟ ما حقيقة الامر؟ ثم ما الذي سيقوله الطبيب؟ لا أحد يدري لا أحد يقول شيئاً لكن.. بين بزوغ الامل. واختلاجه اطل رأس الطبيب اخيرا تنهد الرجل وحين اعاد الى وجهه نظارتيه الزجاجيتين قال:
للأسف الفتى جاء متأخرا.
ماذا تقول متأخرا؟
نعم متأخرا فماذا نفعل؟
تململت ام هو بي اختضت كالسعفة غامت عيناها. ضربت كفا بكف ثم صرخت سبحانك.
الاكثر قراءة في النقد الحديث
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)