أكثر الأشياء توزعا بالتساوي في هذا العالم
المؤلف:
رولان أومنيس
المصدر:
فلسفة الكوانتم
الجزء والصفحة:
ص342
2026-01-19
435
سوف تؤكد ختاما على الصلة الوثيقة بين المنهج رباعي المراحل وبين كل من تطور العلوم الصورية واللازمة الحديثة التي نجمت عن هذا، وهي تغير منزلة الحس المشترك.
من شأن المنهج العلمي المعاصر أن يثير دهشة أسلافنا وتعجبهم. لا شيء يماثله في خضم المناهج التي ناقشها بيكون وبالنسبة إلى بيكون يحتل الاستقراء المرحلة المركزية، وبالتالي فإن الدراسة اليقظة للوقائع تفضي إلى القوانين التي تطيعها هذه الوقائع، مما يتيح لنا أن نستقرئ القوانين من الوقائع البون شاسع بين هذا وبين الفكرة الحديثة فكرة مرحلة التصور، أما التحليق المنطلق للخيال في هذه المرحلة التصورية فلا شيء سواه أبعد عن الحس المشترك الديكارتي.
لن تؤكد على العلاقة بين العلوم الصورية والحس المشترك، فقد ناقشناها مناقشة مستفيضة، ولنقتصر على ملاحظة مفادها أنه في أعقاب ،هيوم سوف يتعرف علم النفس المعاصر، كما فعل جان بياجيه على أصول المفاهيم وأصول الحس المشترك لدى الأطفال في ملاحظة العالم المحيط بنا (الأبستمولوجيا التكوينية عند بياجيه)، شريطة ألا نكون قد راقبنا في سنوات الطفولة الباكرة قطارا ينطلق بسرعة تقترب من سرعة الضوء، وألا يكون الطعام الذي نتناوله من أوان قريبة من الثقوب السوداء، حيث يمكن أن تشاهد العيون المجردة انحناءة المكان. إننا لم نر البتة حيود الإلكترونات، ولا رأينا بالأحرى، تموج الضوء في شباك عنكبوتية. فلا عجب إذن من ظروف لا نستطيع أن نتخيلها أو أن نرسم لها لوحة تلك الصور مفتقدة تماما من ذخائرنا، ويعجز مخنا عن أن يخلقها.
كان يمكن أن يكون العالم بسيطا ومتماثلا في كل الأرجاء مع ما يتبدى الموهلة الأولى. هذا ما اعتقده الفلاسفة القدامى، وقاموا ببناء مبادئ كاسحة على أساس هذا المعتقد. وعلى هذا ظل العلم كلاسيكيا، علما معقولا، وكان للصورية أن تكون محض واجهة صُممت فقط لتجعله أكثر دقة. كان يمكن أن تكون الأشياء على هذه الشاكلة، لكنها ليست هكذا. هذه حقيقة، ومن نكون نحن حتى نملي على العالم كيف ينبغي أن يكون؟
تحط الدهشة من كل صوب وحدب والعلم قادر على هدم الجدران التي يبدو أنه يراد أن نظل حبيسيها إلى الأبد. كان هيوم مخطئا في اعتقاده أن العقل البشري غير قادر على الوصول إلى منابع نظام الأشياء، النظام الذي أتاح لنا ان نضع لها أسماء. وكان كانط هو الآخر مخطئا حين عمل على كبح رغبتنا في الفهم فوضع أفكارا أولية وقصر الفهم على ما يمكن أن يتمثله الخيال في صور وكلمات لدينا منافذ بوسائل أخرى لكي نصل إلى ما لا تستطيع اللغة العادية أن تصل إليه أو تمثله، نصل إلى ما يقع خارج حدود المكان المنبسط إلى غير نهايات بل ولدينا منافذ لنصل إلى الأشياء التي تشغل أكثر من مكان واحد الدهشة ماثلة، وبالتالي، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه الفلاسفة هو سؤال حول هذا الخلاص للعقل. من الواضح أن الإجابة تكمن في المنهج العلمي الذي وصفناه الآن لتونا . أجل الصورة الكلاسيكية للعالم في حد ذاتها محدودة، لكن لا شيء يحدد التمثيل العلمي، خلال المرحلة التصورية للمنهج كامل الحرية في أن يأخذ في اعتباره كل الفروض، حتى ولو كانت فروضا مجلوبة من أبعد زمان أو من أبعد مكان، وذلك لكي يحكي قصة الواقع يمكن أن نجرب كل شيء إنه تجريد مقدام لشيء ما أحرز نجاحا في مكان آخر استكشاف معارف بالغة الشعوب لكن موثوق بمصدرها. قفزة في الخلاء. قمة الجبل تقبع في عليائها والخبرة هي فقط المرسوم الذي تصدره مثلما يكون الاتساق هو كل الأخلاقيات التي تتحلى بها . لا تمتثل الحقبة التصورية لأي شروط قبلية مرة أخرى، كيف لنا أن نتوقع من العالم أن يتبع القواعد الخاصة بنا؟ نستطيع فقط أن نشرع في البحث عن قواعد، إنها لقواعد جديرة بالإعجاب. أما الحقيقة القائلة أننا نستطيع أن نصل إلى تلك القوانين بواسطة الرياضيات فإنها يجب تأويلها من حيث هي وحي فلسفي جليل. على هذا النحو يوجد المنهج، بغير حدود، والأسس القصبة له هي حرية العقل.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة