من النتائج العظيمة للنظرية النسبية هي تغير رؤيتنا ومفهومنا حول الزمن فقد كان الاعتقاد السائد أن الزمن يسير في مجرى الحياة وأنه مفهوم ثابت في كل أرجاء الكون، لكن تبين وفق النظرية النسبية أن مفهوم الزمن نسبي
يرجع لسرعة المتحرك، وجملة المقارنة التي تقارن هذه الحركة بها وبالتالي فهو أزمان، لكل متحرك مع جملة مقارنة معينة وبسرعة معينة زمن معين وبالتالي فالزمن هو عداد للحركة، ولهذا الأمر تداعياته العظيمة في مختلف العلوم والمجالات
وبالنسبة للحق فهل هو مفهوم ثابت واحد أم أنه نسبي أيضاً؟؟ أولاً الكل متفق على أن الحق في علم الله حق ثابت واضح لا يتزعزع وهذا لا ينتطح به عنزان.
ولكن حديثنا هو عن الجهود البشرية دائماً، فالنص المقدس لا يُستعمل فوراً ولكن يأتيه الجهد البشري بالشرح والتحليل والربط والتعميم والتخصيص وهذا كله جهد بشري، لذا فهو ليس الحق المطلق في علم الله تعالى وبالتالي فهو خاضع لظروف البيئة ويتأثر بالمفاهيم السائدة في ذلك العصر ومتعرض للسهو والخطأ فهو بشري كما قلنا.
إذا شبهنا سرعة الجسم بسرعة الوعي والإدراك وشبهنا علوم العصر ومعارفه بالقوة الدافعة الأولية التي تمنح الجسم السرعة الابتدائية، فإنك ستجد فرقاً كبيراً بين جسم ينطلق ابتداءً من سرعة تفوق سرعة جسم آخر بعد انطلاقه فعندها يكون السباق غير عادل وهذا لا ينفي أن يكون في تراثنا صواريخ وطائرات نفاثة قد سبقت عصرها واخترقت جدران العصور، فسرعة الوعي والإدراك تلعب دوراً كبيراً، ولكن هذا لا يقودنا أيضاً أن نطلق حكماً عاماً أن ملاذنا الوحيد في صفحات الكتب الصفراء فهذا انتحار فكري وعقلي.
إذا شبهنا -ولله المثل الأعلى الحق الثابت الدامغ في علم الله تعالى بالهدف الذي يحاول الناس جاهدين أن يصوبوا نحوه
وشبهنا نوع السلاح الذي يرمي به كل عالم هو معارف العصر وعلومه فبدون شك أن الذي يملك سلاحاً متطوراً ومنظاراً قوياً وحساسات أفضل هو صاحب الحظ الأوفى بإصابة الهدف، ولكن ليس بالضرورة أن يصيب الهدف فمهارات الرامي وعيه وإدراكه ومعارفه الذاتية تلعب دوراً كبيراً
وهكذا فإن العلماء يصوبون نحو الهدف فيصيبونه في بعض الرميات أو يقاربون ذلك أو يشطحون بعيداً عن الهدف
والسباق ما زال مفتوحاً ولم تعلن النهاية لكن إذا تكاسل بعض اللاعبين وأعلنوا إنهاء السباق فهذا لا يعني بحال من الأحوال أن السباق انتهى بل هو يزداد ضراوة وشراسة والمنافسون الآخرون قد طوروا أسلحتهم ومهاراتهم بينما نحن ما نزال نعلن انسحابنا من السباق!!!
أخطر وأعظم أمر يجب أن نعيه وأكرره كثيراً لأهميته وشدة خطورته هو أن نميز تماماً بين كلام الخالق وقدرته وعلمه، وبين كلام وقدرة وعلم المخلوق، ومن أهم ما أكده الإسلام هو هذه الحقيقة نحن نعي هذه الحقيقة ونعرفها جيداً فأين تكمن المشكلة؟؟
المشكلة تكمن كما قلنا في قدم هذا الطرح والهالة التي تحيط بقائله فهو يكتسب مشروعيته من قدمه لا من دليل ذاتي يثبت نفسه عبر تقادم الزمن فيجب أن نقيم حاجز تفتيش دقيق وصارم عند مدخل المستقبل الذي ننشده والحضارة التي نترقبها، فلا يعبر معنا إلا ما يحمل بطاقة عبور، وهي الدليل الذاتي، وتمنع المحسوبيات والرشاوي والتمييز، فكل ما لا يملك بطاقة عبور عليه أن يبقى في الماضي في متحف الذكريات، ولن يعبر إلا من تحرر من سطوة القديم وهالة التقديس والتعظيم لقول فلان أو فلان بدون دليل علمي دامغ ومفهوم النسبية في الجهد البشري ومقاربته أو إصابته للحق قد يتطلب
تعديلاً طفيفاً أو كبيراً، وقد يعطينا فكرة عن تأثير هذه الأفكار بالوسط الذي انتشرت فيه، وبالتالي نتجنبها ونتفاداها فالتاريخ والتراث يمكن الاستفادة منه بكل الأحوال، فما كان صواباً مطلقاً حملناه في زادنا خلال رحلتنا في ركب الحضارة وما كان يلزمه تعديل أو إصلاح أصلحناه وطورناه، وما كان مهترئاً لا يمكن إصلاحه يكون عبرة لنا كيلا نقلده، وهكذا نكون استفدنا من تراثنا بالشكل الأمثل في نهضتنا ، لكن كما قلنا في الفقرة السابقة.
علينا أن نستخدم وسائل العصر وعلومه ومعارفه ومصطلحاته، فهي أدواتنا في عملية التنقيب في التراث، فلا يمكن أن ننقب في التراث بنفس أدواته فعندها لن نكتشف مكان الخلل ولن نصل لمبتغانا.