

الأدب


الشعر

العصر الجاهلي

العصر الاسلامي

العصر العباسي

العصر الاندلسي

العصور المتأخرة

العصر الحديث

النثر


النقد

النقد الحديث

النقد القديم


البلاغة

المعاني

البيان

البديع

العروض

تراجم الادباء و الشعراء و الكتاب
الواقعية
المؤلف:
د. فائق مصطفى، د. عبد الرضا علي
المصدر:
في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات
الجزء والصفحة:
ص: 72-77
2026-03-03
27
الواقعية:
ما ان حل النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى شرعت أوربا تشهد اتجاهات ودعوات فكرية وادبية تعبر عن ضيقها واستيائها بما آل اليه وضع الادب والفكر في ظل تيارات الرومانسية التي اغرقت الادب بالأوهام والخيال والرؤى العاطفية. مما خلق هوة كبيرة بين الادب والواقع. من اجل هذا أخذ فلاسفة وفنانون وادباء ينادون بعودة الادب الى الواقع وتصويره تصويرا دقيقا بعيدا عن الخيال والرؤى المثالية. نفهم مما تقدم ان العامل الأول في نشأة الواقعية هو مغالاة الرومانسية وتطرفها في الهروب من الواقع والانشغال بالأحلام والجري وراء الخيال.
أما العامل الثاني فهو التقدم الكبير الذي حققته العلوم في هذا الوقت نتيجة لتطبيق المنهج التجريبي في ميدان العلوم الذي حقق نتائج واكتشافات علمية خطيرة في زمن قصير. لقد ساهم هذا التقدم العلمي في شيوع النظرة الواقعية عند الناس واحلالها محل النظرة المثالية التي تجعل الانسان ينظر الى الوجود من خلال ذاته وعواطفه واوهامه. على حين ينظر الانسان الواقعي الى الوجود نظرة موضوعية لا أثر فيها للذاتية والعواطف والاوهام. لهذا تكون النظرة الواقعية دقيقة ترى الواقع في صورة موضوعية كما هي دون تزييف او اضفاء رتوش عليه. دعت الواقعية الى ان يكون الفن والادب مطابقين للطبيعة يصورانها كما هي.. وان يعبرا عن الاشياء كما تبدو في الملاحظة أو التجربة. حتى يصلا الى حقائق الأشياء يعد الروائي الفرنسي شنفلوري (1821- 1889) اول من استخدم مصطلح (الواقعية) وتحدث عما تعينه الواقعية. وقد رفض جميع اشكال الادب الخيالي. وأعجب بروايات بلزاك. ودعا الروائي الى ان يدرس مظهر الاشخاص ويسألهم ويمخص اجوبتهم ويدرس مساكنهم ويستجوب الجيران ثم يدون حججه واضعا حدا لتدخل الكاتب الى اقصى درجة ممكنة فيكون المثال الاعلى نوعا من اختزال مقاصد الاشخاص وسلسلة من الصور لمظاهرهم المتنوعة. ان الملاحظة الدقيقة هي عمل الروائيين الاساس. فلقد زال الهوى والوهم. ان الواقعية تهدف الى ان تصبح التعبير عن التفاهة اليومية). (1) تميز الادب الواقعي بما يأتي: أولا: اعتمد الادب الواقعي على التصوير الواقعي للأشياء. كما تظهر في الملاحظة او التجربة. بدلا من التصوير الخيالي القائم على الوهم أو الحلم أو العاطفة في الكاليم ثانيا: الادب الواقعي ادب موضوعي. يصور الاشياء كما هي. دون تدخل الكاتب فيما يصور أعني دون اقحام الكاتب ذاته او معتقداته او عواطفه فيما يصور ويصف.
ثالثا: يستمد الادب الواقعي موضوعاته وشخصياته من حياة الطبقتين الوسطى والدنيا. وليس من الطبقة الارستقراطية. فيصور قضايا جديدة ذات طابع شعبي وامثلة انسانية عادية لم يكن للأدب عهد بها من قبل.
