

الأدب


الشعر

العصر الجاهلي

العصر الاسلامي

العصر العباسي

العصر الاندلسي

العصور المتأخرة

العصر الحديث

النثر


النقد

النقد الحديث

النقد القديم


البلاغة

المعاني

البيان

البديع

العروض

تراجم الادباء و الشعراء و الكتاب
قميص السعادة
المؤلف:
د. فائق مصطفى، د. عبد الرضا علي
المصدر:
في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات
الجزء والصفحة:
ص: 206-209
2026-03-24
34
قميص السعادة
مقالة
زكي نجيب محمود
يحكى ان رجلا ضاق بنفسه وضاقت به نفسه ومل الحياة وملته الحياة. لا يكاد يستقر في مكانه من مأواه حتى يخرج هائما على وجهه في الطريق، ثم لا يكاد يهيم في الطريق على وجهه حتى يقفل راجعا الى مكانه من مأواه ولبث على هذا النحو حينا. فاشتد به القلق ولم يعد في قوس الصبر عنده منزع.
وما هو ذات يوم الا ان ضرب المنضدة أمامه بجمع يده. وقال لنفسه في لهجة حازمة جازمة اما موت واما حياة - كما يقول هاملت - اما موت يقضى على هذه الحياة الخيالية الخاوية الفارغة الا من التافه السفساف. وأما حياة خصبة مليئة غزيرة بعيدة الأغوار.. فاما الموت فلست أشتهيه لنفسي وإذا فلا بد لي منذ اليوم أن أعيش وأن أعيش سعيدا. راح يفكر كيف السبيل الى ذلك العيش السعيد المأمول. واستهدى الناس الى هدفه المرجو سواء السبيل فقال له قائل الأمر هين ميسور ابحث عن أسعد الناس عيشا وأحفلهم بالحياة. حتى إذا ما جئته البس قميصه ساعة أو ساعتين تكن مثله سعيدا محتفلا بالحياة. وانطلق صاحبنا يبحث عنه في الحضر تارة وفي البادية طورا. يبحث عنه في القصور مرة. وفي اكواخ الريف مرة حتى جيء به يوما الى رجل شهد لنفسه وشهد له الناس من حوله انه سعيد هاني. لم يعرف قط في حياته كيف تضيق النفوس وتحرج الصدور.. فاذا هو عريان الجسد لا يملك قميصا. عاد الرجل من سفره وهو يتدبر ما وجد وما رأى.. ها هو ذا الحق قد وضح امام عينيه أبلج ناصعا. لم تعد السعادة في رأيه مشكلا معضلا. فقيم هذا الكلام الطويل العريض الذي ما أنفك يديره الناس في أفواههم عن السعادة والحياة السعيدة؟ ان اللغز لم يعد لغزا. أن سر السعادة قد افتضح. سر السعادة في قلة الحاجات فقل لي كم تتطلب لحياتك من حاجات. أقل لك كم انت سعيد.. هي عملية حسابية أولية بسيطة لو بلغت حاجاتك صفرا كانت لك مائة السعادة كلها. وتزيد حاجاتك فيهبط مقدار السعادة في نسبة عكسية دقيقة. لم يكن ديوجنيس - إذا -هازلا حين اكتفى من دنياه ببرميل يقيم فيه. فلما جاءه الاسكندر العظيم يسأله: ماذا تريدني أصنع لك من معروف؟ أجابه: لا أريد منك سوى أن تبعد عني الآن حتى لا تحجب ضوء الشمس إذا آمنت بأن ملابس الشتاء تنفعك في الصيف كذلك فأنت أقرب الى الحياة السعيدة ممن لا يتصور الحياة بغير ملابس للصيف وأخرى للشتاء وإذا آمنت بأن غرفة واحدة تكفيك للنوم والأكل والجلوس والقراءة. فأنت أقرب الى السعادة ممن لا يتصور الحياة بغير عشر غرف أو عشرين. وإذا آمنت أنك تستطيع بيديك أن تؤدي لنفسك معظم حاجاتك. فأنت أدنى الى العيش السعيد ممن يستحيل عليه العيش بغير خدم وأتباع ... وهكذا قل في شتى جوانب الحياة وأوضاعها. لكن ما أيسر القول وما أشق العمل فأيسر اليسر أن تقول لنفسك: البس ملابس الشتاء في الصيف واسكن غرفة واحدة. واصنع هذا وذاك بيديك وامش الى هنا وهناك برجليك.. أيسر اليسر أن تقول لنفسك: ان كان عبء الحياة ثقيلا على كاهلك فانفضه عن نفسك بضربة واحدة وعزمة واحدة، تزج عن كاهلك العبء الثقيل الذي يبهظه وينقضه. أما أن تنفذ هذا الذي تنصح نفسك بفعله فأمر دونه أقوى ما عرف البشر من مضاء الارادة وقوة التصميم. وان شئت فاقرأ للغزالي كيف كادت نفسه تتمزق اربا من شدة ما كان يعانيه من تردد حين أحس الرغبة في اعتزال حياته المدنية بكل ما جاءته به من مجد وجاه ليلوذ بحياة بسيطة ساذجة متقشفة زاهدة. ولا أكتم القارئ أني في موقف شبيه بهذا أحس رغبة عارمة في الانطواء والانزواء والاختفاء وخلع الحياة المعقدة لألوذ بما هو أبسط وأخذ من ألوان الحياة. لكن ما حيلتي ان عزت على ارادة الغزالي وأمثاله؟ انني اتمنى الآن أن اعيش أبسط العيش وأبعده عن التركيب والتعقيد، ومع ذلك تراني لا أصنع شيئا في سبيل التنفيذ فلا أزال أتأنق في ثيابي. وأجل منها شيئاً للصيف وشيئا للشتاء. وهذا الثوب للنهار وذلك للمساء حيلتي ازاء ذلك كله هي حيلة العاجز. وقد اصطنعتها. الا وهي التنفيس عن طريق القراءة. فأقرا الرجل عاش هذا العيش البسيط الذي أتمناه ووصف لنا أسلوب عيشه فلعلى أستمتع على صفحات كتابه بحياة أتمناها ولا أقوى على تحقيقها ومن يدري؟ فقد يكون هذا هو نفس ما يقصد اليه الادب كله من غايات فيعيش الاديب للناس. بمعنى انه يعاني حياة معينة ليقدمها مكتوبة. فيعيشها غيره وهو مضطجع على مخدعه مسترخي البدن مستريح البال. وكان الكتاب الذي اخترته ليحقق لي ما ابغيه هو كتاب وولدن الذي وصف فيه الكاتب الأمريكي هنري ديفد ثورو حياته في الغابة التي فر اليها من وجه المجتمع الممقوت البغيض. وقد كنت اهم بقراءة هذا الكتاب منذ سنين. وكانت تصرفني عن ذلك شواغل الحياة حتى سنحت هذه الفرصة البديعة لقراءته. فهاننا فيما يشبه الحالة التي دفعت هنري ديفد ثورو الى هجر المجتمع فرارا من تكاليفه المرذولة وتقاليده الممقوتة. لكني لا أملك الشجاعة التي كانت له فحققت له ما أراد من هروب. فلا أقل من أن أصاحبه في فراره وأنا مستلق على مخدعي ضاق ثورو بهذا التنافس الحاد العنيف الذي يتدافع الناس فيه بالمناكب. سعيا وراء ادوات العيش التي الهتهم عن العيش ذاته. وفكر وتدبر فلم يجد مهربا الا الحد من حاجاته حتى لا يضطر الى العمل الا بضع ساعات قليلة وهو في ذلك يقول: أن أوضاع الأمور يجب أن تنقلب رأساً على عقب فبدل أن نسعى ستة ايام وتستريح في السابع. ينبغي أن يكون سابع ايام الاسبوع هو فترة العمل التي نكسب فيها رزق الحياة بالكدح وعرق الجبين أما الستة الايام الاخرى. فكلها يكون عطلة الاسبوع. نستمري فيها حياة الوجدان والروح. ونستجلى فيها روائع الطبيعة في جلالها وجمالها. لكن المدينة - بالطبع - لم تسمح له بمثل هذا الذي تمناه ففر الى غابة عاش فيها مع الحيوان الذي احبه لأنه أحب الحياة في شتى صورها.. وهل تظنه قد استراح في عزلته تلك من أعباء المجتمع؟ لا والله. بل ذهب اليه في مكمنه جباة الضرائب يطلبون منه ضريبة للدولة فأبى أن يجيبهم الى ما طلبوه احتجاجا على سياسة الدولة عندئذ في ارغام العبيد الفارين على العودة الى المزارع التي كانوا يعملون فيها لسادتهم. فقبض عليه وسيق الى السجن. وهاهنا يروى أن أمرسن زاره في سجنه وسأله: ما الذي جاء بك الى هنا يا هنري؟ فأجابه: العجيب هو أنهم لم يجيئوا بك أنت أيضا إلى هنا يا أمرسن.
قرأت كتاب وولدن وتعلمت منه درسا لن أنساه ما بقيت على ظهر الأرض حيا تعلمت ذلك الدرس من سؤال القاه ثورو على نفسه وأجابه لنفسه.
ما الذي يبرر للإنسان أن يعيش حياته؟
أنه لا مبرر للإنسان أن يحيا لحظة واحدة أن ملك الدنيا بأمرها وفقد نفسه.
أن عناصر المقالة الأدبية التي ذكرناها تتجلى هنا مثل العفوية إذ لامنهجية فيها ولا تكلف والذاتية فهي تعكس وجهة نظر كاتبها في السعادة وخبرته الشخصية وتجاربه فيها والأسلوب المثير والممتع القائم على الخيال والصور والعبارات الموسيقية وعناصر التشويق من بداية جاذبة وحكاية وخاتمة تعطي القارئ شعورا بالاقتناع والرضا.
الاكثر قراءة في النقد الحديث
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)