السؤالان الروسيان (لماذا تستمر العلوم الزائفة؟)
المؤلف:
مايكل دي جوردين
المصدر:
العلوم الزائفة مقدمة قصرية جدا
الجزء والصفحة:
ص97
2026-06-16
30
من الصعب إنكار أن معرفة البشر بكيفية عمل الكون قد زادت بشكل ملحوظ مقارنةً بما كانت عليه منذ الألفية الماضية أو القرن الماضي، أو حتى منذ عَقد من الزمن. لكن هذا لا يعني أننا نمتلك خارطة طريقٍ دقيقة عن الطبيعة، وأن الإجماع العلمي السائد اليوم لن يتبدَّل في المستقبل؛ فقد يتغير حتى تغيرًا جذريًّا. ومع ذلك، يطرح ذلك أمامنا لغزًا يتعلق باستمرارية النظريات غير التقليدية. إذا كان العلم يُنير العقول، والتنوير يقضي على النظريات المضلِّلة، فلمَ لا يزال من السهل العثور على «العلوم الزائفة» في عصرنا العلمي الحالي؟
لا يزال ذلك سهلًا للأسباب نفسها التي جعلت ظهورها سهلًا في العصور السابقة. إننا لن نتمكن من التخلص من العلوم الزائفة تمامًا. وبما أن نظرياتنا عن العالم الطبيعي تتغير بمرور الزمن، ونظام إنتاج المعرفة لدينا قائم على تنافس الباحثين الذين يبحثون في مسائل متشابهة، ويقدمون تفسيراتهم المختلفة على أنها أفضل من المعارف السائدة، فإن وجود فائزين وخاسرين أمرٌ حتمي. وقد يُقر الخاسرون ببساطة بمزايا المزاعم التي انتصرت دون الإصرار على مواقفهم التي رفضها الإجماع العلمي، ولكن هذا السيناريو يبدو غير محتمل. إن الإطار التنافسي الذي يُنتَج فيه العلم يخلق بطبيعة الحال مزاعم بائدة ومثيرة للجدل يمكن أن تجتذب مؤيدين.
ومع ذلك، فإن هذه الحالات البائدة والمثيرة للجدل لا تُشكِّل كامل ما يُطلِق عليه الإجماع العلمي السائد اسم العلوم الزائفة. فقد جرى في بعض الأحيان الاستيلاء على بعض الأفكار المتعلقة بالعالم الطبيعي واستخدامها كأدواتٍ للدعاية، وفرض الأيديولوجية من قِبل الحركات السياسية (أو قادتها). هذا التبني المسيَّس يُعَد في حد ذاته نتيجةً ثانوية للمكانة الرفيعة التي تتمتع بها العلوم الطبيعية، ويرتبط بالتوقُّع المعتاد في العصر الحديث بأن تدعم الحكومات البحث العلمي. وحيثما تستثمر الدولة، تسود رقابتها، ويمكن أن تصبح العلوم مفرطة التسييس. وهذا الجانب أيضًا يرتكز على بِنية نظامية.
هذه النتائج مثيرة للإحباط. ما الذي يجب أن نستنتجه من المنظومة المعقَّدة للنظريات غير التقليدية؟ سيساعدنا أن نقسِّم هذا السؤال إلى جزأَين منفصلَين، أسمِّيهما «السؤالَين الروسيَّين»، لأن كليهما مستمدان من عنوانَي روايتَين روسيتَين من القرن التاسع عشر (ولكنهما ليسا من أفضل الأعمال الأدبية): رواية «من المُلام؟» لألكسندر هيرزن، المنشورة في الفترة ما بين عامَي 1845 و1846، ورواية «ما العمل؟» لنيكولاي تشيرنيشيفسكي، المنشورة عام 1863. (استخدم فلاديمير لينين أيضًا عنوان الأخيرة ليكون عنوانًا لمقالٍ سياسي في عام 1902) يُعبِّر هذان السؤالان إلى حدٍّ كبير عما نعتقده عن ظاهرة العلوم غير التقليدية.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة