أقرأ أيضاً
التاريخ: 5-8-2017
![]()
التاريخ: 5-8-2017
![]()
التاريخ: 5-8-2017
![]()
التاريخ: 21-4-2018
![]() |
لدى الأطفال
ننشأ الدلالة الطفل، ولكنها ليست كنشأتها الأولي لدي الإنسان الأول، ف...ست خلق.. حديداً حين يدركها أطفالنا، بل هي أمر شائع مألوف عند الكبار حولهم. وكذلك الألفاظ التي ترمز لهذه الدلالة ليس فيها من جديد، بل هي أيضاً معروفة مألوفة عند جميع أفراد البيثة اللغوية.
ولا يكاد يمر الطفل بمرحلة المناغاة حتي يدرك من طريق سمعه أن هناك مجموعة صوفية ينطق بها الكبار حوله و هي التي تسمي بالألفاظ، وأن هذه الألفاظ تحقق للطفل رغبانه كلما حاول النطق بهاويبدأ الطفل بعد السنة الأولي من عمره يربط بين ما يسمع وما يترتب علي هذالذي يسمعه من أحداث ، ونقول حينئذ إن مرحلة الفهم قد بدأت لدي هذا الطفل. وفدرة الطفل علي الفهم أكبر من قدرته علي النطق في السنة الثانية من حياته، لذا يقال دائما إن فهم الأطفال لمدلولات الألفاظ يسبق القدرة علي تقليد تلك الألفاظ. فهو يفهم مدلول كلمة «العين واليد والرجل والرأس» وغيرها من ألفاظ كثيرة الشيوع في محيطه قبل أن يغامر فينطق بمثل هذه الألفاظ.
ثم لا يلبث الطفل أن ينطلق من عقاله فيقلد الكبار في نطق ألفاظهم، ويوجه كل عنايته لإحادة النطق بها؛ لأنها الوسيلة لإدراك رع...اته والحصول علي ما يشّهي . وليس يقلد تلك الألفاظ حبا فيها لذاتها، وإنما لما يترتب علي النطق بها من أحداث وأعمال.
ويخطئ بعض الآباء والأمهات حين يتصورون أحيانا أن أطفالهم الصغار لايكادون يفهمون شيئاً مما يدور حولهم، ثم قد يندمون فيما بعد حين يتبين لهم أن هؤلاء الأطفال يفهمون أكثر مما يتصور أهلوهم!!
ص69
وكذلك قد تعالي بعض الأمهات والآباء فينسبون لأطفالهم قدرا من الفهم هو في الحقيقة فوق مداركهم، ولم يخطر في أذهان هؤلاء الأطفال.
لهذا تجب الحيطة في الحكم إلا بعد أن يألف الطفل النطق بالألفاظ في سياق الحوادث، ويمرن علي تكوين العبارات والجمل التي تبين بوضوح مقدار هذا الفهم، ونصيبه من الصحة والصواب.
وتتكرر الحوادث أماء الطفل مسحوبة بتلك المجموعات الصوتية التي تسمي بالألفاظ. فيوثق الضل الربط بين هذه الحوادث وتلك الألفاظ.
ثم تتكرر تجاربه وتتنوع، ويشعر بمتعة كبيرة حين يجرب النطق بلفظ من الألفاظ فيتحقق له نتيجة هذا النطق ما كان يرغب وبشتهي. ويبدأ الطفل إدراكه للدلالات في صورة ناقصة قاصرة تسمي أحيا... بمرحلة الدلالات الخاصة او مرحلة العلمية . فكل لفظ يسمع ل..مرة الأولي بتلقده الطفل وكأنه علم من الأعلام لا يطلق. لا علي ذلك الشيء العين الذي ارتبط به في تلك التحرية المعينة. فالطفل في أواخر السنة الأولي وأوائل الثانية حين بسمع كلمة (السرير) ويربط بينها وبين سريره العنبر، يأخذها علي أنها علم لذلك الشئ الذي ينام فيه والدي يحل مكانا معينا في حجرته والدي غطي بنطا ذي لون معين أحمر أو أخضر.
ثم تتكرر التجارب ويسمع الطفل لفظ «السرير» يطلق علي سرير أخيه الكبير وسرير أبويه، وهما يشتركان مع سريره في صفات ويختلفان في صفات أخري. وهنا يبدأ عملية التعميم لعله يصل إلي المعني الكلي للأشياء، فيتلمس وجوه الاختلاف بين تلك الأشياء التي يطلق عليها لفظ «كرسي» مثلا، ويحاول تمييز الصفات الاساسية من الصفات العرضية ، ولكنه في هذه المحاولة فلما يصيب الهدف؛ بل يتعثر ويخلط بين تلك الصفات، وقد يجعل من الصفات العرضية صفات أساسية. فإذا رأي شخصا يجلس علي صندوق مثلا خيلي إليه أن الصفة الأساسية لما يسمي بالكرسي هي إمكان الجلوس عليه، وهنا قد يطلق علي اصندوق كلمة «كرسي»!!.
وليس منا من لم يمر بمثل هذه التجربة مع الأطفال، «فالكنبة» عند بعضهم «سرير» ، و «المكتبة» عند آخرين «دولاب» و «المكتب» «ترابيزه» وهكذا. ويشغف الطفل بعالم الحيوان شغفاً كبيرا، ولا يلبث أن يلتقط ألفاظاً مثل الحمار، الحصان، الجمل، البقرة علي حسب ما تسمع به بيئته. فالطفل في الدين قد يسمع لقد «الحمار» قبل أن يسمع لفظ «البقرة». فإذا تكررت أمامه رؤية «الحمار» ، وتكرر
ص70
سماعه لهذا اللفظ، ثم تصادف أن رأي للمرة الأولي «حصانا» فقط يطلق عليه لفظ الحمار، بل قد يطلقه علي الجمل أو البقرة؛ لأن الصفة الأساسية في كل هذه الحيوانات أنها تمشي علي أربع. ويحلط الطفل كذلك بين أنواع الطيور، فقد يسمي «الببغاء» «فرحة»، و «الحمامة» «عصفورة» ، والحدأة غرابا، علي حسب ما تسمح به تجاربه، وما تسمح به البيئة التي ينشأ فيها.
ولعل كلمة الأب والأم من أسبق الألفاظ إلي ذهن الطفل، ولا يلبث هذا الصغير أن يتخذ لدلول لفظ الأب صفات غير أساسية يلتمسها من صفات أبيه، ثم يحلع لفظ الأب علي كل من يتصف بهذه الصفات العرضية. فإذا كان أبوه مطر يشا وله شوارب طويلة ويمسك عصا في يده، ثم تصادف أن رأي رجلا يتصف يمثل هذه الصفات العرضية أطلق عليه في براءة الأطفال كلمة الأب.
والطفل في الوقت الذي يحاول فيه تعميم الدلالة، نراه أحياناً يخصص من العام ، ويقصر ما هو عام الدلالة علي شئ معين مر به في تجاربه مرتبطاً بذلك اللفظ ذي الدلالة العامة. فقد يتصادف أن يسمع الطفل ممن حوله وفي أثناء لعبه اللفظ ذي الدلالة العامة. فقد يتصادف أن يسمع الطفل ممن حوله وفي أثناء لعبه عبارات مثل: خذ لعبتك، هات لسبتك، لسبتك حلوة، وكانت لعبته حينئذ علي صورة حيوان أو طيارة أو قطار، نري الطفل بربط بين لفظ «لعبة» ذي الدلالة العامة ، و بين لعبته المسينة ويصر علي عدم استعمال هذا اللفظ إلا حين تكون اللعبة علي ذلك الشكل المعين.
نري من كل هذا أن الطفل يقضي زمنا غسير قصير يحاول فيه تعميم الخاص من الدلالات وتخصيص العام، وبلافي في هذه المحاولة عنقا ومشقة قبل أن يهتدي الي الدلالة الصحيحة علي النحو الذي يدركه الكبار حوله.