رابعا: لان الادب الواقعي عني بتصوير أثر المجتمع في الانسان. ولما كانت الظروف الاجتماعية السائدة في الوقت الذي ظهرت فيه الواقعية. مرة وسلبية. فقد برز في هذا الادب الياس والنظرة السوداوية إلى الانسان والحياة. اذ يبدو الانسان كائنا تحركه نوازع الشر والعدوان. أما هذه الظروف السلبية التي اسفرت عن هذه السمة في الادب الواقعي. فقد تكونت نتيجة لظهور الرأسمالية وتفشي النظرة النفعية في الاوساط الاجتماعية. مما جعل الانسان لا يعرف غير الأثرة والمصالح الفردية الضيقة والجري وراء المال بعيدا عن الفضائل والمثل الاخلاقية. فالواقع الذي يصوره هذا الادب واقع قاس وقبيح يؤمن بقانون تنازع البقاء وبقاء الاقوى. فيه الانسان يمارس الاستغلال والجشع وتحركه النفعية والوصولية. ففي مجموعة روايات بلزاك التي تسمى (الملهاة البشرية) نجد المال هو الحقيقة والقيمة الأولى في المجتمع. وقد احتل مكانة الفضيلة والفطنة والجمال. وصار يملك كل شيء في مجتمع طبقت عليه انواع الاستغلال وتحولت فيه المحبة بين افراد العائلة الواحدة إلى كراهية بسبب التنازع على المال. وخضع فيه الحب للقراطيس المالية وأصبح الزواج مضاربة. وتحتم على الانسان ان يعتدي على غيره حتى لا يعتدى عليه. وان يخدع غيره حتى لا يخدع. مجتمع اناني قاس يرفع شعار (كل انسان لنفسه وحسب). مجتمع تتجلى فيه جهاراً وحشية الاغنياء المستغلين وجرائمهم وسرقاتهم المعفاة من العقاب. ويضطر فيه المثقف ان ينحي ضميره جانبا ليصعد درجات السؤدد. ويعاني فيه العالم والفنان الاهمال والتردي في هوة الشقاء (2) سميت الواقعية الأولى التي عرفتها فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بالواقعية النقدية وذلك لأنها قامت اساسا على نقد الواقع وتشخيص عيوبه ورفضه. غير انها - بسبب نظرتها السوداوية ويأسها - لم ترسم طريق الخلاص ولم تطرح البديل لهذا الواقع القاسي الذي صورته ورفضته. ومن أشهر اعلامها بلزاك وفلوبير. أما بلزاك فيلقب بابي الواقعية النقدية في فرنسا. وقد استطاع في (الملهاة البشرية) ان يستوعب وصف الحياة الفرنسية في مختلف اوضاعها ووصف حياة مختلف الفئات والجماعات بصورة حية وصادقة، لا يمكن ان ينساها القارقء ابدأ. فهو يجعل القاري يعيش هذه الحياة ويتطلع على كل خاصية من خواصها. وقد وفق في ذلك بسبب تحريه الحق والتزامه الصدق في تصوير الواقع دون اي تأثر بمعتقداته الخاصة. لهذا جاء ادبه ادانة للطبقة الاجتماعية التي ينتمي اليها. وأما فلوبير فقد عرف مثل بلزاك بالدقة والموضوعية في تصوير الواقع ولاسيما في روايته مدام بوفاري (التي جاءت صورة دقيقة عن الحياة الريفية الفرنسية في منتصف القرن التاسع عشر وحياة الطبقة الوسطى فيها. تميزت الواقعية النقدية باتخاذها الواقع الموضوعي مصدرا لها. بدلاً من سبحات الاحلام واستبدلت دقة التعبير واتقان التصوير بالغموض والتهويل والابهام. وأثرت الصدق على التمويه والتضليل واستمسكت بالصرامة العلمية في الكشف عن الحقيقة. دون الميل مع الهوى واهتمت بالمجتمع أكثر من اهتمامها بالانسان. وعنيت بالمشكلات الاجتماعية أكثر مما عنيت بالعواطف الذاتية. (3) وفي القرن العشرين ظهرت مدرسة واقعيه جديدة تختلف عن الواقعية النقدية تلك هي الواقعية الاشتراكية التي عرفت في الاتحاد السوفيتي بعد ثورة اكتوبر عام 1917. وترتبط نشأة هذه المدرسة بتأسيس الاتحاد العام للكتاب السوفيت في عام 1932. ولعل مكسيم غوركي هو اول من استخدم هذا الاصطلاح ولاسيما في خطابه الذي لقب. في المؤتمر الأول لهذا الاتحاد في عام 1934. وقد فرق فيه بين الواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية. قال عن الواقعية الأولى انها صورت " الفرد ضد الجماعة والدولة والطبيعة. وكان السبب الاول المعارضة الفرد للمجتمع البورجوازي هو رغبته في حشد انطباعات سلبية مناقضة لأفكاره الطبقية واسلوبه في الحياة. وقد شعر الفرد شعوراً حاداً بأن الانطباعات كانت تؤخر نموه وتسحقه. ولكنه كان قليل الادراك لمسؤوليته هو نفسه عما في اسس المجتمع البورجوازي من سوقية وحفارة وإجرام.. على حين ان الواقعية الاشتراكية تعلن ان الحياة هي النشاط والخلق اللذان يرميان الى تنمية أعظم القدرات الفردية قيمة لدى الانسان من أجل انتصاره على قوى الطبيعة وحفظ صحته واطالة عمره من اجل سعادته العظيمة في العيش على الارض التي يرغب - مع النمو المستمر لاحتياجاته - ان يجعلها مسكنا طيبا للبشرية. وقد توحدت في أسرة واحدة بعبارة اخرى ان محور الواقعية النقدية هو فردية يائسة ترى عيوب مجتمعها لكنها لا تقدر على تغيير هذا المجتمع لأنها لا تلتحم بالقوى القادرة على تغييره. فينتهي تمردها إما باليأس وإما بالخضوع لكن محور الواقعية الاشتراكية فردية اخرى: الفردية الاشتراكية التي تنمو في ظروف العمل الجماعي. وهي فردية ايجابية متفائلة (4) فالواقعية الاشتراكية واقعية موضوعية وبناءه. حل فيها الفرد الذي يعبر عن فرديته بالعمل المتناسق مع المجموعة في مجتمع غير مستغل. محل الفرد الذي يتصارع مع مجتمعه (5) وهي تصور الحياة في تطورها الثوري. فترسم الفرد وهو يدرك الواقع بوصفه كائنا اجتماعيا. ويحاول دائما أن يؤثر في مجرى تطوره. ويتخذ موقفه في جانب هذه الطبقة او تلك. من هنا قيل ان هذه الواقعية تقوم في الغالب على تصوير تأثير الافراد في البيئة. على حين تقوم الواقعية النقدية على تصوير تأثير البيئة في الافراد. وهناك من يميز بين الواقعيتين على النحو الاتي أن الواقعية النقدية هي. بعبارة اوسع. الادب والفن البورجوازي بمجموعهما .... يتضمنان نقداً للواقع الاجتماعي المحيط. أما الواقعية الاشتراكية. وبعبارة اوسع ايضا. الادب والفن الاشتراكيان بمجموعهما. فانهما يتضمنان موافقة الفنان والكاتب الاساسية على اهداف الطبقة العاملة والعالم الاشتراكي الذي هو قيد النشوء.. (6) اي ان الواقعية الاشتراكية تؤمن بالاشتراكية وتتبناها منهجاً لبناء الواقع الجديد والقضاء على السلبيات والمعوقات الكافة التي تعترض طريق الانسان وهو يعمل من اجل البناء والتقدم. وهي تصور الواقع تصويرا حيا يتجلى فيه الصراع والحركة والتطور. عرفت فرنسا في اواخر القرن التاسع عشر مدرسة جديدة كانت امتدادا وتطويرا للواقعية النقدية إلى نهايتها المنطقية وطرحت طريقة علمية لتنفيذ منهاجها. فالطبيعية تكمل الواقعية. تؤكدها وتزيد فيها (7) وبعبارة اخرى تبدو الطبيعية أکثر موضوعية وعلمية من الواقعية. اذ انها تأثرت بنظريات وحقائق علوم الحياة والطب والنفس وطبقتها في ميادين الادب والفن.
يعد الاخوان جونكور ادمون (1822- 1896) وجول (1830- 1870) مبتكري المذهب الطبيعي في الادب الفرنسي في قصص ارخا فيها. على نحو مسهب وصادق. لحقبة مهمة من تاريخ فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. لكن اميل زولا (1840- 1902) أصبح رائد هذا المذهب. في كتاباته النظرية التي أوضح فيها اسس المذهب. ورواياته التي جاءت تطبيقاً لما دعا الي. قرأ زولا وتأثر بالنظريات العلمية التي شاعت في عصره ولا سيما ما ورد في (بحث في الوراثة الطبيعية) للوكاس. و (اصول الاجناس) لدارون و (المدخل الى الطب التجريبي) لكلود برنار حتى غدا يرى ان الانسان مسير في الحياة. فلا اختيار له. واهم ما يسيره الوراثة والبيئة. قال زولا في معرض تقديمه لمذهبه مخاطبا الشباب كفى. غنائية. كفى كلمات كبيرة جوفاء. عليكم بالحقائق. بالوثائق ... ثقوا بالحقائق وحدها الحاجة الوحيدة الآن هي لقوة الحقيقة. إن ما يمير المذهب الطبيعي هو ذلك الايمان الراسخ والواضح في العلم. في طرق الملاحظة والتجريب والتوثيق والطبيعية ليست سوى تركيبة العلم الحديث مطبقة على الادب. (8) ولعل اهم ما يمثل النزعة الطبيعية عند زولا سلسلة رواياته التي اصدرها طيلة ثلاثين عاما وسماها (روغون ماكار). صور فيها تصويرا دقيقا وصريحا حياة أسرة فرنسية عادية.. ينتمي أفرادها الى عدة اجيال تحركهم الغرائز وعوامل الوراثة.. فتصدر منهم رذائل وانحرافات مختلفة. تعطي صورة سوداء قائمة عن الانسان. قال عنها زولا أني سأدرس اسرة ما فأدرس افرادها فردا فردا.. من اين جاءوا. والى أین يسيرون. وكيف يؤثر كل منهم في الآخر.. أسرة هي قطعة بذاتها من القطيع الانساني. وهي مع ذاك تمثل القطيع كله في عمله وسلوكه. ثم أني مختار لهذه الاسرة حقبة من الزمان بعينها.. حقبة من التأريخ حافلة تمدني بكل ما افتقر اليه من صور البيئة وظروف الحياة. واليك قطعة من رواية واقعية. رواية (مدام بوفاري) لفلوبير.
... وجلست الى مكتبها فكتبت رسالة. ثم احكمت اغلاقها في بطء واثبتت عليها التاريخ والساعة ...
ثم قالت في صوت ينذر بالجلل لك ان تقرأ هذه غدا.. وحتى ذاك الوقت. ارجو الا تسألني.. ولا سؤالا واحدا.
ولكن.
أواه دعني.
واستلقت ايما على فراشها وانتابتها غفوة استيقظت منها على طعم مرير في فمها.. ورأت شارل فعادت تغمض عينيها. واخذت تدرس نفسها في فضول. لتستبين ما إذا كانت بمنجى من الالم.. ولكن لا. لم يكن ثمة ألم بعد. وسمعت دقات بندول الساعة. وازيز النار في المدفأة. وانفاس شارل وهو واقف الى جوار السرير معتدل القامة. وقالت لنفسها: آه ما اهون الموت لن البث ان استغرق في النعاس ثم ينتهي كل شيء. وتناولت جرعة من الماء ثم ادارت وجهها نحو الحائط وعاودها الطعم البغيض كأنه طعم المداد. وتنهدت قائلة: انني ظامئة. آه. لشد ما انا عطشانة. فقال شارل وهو يناولها كوبا من الماء: ماذا بك.. فقالت: لاشيء .... افتح النافذة.. انني اختنق. ودهمها غثيان مفاجئ حتى انها لم تكد تجد وقتاً لتسحب المنديل من تحت الوسادة وقالت في عجلة: خذه بعيدا.. القه بعيدا وراح يحدثها ولكنها لم تجب. وظلت راقدة بلا حراك تخشى ان تؤدي أتفه حركة الى التقيؤ من جديد. ولكنها ما لبثت ان احست ببرودة جليدية تزحف من قدميها نحو قلبها. وغمغمت: أه.. هذه هي النهاية. فقال: ماذا قلت؟ فأخذت تحرك رأسها من جانب الى آخر في حركة خفيفة مفعمة بالألم. وهي لاتني تفتح فمها وكأن شيئا ثقيلا يجثم على لسانها. وفي الساعة الثامنة عاودها القيء ولاحظ شارل في قاع الحوض قطعاً من مادة بيضاء لاصقة بجوانب القيشاني. فأخذ يردد: هذا غريب.. جد غريب. ولكنها قالت في صوت حازم لا.. أنك تخطئ.. وما لبث ان مد يده في رفق. بل وفي تلطف متحسسا بطنها فارسلت صرخة حادة ... وتراجع مذعورا.. ...
_________________
(1) فيليب فان تيغيم المذاهب الادبية الكبرى في فرنسا ص 242.
(2) محمد مفيد الشوباشي الادب ومذاهبه. ص 124.
(3) المرجع نفسه ص 122.
(4) شكري محمد عياد الأدب في عالم متغير ص 120 – 121.
(5) نجيب فايق اندراوس: المدخل في النقد الأدبي ص 133.
(6) ارنست فيشر ضرورة الفن ص 131 – 132.
(7) دیمین کرانت الواقعية. ص 48.
(8) المرجع نفسه ص 50.
الاكثر قراءة في النقد الحديث
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)