

الأدب


الشعر

العصر الجاهلي

العصر الاسلامي

العصر العباسي

العصر الاندلسي

العصور المتأخرة

العصر الحديث

النثر


النقد

النقد الحديث

النقد القديم


البلاغة

المعاني

البيان

البديع

العروض

تراجم الادباء و الشعراء و الكتاب
نقد قصيدة صبوح
المؤلف:
د. فائق مصطفى، د. عبد الرضا علي
المصدر:
في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات
الجزء والصفحة:
ص: 210-214
2026-03-24
44
صبوح
قصيدة أبي نواس
نقد: كمال أبو ديب
يا أبنة الشيخ أصبحينا
ما الذي تنتظرينا
قد جرى في عودك الماء
فأجري الخمر فينا
إنما نشرب منها
فأعلمي ذاك يقينا
كل ما كان خلافا
لشراب الصالحينا
واصرفيها عن بخيل
دان بالامساك دينا
طول الدهر عليه
فيرى الساعة حينا
قف بربع الظاعنينا
وابك إن كنت حزينا
وأسأل الدار متى فا
رقت الدار القطينا
قد سألناها. وتأبي
أن تجيب السائلينا
تسمح هذه القصيدة القصيرة. ذات البساطة الظاهرة باكتناه العلاقات التي تتكون بين الحركات المكونة لعمل أدبي. وبتأكيد أهمية مبدأ أساسي في المنهج البنيوي هو أن الظواهر لا تعني وهي معزولة وانما تعني القصيدة عبر العلاقات التي تنشأ بين هذه الظواهر. فالقصيدة مثلا ترتكز على مكونين بنيويين هما: الخمرة والأطلال. وقد ينقاد النقد التقليدي الى تحديد موقف الشاعر من الاطلال انطلاقا من ملاحظة وجود الأطلال في القصيدة فيقرر أن الشاعر لم يرفض الاطلال وإنما عمد الى استخدامها في القصيدة في ظروف معينة (مثلا حين كان يمدح خليفة عربيا يخشاه). ثم قد يقرر النقد التقليدي أن موقف أبي نواس من الاطلال يفتقر الى الانسجام ويدعو الى الشك في أصالة. فهو من جهة يهاجم الوقوف على الاطلال (دع الاطلال تسفيها الجنوب / وتبلي عهد جدتها الخطوب // لا تبك ليلى ولا تطرب الى هند) بلغة صريحة مباشرة ثم يأتي. من جهة أخرى. ليستخدم الاطلال في نص كهذا: (وقد يشك هذا النوع من النقد في الواقع في صحة نسبة القصيدة الى الشاعر أو كونها قصيدة واحدة. كما حدث حين سألت زميلا التعليق على القصيدة). ومن الجلي أن منطلق هذا النوع من النقد يكون. في الحالتين مجرد وجود ظاهرة الوقوف على الاطلال في النص المدروس أي الظاهرة وهي معزولة عن البنية الكلية التي توجد فيها والمنهج البنيوي يرفض هذا التناول الجزئي ويتهمه بالعجز والقصور - مؤكدا أن الظاهرة بحد ذاتها لا تعني وإنما الذي يعني هو العلاقات التي تنشأ بين الظاهرة وبين غيرها من الظواهر في النص.. حين تشكل كلها ثنائيات ضدية لكل طرف منها خصائصه المميزة ينبغي أن تميز اذن المكونات البنيوية. أو العلامات التي تتكون منها بنية القصيدة (والعلامة مصطلح أساسي في الدراسات اللغوية عند سوسير ورثه عنه البنيويون) ونحدد العلاقات التي تنشأ بينها ثم نحاول اكتناه الدلالات العميقة النابعة من هذه العلاقات. وهذا ما ستحاول الدراسة الحاضرة أن تفعله.
تتميز في بنية القصيدة علامتان أساسيتان هما: الخمرة / الاطلال. وتشكل هاتان العلامتان كونين وجود بين قائمين بذاتهما أو حقلين دلاليين لكل منهما خصائصه المميزة ووحداته الأولية المميزة: أي أن كل علامة تشكل حركة مكونة من حركات القصيدة: ومن تفاعل الحركتين تتشكل حزم من العلاقات التي تحدد بنية القصيدة ودلالاتها من جهة وعلاقتها بين القصائد الأخرى في الديوان. من جهة اخرى.
تتألف الحركة الأولى (حركة الخمرة) من ستة أبيات - يا ابنة الشيخ.. حينا -أما الحركة الثانية (حركة الاطلال) فإنها تتألف من ثلاثة أبيات - قف بربع ... السائلينا - ويلاحظ فوراً أن الحركة الأولى تشغل الحيز الأعظم من القصيدة (ثلثيها) أي أنها تبلغ ضعف حجم الحركة الثانية. ومن الشيق أن الحركة الأولى تتألف من أربعين وحدة لغوية (كلمات + حروف جر) بينما تتألف الثانية من نصف هذا. العدد عشرين وحدة لغوية. وإذا عدت أحرف العطف. بلغ عد الوحدات اللغوية في الحركة الأولى خمسا وعشرين وحدة. أي أن حجم الحركة الثانية هو دائما نصف حجم الحركة الأولى في كل الحالات (نسبة 2 / 1). يلاحظ أيضا أن الحركتين منفصلتان انفصالاً يميزه مؤشر لغوي واضح. أو بالأحرى مؤشر تقني واضح. هو التصريع: أذ أن الحركة الأولى تبدأ ببيت فيه تصريع (اصبحينا / تنتظرينا) وهذه ظاهرة عادية في الشعر العربي والحركة الثانية تبدأ ببيت فيه تصريع كذلك الطاعنينا حزينا وهي ظاهرة نادرة في الشعر العربي اذ ان التصريع من ملامح مطلع القصيدة. وتكتسب الظاهرة دلالتها. تبعا للمنهج البنيوي من التشابه والتضاد اللذين توفرهما: فهي تخلق تشابها بين الحركتين الأولى والثانية يؤدي الى تمييزهما واعتبارهما حركتين منفصلتين وهي تخلق تضادا بين مواقع وجود التصريع ومواقع الخلو منه. ولولا ذلك لما كانت تعني الكثير. ذلك أن التصريع يقتصر على هاتين الحركتين ويرد في بدئهما فقط. ويختفي من الأبيات التي تقع في وسط كل منهما ويؤكد هذا التأشير التقني أن الحركتين تمثلان بدءين مستقلين وكونين منفصلين
يتأكد هذا التمايز والانفصام في البنية اللغوية والعلاقات التركيبية (النظم. بمفهوم عبد القاهر الجرجاني) في الحركتين. تبدأ الحركة الأولى بمنادى مضاف يتلوه فعل الأمر. بينما تبدأ الحركة الثانية بفعل الأمر مباشرة (قف). ويتلو فعل الأمر في الحركة الأولى جملة استفهامية استفامها حقيقي بينما يتلو فعل الأمر في الثانية فعل أمر أخر معطوف عليه ثم - على مسافة قريبة - فعل أمر ثالث معطوف عليهما. ثم جملة استفهامية في ظاهرها (متى فارقت الدار) أخرجت عن تركيب الاستفهام بوضعها في سياق الفعل (أسأل). ثمة فرق أخر في طبيعة جملتي الاستفهام: إذا اعتبرنا الجملة الثانية استفهاما حقيقيا وأسأل: متى فارقت الدار القطينا فإنها تظل ذات طبيعة مغايرة للجملة الاستفهامية الأولى ما الذي تنتظرينا؟ على صعيد آخر هو صعيد الذات التي توجه السؤال (الشاعر/ المخاطب الواقف) الا أن ثمة تمايزا أعمق بين الحركتين هو التمايز بين يا ابنة الشيخ وقف.. وتنشأ من هذا التمايز ثنائية ضدية تتحرك على مستويين: المؤنث /المذكر. المعرفة / النكرة - ابنة الشيخ محددة / الضمير في قف غير محدد له دلالة عامة كما تنشأ ثنائية ضدية زمنية اصبحينا متى فارقت الدار؟ زمن محدد للشرب - الصباح / زمن الفراق غير محدد. هكذا يجلو البحث وجود سلسلة من الثنائيات الضدية بين الحركتين وتظهر متابعة البحث أن هناك عدداً آخر من الثنائيات الضدية التي تحدد علاقة عميقة الدلالة بين الحركتين ستناقش في فقرة تالية. من هذه الثنائيات ثنائية العلاقة بين الفرد - الجماعة وهي علاقة تواصل / انفصام. ذلك أن الحركة الأولى تبرز صيغة جماعية - الشاعر - صحبه - في حالة من التناغم والتواصل (اصبحينا جميعا /نشرب جميعا) أما الحركة الثانية فإنها تبرز في صيغة المفرد بحدة أكبر (قف /ابك / اسأل) وحين تظهر صيغة الجماعة - الظاعنين - فإن العلاقة بين المفرد والجماعة تكون علاقة انفصام وهجران يسببان الألم (هم ظعنوا وتركوك حزينا). كذلك تنشأ ثنائية الفرد - الجماعة على صعيد آخر (الشاعر وصحبه / الفرد الواقف في الاطلال): (أسأل / سألناها). ينعكس التصاعد بين التواصل والانفصام على أكثر من مستوى حركة ابنة الشيخ حركة باتجاه جماعة الشاربين / حركة الظاعنين حركة ابتعاد عن الواقف في الربع. وفي الحركة الأولى انفصام واحد فقط. لكنه لا ينشأ على صعيد العلاقات بين جماعة الشاربين نفسها أو المرأة - الندامى. بل الندامى الذين يشربون شرابهم المميز والصالحين الذين يشربون شراباً آخر ... وهؤلاء في الواقع ألصق بعالم الحركة الثانية. لأنهم ينتمون الى التراث الأخلاقي -الديني. والاطلال تنتمي الى التراث الثقافي - الفكري. وكلا التراثين يستقي من الجذور ذاتها: فهما. رمزيا. تراث واحد.
على صعيد أعمق تمثل الاطلال عالم الجدب والجفاف. أما الخمرة فإنها تمثل عالم الرواء والاخضرار. ويتجلى هذا في صورة المرأة (قد جرى في عودك الماء) وفي حين لا يمنح عالم الاطلال رواء. فان عالم الخمرة يمنحه - فأجري الخمر فينا -كما يجسد عالم الاطلال عالم الصمت وانعدام الاستجابة (قد سألناها وتأبى أن تجيب السائلينا). أما الخمرة فانها تجسد عالم الحيوية والاستجابة (أصبحينا. ضمنيا. تعني استجابة الساقية فعلا). من هنا يمثل مطلعاً الحركتين أيضا ثنائية ضدية على صعيد الاستجابة: كل منهما يطرح سؤالا موجها الى ذات أخرى: لكن الأول يلقى استجابة أما الثاني فلا يلقى استجابة.
ينمي البيتان الخامس والسادس ثنائية ضدية أخرى تتحرك على صعيد الزمن. البخيل هو النقيض الأكمل للذات التي تطلب الخمرة. والبخيل يدين بالبخل والامساك. وكما أن المتدين - المؤمن دينيا - يطلب زمنا آخر ويعيش له هو زمن الآخرة. فيضيق بالزمن الارضي ويحس بثقله وبطئه وأن كل لحظة منه تعادل دهرا فان المتدين (البخيل المؤمن بالبخل) يحس أن الزمن الأرضي ثقيل بطيء. وأما شارب الخمرة فانه يرى في الحظة الحاضرة تجسدا للزمن المطلق. لأن اللحظة الحاضرة هي لحظة النشوة والغبطة الأبدية. والنشوة تختصر الزمن كله في ذاتها -من هنا دلالة الحضور في الشعر الصوفي. في توحد الخمرة بالنشوة الروحية - أي أن زمن البخيل وزمن شارب الخمرة يشكلان ثنائية ضدية جذرية الأهمية. ويرتبط زمن البخيل بزمن الاطلال. لأن الاطلال تجسيد أسمى لطول الزمن ومروره وثقله وافساده للحظة الحيوية والجمال والخصب. وهكذا تحرك ثنائية الزمن على صعيد الخمرة / الاطلال كما تتحرك على صعيد زمن الشارب / زمن الاطلال - زمن الشارب / زمن البخيل. (1)
_______________
(1) جدلية الخماء والتجلي. ص 170 - 174
الاكثر قراءة في النقد الحديث
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)