ويتسبب بعض الآباء دون عمداً وقصد في تضليل أطفالهم إزاء لفظ من الألفاظ يستعمله الكبار استعمالا غامضا، فيرتبط في ذهن الطفل بمدلول غامض لا يتخلص منه إلا بعد تجارب كثيرة. فقد يقف بعض الكبار حول الطفل ينظرون وهو يجرب لعبة جديدة للمرة الأولي ويحسن تجربتها، فيصبح أحدهم دهشاً متعجباً «هايل» ! فيأخذ الطفل هذه اللفظة ويطلقها علي كل لعبة من هذا النوع، وقد يطلب إلي طفل من جيرانه أن يحضر ليلعب معه «بالهايل» !!.
ص71
كذلك قد تكرر الأم أمام الطفل عبارة مثل «تعالي نام جنبي» فلا يلتقط منها الطفل سوي كلمة «جنبي» التي يفهمها علي أنها تعني عملية محببة لكل الأطفال وهو النوم في أحضان أمهاتهم، ولا نلبث أن نسمع حينئذ ذلك الطفل يصيح متوسلا إلي أمه وناطقاً بكلمة «جنبي» بمعني «النوم» !.
ويستمتع بعض الكبار بمثل هذا الانحراف في الدلالة لدي الأطفال، فيضحكون، وقد يستعملون اللفظ علي غرار ما فعل الطفل، فيثتون الخطأ في ذهنه وتظل تلك الأخطاء الدلالية موضع السمر والفكاهة في الأمرة زمناً طويلا.
ويميز الطفل بعد زمن قليل بين المفرد واجمع أو بين القليل والكثير من الأشياء، ولكنه يظل يتعثر في الأعداد زمنا طويلا وقد يعلمه والداه النطق بالأعداد من واحد إلي عشرة فيردد ماتعلم وما لقن دون فهم حقيقي لمعناها، حتي إذا جئته بعدد من التفاح أو البرتقال وطالبته بعدها شاهدت تعثره وخلطه بين الأرقام.
ويصادف الطفل إزاء طائفة معينة من الألفاظ صعوبات جمة تعقد الأمر عليه وتزيد في عثراته، وتلك هي:
أ- الألفاظ ذات الدلالات المتقابلة أو ال...ادة مثل «فوق، تحت» و «سخن، بارد» و «عالي، واطي» و «يمين، شمال». فيخلط بينها ويستعمل إحداها مكان الأخري زمناً غير قصير.
ب- المشترك اللفظي، وذلك كأن يدل اللفظ الواحد علي أكثر من دلالة، «قالسيجارة» في يد أبيه غير «السيجارة» في بد أمه أثناء الرفي أو الخياطة، و «اللف» قد بسمعه من أبيه الموظف ويسمع «ملفاً» آخر من الجوذي أمام بيته ، و«الكتاب» في يد أخيه التلميذ «والكتاب» في ليلة عرس لعمته أو خالته . وبتضاحك الناس في أمثالهم علي مثل هذا الخلط بين الدلالات و نسمع منهم ذلك المثل المصري:
[قال أبوي من خيارالناس، قال باباهات لي خيار]
ج- كلمات متشابهة الأصوات مثل:
[النسناع والمتلاع، الحنطور والطرطور، العياقة واللياقة، والافتراح والاختراع، الصورة والسورة]
فإذا تصادف أن سمع الطفل لامرة الأولي كلمتين من هذا النوع في ظرفين مختلفين سبب له هذا بعض الحيرة والدهشة، فيقابلهما أحياناً بالصمت، وأحياناً
ص72
بالتساؤل والاستفسار. ويظل بعد هذا يخلط بينهما زمناً ما إلي أن تتضح له معالم كل من الكلمتين. بل إن الخلط بين هذه الكلمات غير مقصور علي صغار الأطفال، فكثيراً ما يقع فيه الكبار، وهو ما يفسر لنا الخلط بين شبابنا المتعلم في كلمتي «العيق والعتيد» وجعلهما بمعني واحد. ومن التلاميذ من لا يفرقون بين «الظرافة» من الظرف، «الزرامة» للحيوان المعروف، بين الزكاء للنماء والذكاء ضدالنباوة ، وبين ذل ، زل.
د- كلمات تختلف دلالاتها باختلاف السياق ككلمة «صاحب» التي يسمعها الطفل في عبارة مثل «صاحب البيت: أي المالك، ويسمعها مرة أخري تشير إلي صديقه في مثل «صاحبك». وأسبق هذاالنوع من الكلمات إلي محيط الطفل تلك التي نسميها بالضمائر. فالطفل يسمع أياه يقول «أنا» ويسمع أمه تقول «أنا» ويسمع الخادم يقول «أنا» ، فلا يدري أي هؤلاء هو «أنا» الحقيقي؟ ولا ندهش من أجل هذا أن نسمع طفلا يقول لأبيه [أنا روح] يريد [أنت اذهب] ،أو حين يشير إلي نفسه بالضمير «أنت» ويقول [أنت ...يه] أي أريد أن أنام. ويزيد بعض الكبار صعوبة هذه الضمائر حسين يستعملون في خطاب الأطفال الأسماء ندلا منها فيقولون مثلا (تونو دحة) و «توتو» هذا طبعا اسم الطفل، فيعوقون سيطرة الطفل علي الضمائر والتفرقة بينها. وقد كان بعض فلاسفة الألمان يحتفل باليوم الذي يستطيع فيه طفله استعمال الضمير «أنا»، متخذاً من هذا دليلا علي يدء شعور الطفل بكيانه واستقلاله.
ومما يعقد الأمر علي أطفالنا في تلك الضمائر، المتصلة منها والمنفصلة، فيظل الطفل يتعثر فيها إلي من الثالثة أو الرابعة أحيانا. فيقول الطفل مثلا «توتوخذ اللعبة من انت» بدلا من «منك » ، أو يقول «من أنا» بدلا من «مني» ، و «جزمة انت» بدلا من «جزمتك» ، و «من هوه » بدلا من «منه» و هكذا
فليس الأمر كما يتصور بعض الدارسين من أن الطفل يسيطر علي دلالة الألفاظ في غير عفت أو مشقة، بل الصحيح أنه يصادف في هذا صعوبات كثيرة تظل تلازمه زمنا طويلا . فقد يسيطر علي الأصوات وتراكيب الجمل وطرق النفي والإثبات والتوكيد و غير ذلك من المظاهر الصوتية أو النحوية قبل التحاقه بإحدى المدارس. فلا يكاد الطفل الأور بي يمر بمرحلة التعليم الثانوي حتي يصبح الخطأ في مثل هذه الظواهر أمراً غير مألوف ولكن الطفل فيما يتعلق بالدلالات بظل يتعثر فيها طول حياته، ويختاب فهمه لها مرحلة بعد أخري، فهي تصيق حيفا، وتتسع حيناً آخر، وتتحدد وتتنوع وتنمو مع الزمن، فلا يكاد يسيطر علي بعضها بعد سن معينة حتى
ص73
يصادفه سيل جارف منها يستأنف الصراع معها. فنحن نقضي كل حياتنا في صراع مع تلك الدلالات ، ويندر أن يسيطر أحدنا علي دلالات كل ألفاظ اللغة، بل يكاد يكون هذا مستحيلا.
وتعد أجزاء الجسم من أسبق الألفاظ إلي سمع الطفل ولسانه، فهو يعرف كل أوجل أجزاء جسمه في سن الثانية: كالعين والأنف والأذن رالإصبع والظفر والرجل واليد والبطن والرأس والشعر.
وهي لذلك تعد من أقدم الألفاظ في اللغات البشرية. ويكفي أن تقارن بين ألفاظ عدة لغات من فصيلة واحدة ليتضح لنا أنها تشترك في مثل هذه الألفاظ، لأنها استمدت من الأم الأصلبة لهذه اللغات، فاتحدرت إليها جميعاً علي صورة واحدة ودلالة متحدة. فحين تقارن بين العربية والعبرية ونستعرض منها تلك الألفاظ التي تدل علي أجزاء الجسم تراها في اللغتين متحدة الصورة والدلالة: