من المُلام؟ (من المسؤول عن العلوم الزائفة؟)
المؤلف:
مايكل دي جوردين
المصدر:
العلوم الزائفة مقدمة قصرية جدا
الجزء والصفحة:
ص98
2026-06-16
30
منذ ظهور مصطلح «العالِم الزائف» يُستخدم كأداة ازدراءٍ وانتقاص. لم يستخدم أحدٌ يومًا هذا اللقب طوعًا ليصف نفسه، بل يستخدمه الخصوم دومًا للتشكيك في مصداقية الآخرين. الإجابة النموذجية عن سؤال اللوم، التي يقترحها أولئك الذين يُطلقون هذا الوصف، هي أن العلماء الزائفين أنفسهم مسئولون عن العلوم الزائفة. ولو كفُّوا عن الدفاع عن هذه المذاهب المشكوك فيها، لاختفت العلوم الزائفة تمامًا.
رغم أن هذا الطرح يتميز بالوضوح، فإنه يعاني من مشكلاتٍ مفاهيمية تمنعه من أن يكون ردًّا ناجعًا. أولًا، العلماء الزائفون المزعومون لا يرَون أنهم يدافعون عن علوم زائفة، بل على العكس، عادة ما يرى أولئك الذين يعملون في العلوم المناهِضة للعلم المؤسسي أن الإجماع العلمي السائد هو الحصن الحقيقي للعلم الزائف. هذا الاتهام لا يُوجَّه من العلوم غير التقليدية إلى المؤسسة العلمية الرسمية فحسب، بل يُستخدم أيضًا على نطاقٍ واسعٍ بين جماعات العلوم غير التقليدية لوصف بعضها لبعض. يعتبر أنصار الكارثية الكونية أن أنصار نظرية الخَلق علماء زائفون، بينما يسخر المنجِّمون من مؤيدي نظرية الأرض المسطحة، وهكذا إلى ما لا نهاية.
كان يمكن لهذا الأمر أن يكون أوضح لو أن أغلب أعضاء المجتمع العلمي اتفقوا على تعريفٍ موحَّد لمن يُعد عالمًا زائفًا، ولكن الواقع ليس كذلك. تبيَّن أن «الإجماع العلمي» ليس ثابتًا كما قد تعتقد. على سبيل المثال، ثمة نظرية سائدة حاليًّا في علم الكون تُعرَف باسم التضخم الكوني، وهي تفترض أن الكون قد مَر بمرحلة توسُّع متسارع لفترة وجيزة بعد الانفجار العظيم. ومع ذلك، خرج بول ستينهارت، أحد المساهمين في وضع أسس هذه النظرية، ليصف ذلك الإجماع العلمي في عام 2017 بأنه «علم زائف». غير أن أنصار نظرية التضخم يرفضون هذا الرأي بشدة، ويظل موقف ستينهاردت رأي أقلية لا يحظى بقبولٍ واسع.
لنأخذ مثالًا آخر وهو نظرية الأوتار الفائقة، وهي مجال رياضي شائك يسعى إلى التوفيق بين ميكانيكا الكم (التي تحكم عالم الجسيمات الدقيقة) والنسبية العامة (نظرية أينشتاين للجاذبية التي تتجلَّى إلى أقصى حد في المستويات الفلكية) من خلال افتراض وجود أوتار صغيرة تهتز في أبعادٍ يتراوح عددها بين عشرة وأحد عشر. وقد جعلت إمكانية التوصل إلى «نظرية لكل شيء» من هذه الفرضية فكرةً جذابة بشدة في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، حتى غدت عند مطلع الألفية أحد المجالات الفرعية للفيزياء النظرية. ومع ذلك، فإن صِغَرَ النطاق الذي من المفترَض أن تعمل فيه الأوتار يجعل من شِبه المستحيل التحقُّق منها تجريبيًّا. واحتجَّ المعارضون بأن عدم قابلية التحقق منها عمليًّا، بالإضافة إلى تأثيرها المهني المتمثل في استبعاد مقاربات بحثية بديلة، يستدعي رفضها. أما أنصارها، فعلى النقيض، يتمسكون بأناقة صياغتها واتساقها الرياضي، رغم أنهم انسحبوا من أمام خصومهم بخصوص بعض النقاط بأن غيَّروا اسمها إلى «الجاذبية الكمية»، مما فتح المجال أمام نُهج بحثية أخرى. لا شك في أننا في حاجة إلى تنوع الأفكار في العلوم، إلا أن تحقيق التوازن الصحيح بين هذا التنوع، والحفاظ على نَهج علمي صارم دون الوقوع في فخ العلم الموحَّد أو «الفوضى المطلَقة» ليس بالأمر الهيِّن. فإذا كان من الصعب تمييز الإجماع العلمي في المجالات البحثية الأساسية، فليس من الغريب أن يكون تصنيف العلماء الزائفين في المجالات الهامشية أمرًا بالغ التعقيد.
حتى إن استطعنا تحديد هوية العلماء الزائفين، فما الذي سنلومهم عليه؟ هل سندينهم بسبب سلوكيات معينة: التركيز الشديد على مسألة محددة، ومقاومة الأدلة المعارضة، والميل إلى الإسهاب، أو الإصرار المتعنت عند الدفاع عن الآراء، والميل إلى كتابة رسائل واستخدام الأحرف الكبيرة وعلامات التعجب بإفراط، وغيرها من السمات الواضحة التي تُنسب إلى «المهووسين»؟ يُظهر العديد من أنصار المذاهب غير التقليدية في واقع الأمر بعض هذه الصفات، إن لم يكن جميعها. تكمن المشكلة في أن العديد من العلماء الذين يعملون بجِد لصالح الإجماع العلمي باستخدام الممارسات والنظريات السائدة يُظهِرون هذه الصفات أيضًا. بالتأكيد، قد تكون هناك صفات شخصية مشتركة بين العديد من أولئك الذين يُصنَّفون كعلماء زائفين، ولكن من الواضح أيضًا أن هذه الصفات ليست حكرًا على مَن لا ينتمون إلى التيار العلمي السائد. لن يتمكَّن علم النفس غير الطبيعي من تقديم حل عصبي لمشكلة تمييز بوبر العصية على الحل فلسفيًّا.
في بعض الأحيان، لا تكون ثمة حاجة إلى السؤال عمن يجب أن يُلام. فمثلًا، يتحمَّل ليسينكو، ولينارد، وشتارك مسئولية السخافات التي روَّجوها. ولكن هناك من عملوا بحسن نية لفهم العالم الطبيعي، وإن كان ذلك وفق افتراضات اعتبرها المجتمع العلمي غير تقليدية بشدة في أفضل الأحوال، إن لم تكن خاطئة تمامًا. وبدلًا من إلقاء اللوم على الأفراد لمشاركتهم فيما يُعَد، في أغلب الأحيان، حماسًا صادقًا للعلم، ولكن في غير محله، يمكننا أن نتبنى استراتيجية مماثلة لتلك التي تناولناها في مشكلة التمييز. فبدلًا من إلقاء اللوم على عامل واحد عام، يمكننا البحث عن العوامل السياقية الخاصة، وبذلك نتجنب دون قصد تقديم كبش فداء.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة