المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

علوم اللغة العربية
عدد المواضيع في هذا القسم 2790 موضوعاً
النحو
الصرف
المدارس النحوية
فقه اللغة
علم اللغة
علم الدلالة

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر المرجع الالكتروني للمعلوماتية

المصادر
17-02-2015
أمر واحد له تداعيات عديدة
2023-09-10
Effects of Long-term Radiation Exposure on the Human Body
4-9-2020
علاقة مالك المواد بالمحدث.
24-5-2016
الجغرافيا في العصور القديمة والوسطى
9-2-2020
الغطاء النباتي
2024-07-12


اكتساب الدلالة ونموها لدى الأطفال  
  
2470   11:02 صباحاً   التاريخ: 21-4-2018
المؤلف : د. إبراهيم أنيس
الكتاب أو المصدر : دلالة الألفاظ
الجزء والصفحة : ص69- 77
القسم : علوم اللغة العربية / علم الدلالة / مفهوم الدلالة /


أقرأ أيضاً
التاريخ: 5-8-2017 669
التاريخ: 5-8-2017 1058
التاريخ: 5-8-2017 636
التاريخ: 21-4-2018 2471

 

لدى الأطفال

ننشأ الدلالة الطفل، ولكنها ليست كنشأتها الأولي لدي الإنسان الأول، ف...ست خلق.. حديداً حين يدركها أطفالنا، بل هي أمر شائع مألوف عند الكبار حولهم. وكذلك الألفاظ التي ترمز لهذه الدلالة ليس فيها من جديد، بل هي أيضاً معروفة مألوفة عند جميع أفراد البيثة اللغوية.

ولا يكاد يمر الطفل بمرحلة المناغاة حتي يدرك من طريق سمعه أن هناك مجموعة صوفية ينطق بها الكبار حوله و هي التي تسمي بالألفاظ، وأن هذه الألفاظ تحقق للطفل رغبانه كلما حاول النطق بهاويبدأ الطفل بعد السنة الأولي من عمره يربط بين ما يسمع وما يترتب علي هذالذي يسمعه من أحداث ، ونقول حينئذ إن مرحلة الفهم قد بدأت لدي هذا الطفل. وفدرة الطفل علي الفهم أكبر من قدرته علي النطق في السنة الثانية من حياته، لذا يقال دائما إن فهم الأطفال لمدلولات الألفاظ يسبق القدرة علي تقليد تلك الألفاظ. فهو يفهم مدلول كلمة «العين واليد والرجل والرأس» وغيرها من ألفاظ كثيرة الشيوع في محيطه قبل أن يغامر فينطق بمثل هذه الألفاظ.

ثم لا يلبث الطفل أن ينطلق من عقاله فيقلد الكبار في نطق ألفاظهم، ويوجه كل عنايته لإحادة النطق بها؛ لأنها الوسيلة لإدراك رع...اته والحصول علي ما يشّهي . وليس يقلد تلك الألفاظ حبا فيها لذاتها، وإنما لما يترتب علي النطق بها من أحداث وأعمال.

ويخطئ بعض الآباء والأمهات حين يتصورون أحيانا أن أطفالهم الصغار لايكادون يفهمون شيئاً مما يدور حولهم، ثم قد يندمون فيما بعد حين يتبين لهم أن هؤلاء الأطفال يفهمون أكثر مما يتصور أهلوهم!!

ص69

وكذلك قد تعالي بعض الأمهات والآباء فينسبون لأطفالهم قدرا من الفهم هو في الحقيقة فوق مداركهم، ولم يخطر في أذهان هؤلاء الأطفال.

لهذا تجب الحيطة في الحكم إلا بعد أن يألف الطفل النطق بالألفاظ في سياق الحوادث، ويمرن علي تكوين العبارات والجمل التي تبين بوضوح مقدار هذا الفهم، ونصيبه من الصحة والصواب.

وتتكرر الحوادث أماء الطفل مسحوبة بتلك المجموعات الصوتية التي تسمي بالألفاظ. فيوثق الضل الربط بين هذه الحوادث وتلك الألفاظ.

ثم تتكرر تجاربه وتتنوع، ويشعر بمتعة كبيرة حين يجرب النطق بلفظ من الألفاظ فيتحقق له نتيجة هذا النطق ما كان يرغب وبشتهي. ويبدأ الطفل إدراكه للدلالات في صورة ناقصة قاصرة تسمي أحيا... بمرحلة الدلالات الخاصة او مرحلة العلمية . فكل لفظ يسمع ل..مرة الأولي بتلقده الطفل وكأنه علم من الأعلام لا يطلق. لا علي ذلك الشيء العين الذي ارتبط به في تلك التحرية المعينة. فالطفل في أواخر السنة الأولي وأوائل الثانية حين بسمع كلمة (السرير) ويربط بينها وبين سريره العنبر، يأخذها علي أنها علم لذلك الشئ الذي ينام فيه والدي يحل مكانا معينا في حجرته والدي غطي بنطا ذي لون معين أحمر أو أخضر.

ثم تتكرر التجارب ويسمع الطفل لفظ «السرير» يطلق علي سرير أخيه الكبير وسرير أبويه، وهما يشتركان مع سريره في صفات ويختلفان في صفات أخري. وهنا يبدأ عملية التعميم لعله يصل إلي المعني الكلي للأشياء، فيتلمس وجوه الاختلاف بين تلك الأشياء التي يطلق عليها لفظ «كرسي» مثلا، ويحاول تمييز الصفات الاساسية من الصفات العرضية ، ولكنه في هذه المحاولة فلما يصيب الهدف؛ بل يتعثر ويخلط بين تلك الصفات، وقد يجعل من الصفات العرضية صفات أساسية. فإذا رأي شخصا يجلس علي صندوق مثلا خيلي إليه أن الصفة الأساسية لما يسمي بالكرسي هي إمكان الجلوس عليه، وهنا قد يطلق علي اصندوق كلمة «كرسي»!!.

وليس منا من لم يمر بمثل هذه التجربة مع الأطفال، «فالكنبة» عند بعضهم «سرير» ، و «المكتبة» عند آخرين «دولاب» و «المكتب» «ترابيزه» وهكذا. ويشغف الطفل بعالم الحيوان شغفاً كبيرا، ولا يلبث أن يلتقط ألفاظاً مثل الحمار، الحصان، الجمل، البقرة علي حسب ما تسمع به بيئته. فالطفل في الدين قد يسمع لقد «الحمار» قبل أن يسمع لفظ «البقرة». فإذا تكررت أمامه رؤية «الحمار» ، وتكرر

ص70

سماعه لهذا اللفظ، ثم تصادف أن رأي للمرة الأولي «حصانا» فقط يطلق عليه لفظ الحمار، بل قد يطلقه علي الجمل أو البقرة؛ لأن الصفة الأساسية في كل هذه الحيوانات أنها تمشي علي أربع. ويحلط الطفل كذلك بين أنواع الطيور، فقد يسمي «الببغاء» «فرحة»، و «الحمامة» «عصفورة» ، والحدأة غرابا، علي حسب ما تسمح به تجاربه، وما تسمح به البيئة التي ينشأ فيها.

ولعل كلمة الأب والأم من أسبق الألفاظ إلي ذهن الطفل، ولا يلبث هذا الصغير أن يتخذ لدلول لفظ الأب صفات غير أساسية يلتمسها من صفات أبيه، ثم يحلع لفظ الأب علي كل من يتصف بهذه الصفات العرضية. فإذا كان أبوه مطر يشا وله شوارب طويلة ويمسك عصا في يده، ثم تصادف أن رأي رجلا يتصف يمثل هذه الصفات العرضية أطلق عليه في براءة الأطفال كلمة الأب.

والطفل في الوقت الذي يحاول فيه تعميم الدلالة، نراه أحياناً يخصص من العام ، ويقصر ما هو عام الدلالة علي شئ معين مر به في تجاربه مرتبطاً بذلك اللفظ ذي الدلالة العامة. فقد يتصادف أن يسمع الطفل ممن حوله وفي أثناء لعبه اللفظ ذي الدلالة العامة. فقد يتصادف أن يسمع الطفل ممن حوله وفي أثناء لعبه عبارات مثل: خذ لعبتك، هات لسبتك، لسبتك حلوة، وكانت لعبته حينئذ علي صورة حيوان أو طيارة أو قطار، نري الطفل بربط بين لفظ «لعبة» ذي الدلالة العامة ، و بين لعبته المسينة ويصر علي عدم استعمال هذا اللفظ إلا حين تكون اللعبة علي ذلك الشكل المعين.

نري من كل هذا أن الطفل يقضي زمنا غسير قصير يحاول فيه تعميم الخاص من الدلالات وتخصيص العام، وبلافي في هذه المحاولة عنقا ومشقة قبل أن يهتدي الي الدلالة الصحيحة علي النحو الذي يدركه الكبار حوله.

ويتسبب بعض الآباء دون عمداً وقصد في تضليل أطفالهم إزاء لفظ من الألفاظ يستعمله الكبار استعمالا غامضا، فيرتبط في ذهن الطفل بمدلول غامض لا يتخلص منه إلا بعد تجارب كثيرة. فقد يقف بعض الكبار حول الطفل ينظرون وهو يجرب لعبة جديدة للمرة الأولي ويحسن تجربتها، فيصبح أحدهم دهشاً متعجباً «هايل» ! فيأخذ الطفل هذه اللفظة ويطلقها علي كل لعبة من هذا النوع، وقد يطلب إلي طفل من جيرانه أن يحضر ليلعب معه «بالهايل» !!.

ص71

كذلك قد تكرر الأم أمام الطفل عبارة مثل «تعالي نام جنبي» فلا يلتقط منها الطفل سوي كلمة «جنبي» التي يفهمها علي أنها تعني عملية محببة لكل الأطفال وهو النوم في أحضان أمهاتهم، ولا نلبث أن نسمع حينئذ ذلك الطفل يصيح متوسلا إلي أمه وناطقاً بكلمة «جنبي» بمعني «النوم» !.

ويستمتع بعض الكبار بمثل هذا الانحراف في الدلالة لدي الأطفال، فيضحكون، وقد يستعملون اللفظ علي غرار ما فعل الطفل، فيثتون الخطأ في ذهنه وتظل تلك الأخطاء الدلالية موضع السمر والفكاهة في الأمرة زمناً طويلا.

ويميز الطفل بعد زمن قليل بين المفرد واجمع أو بين القليل والكثير من الأشياء، ولكنه يظل يتعثر في الأعداد زمنا طويلا وقد يعلمه والداه النطق بالأعداد من واحد إلي عشرة فيردد ماتعلم وما لقن دون فهم حقيقي لمعناها، حتي إذا جئته بعدد من التفاح أو البرتقال وطالبته بعدها شاهدت تعثره وخلطه بين الأرقام.

ويصادف الطفل إزاء طائفة معينة من الألفاظ صعوبات جمة تعقد الأمر عليه وتزيد في عثراته، وتلك هي:

أ- الألفاظ ذات الدلالات المتقابلة أو ال...ادة مثل «فوق، تحت» و «سخن، بارد» و «عالي، واطي» و «يمين، شمال». فيخلط بينها ويستعمل إحداها مكان الأخري زمناً غير قصير.

ب-  المشترك اللفظي، وذلك كأن يدل اللفظ الواحد علي أكثر من دلالة، «قالسيجارة» في يد أبيه غير «السيجارة» في بد أمه أثناء الرفي أو الخياطة، و «اللف» قد بسمعه من أبيه الموظف ويسمع «ملفاً» آخر من الجوذي أمام بيته ، و«الكتاب» في يد أخيه التلميذ «والكتاب» في ليلة عرس لعمته أو خالته . وبتضاحك الناس في أمثالهم علي مثل هذا الخلط بين الدلالات و نسمع منهم ذلك المثل المصري:

[قال أبوي من خيارالناس، قال باباهات لي خيار]

ج-  كلمات متشابهة الأصوات مثل:

[النسناع والمتلاع، الحنطور والطرطور، العياقة واللياقة، والافتراح والاختراع، الصورة والسورة]

فإذا تصادف أن سمع الطفل لامرة الأولي كلمتين من هذا النوع في ظرفين مختلفين سبب له هذا بعض الحيرة والدهشة، فيقابلهما أحياناً بالصمت، وأحياناً

ص72

بالتساؤل والاستفسار. ويظل بعد هذا يخلط بينهما زمناً ما إلي أن تتضح له معالم كل من الكلمتين. بل إن الخلط بين هذه الكلمات غير مقصور علي صغار الأطفال، فكثيراً ما يقع فيه الكبار، وهو ما يفسر لنا الخلط بين شبابنا المتعلم في كلمتي «العيق والعتيد» وجعلهما بمعني واحد. ومن التلاميذ من لا يفرقون بين «الظرافة» من الظرف، «الزرامة» للحيوان المعروف، بين الزكاء للنماء والذكاء ضدالنباوة ، وبين ذل ، زل.

 

د-  كلمات تختلف دلالاتها باختلاف السياق ككلمة «صاحب» التي يسمعها الطفل في عبارة مثل «صاحب البيت: أي المالك، ويسمعها مرة أخري تشير إلي صديقه في مثل «صاحبك». وأسبق هذاالنوع من الكلمات إلي محيط الطفل تلك التي نسميها بالضمائر. فالطفل يسمع أياه يقول «أنا» ويسمع أمه تقول «أنا» ويسمع الخادم يقول «أنا» ، فلا يدري أي هؤلاء هو «أنا» الحقيقي؟ ولا ندهش من أجل هذا أن نسمع طفلا يقول لأبيه [أنا روح] يريد [أنت اذهب] ،أو حين يشير إلي نفسه بالضمير «أنت» ويقول [أنت ...يه] أي أريد أن أنام. ويزيد بعض الكبار صعوبة هذه الضمائر حسين يستعملون في خطاب الأطفال الأسماء ندلا منها فيقولون مثلا (تونو دحة) و «توتو» هذا طبعا اسم الطفل، فيعوقون سيطرة الطفل علي الضمائر والتفرقة بينها. وقد كان بعض فلاسفة الألمان يحتفل باليوم الذي يستطيع فيه طفله استعمال الضمير «أنا»، متخذاً من هذا دليلا علي يدء شعور الطفل بكيانه واستقلاله.

ومما يعقد الأمر علي أطفالنا في تلك الضمائر، المتصلة منها والمنفصلة، فيظل الطفل يتعثر فيها إلي من الثالثة أو الرابعة أحيانا. فيقول الطفل مثلا «توتوخذ اللعبة من انت» بدلا من «منك » ، أو يقول «من أنا» بدلا من «مني» ، و «جزمة انت» بدلا من «جزمتك» ، و «من هوه » بدلا من «منه» و هكذا

فليس الأمر كما يتصور بعض الدارسين من أن الطفل يسيطر علي دلالة الألفاظ في غير عفت أو مشقة، بل الصحيح أنه يصادف في هذا صعوبات كثيرة تظل تلازمه زمنا طويلا . فقد يسيطر علي الأصوات وتراكيب الجمل وطرق النفي والإثبات والتوكيد و غير ذلك من المظاهر الصوتية أو النحوية قبل التحاقه بإحدى المدارس. فلا يكاد الطفل الأور بي يمر بمرحلة التعليم الثانوي حتي يصبح الخطأ في مثل هذه الظواهر أمراً غير مألوف ولكن الطفل فيما يتعلق بالدلالات بظل يتعثر فيها طول حياته، ويختاب فهمه لها مرحلة بعد أخري، فهي تصيق حيفا، وتتسع حيناً آخر، وتتحدد وتتنوع وتنمو مع الزمن، فلا يكاد يسيطر علي بعضها بعد سن معينة حتى

ص73

يصادفه سيل جارف منها يستأنف الصراع معها. فنحن نقضي كل حياتنا في صراع مع تلك الدلالات ، ويندر أن يسيطر أحدنا علي دلالات كل ألفاظ اللغة، بل يكاد يكون هذا مستحيلا.

وتعد أجزاء الجسم من أسبق الألفاظ إلي سمع الطفل ولسانه، فهو يعرف كل أوجل أجزاء جسمه في سن الثانية: كالعين والأنف والأذن رالإصبع والظفر والرجل واليد والبطن والرأس والشعر.

وهي لذلك تعد من أقدم الألفاظ في اللغات البشرية. ويكفي أن تقارن بين ألفاظ عدة لغات من فصيلة واحدة ليتضح لنا أنها تشترك في مثل هذه الألفاظ، لأنها استمدت من الأم الأصلبة لهذه اللغات، فاتحدرت إليها جميعاً علي صورة واحدة ودلالة متحدة. فحين تقارن بين العربية والعبرية ونستعرض منها تلك الألفاظ التي تدل علي أجزاء الجسم تراها في اللغتين متحدة الصورة والدلالة:

وتنتقل دلالات هذه الألفاظ القديمة إلي الجماد فنتصور للكرسي رجلا ويداً ، ونقول مثلا: أسفا... المشط والمنشار، يد السكين ، عين الإبرة ، أذن الإبريق، فم النهر، عنق الزجاجة، لسان الحزمة ... ونحو ذلك من مح...زات واضحة العلاقة سهلة التفسير يتقبله الطفل الصغير دون غرابة أو دهشة، لأن الاستعمال الحديد يشترك في المظهر الخارجي مع القديم. ويساعد علي تقبل الطفل لهذا النوع من المجلز أنه يعيش زمناً غير قصير في عالم الخرافات والخيال، ويشخص الأشياء فيجعل منها مخلوقات حية أوشبه حية.

ويعد هذا الانتقال في الدلالة من إلمجازات العامة، التي تنشأ بين أفراد البيئة اللغوية، رغبة في توضيح الحديث و إبراز صوره. ولا تتطلب تلك المجازات من جمهور الناس مهارة خاصة، أو حذقا خارقا للعادة للاهتداء إليها، فليست كتلك المجازات التي يبتكرها الشعراء والكتاب، ويجهدون قرائحهم في الغوص عنها. ولذلك

ص74

تعد تلك المجازات من أقدم أنواع المجاز، فلم تعد تثير في الأذهان غرابة أو طرافة، وأصبحت بعد شيوعها من الحقيقة.

وكما يستعير الناس أجزاء الجسم ويخلعونها علي الأشياء ، قد يستعيرون أيضاً أجزاء الحيوان والنبات ويلصقونها للجماد فيقولون مثلا:

جناح الطائرة، ذيل الفستان، جذور الأسنان.

وهكذا يمرن الطفل منذ صغره علي نقل الدلالة من مجالها إلي مجال آخر، ويدرك أن الدلالة لاتكاد تستقر علي حال واحدة، وأنها قابلة للتغير والتطور.

وكثيراً ما يعتمد الطفل في فهم الدلالة علي الاستنباط من سباق الحديث والحوادث، فيحدد قيمتها علي حسب فهمه و استنباطه، وترتبط في ذهنه بتلك التجارب السابقة التي تعلم منها اللفظ.

وقد يسأل الطفل عن دلالة لفظ من الألفاظ فيجيبه أبوه أو أمه إجابة دقيقة أحيانا وغامضة أحيانا، فتأخذ الدلالة في ذهنه حدوداً خاصة مختلف في كثير من الأحيان عما في أذهان الكبار حوله. فدلالات الأشياء ترتبط في أذهان الأطفال بتجاربهم السابقة ارتباطا وثيقاً، وعلي قدر اختلاف تلك التجارب مختلف الدلالات في أذهانهم. فالطفل الذي تعود منذ صغره أن يكون له كلب صغير يدلله ويؤاكله ويلاعبه ، وقد ينام معه في سريره، يدرك من دلالة لفظ «الكلب» غير مايدرك طفل آخر كل تجاربه مع الكلاب تتلخص في أن أحدها قدعضه في رجله في يوم من الأيام !!

والطفل في القرية الذي تعود منذ صغره أن يقود البقرة أو الجاموسة إلي الحقلف ويناولها طعامها، ويداعب قرونها وقد يركب عليها، يدرك من مدلول هذين اللفظين حدوداً من الدلالة واضحة التفاصيل والمعالم، في حين أن الطفل بالمدن يظل زمنا طويلا غير مستطيع التمييز بين البقرة والجاموسة، وتبقي دلالتهما في ذهنه غامضة وقتا غير قصير.

وموقف الأمم البدائية من دلالة الألفاظ يشبه إلي حد كبير تلك المرحلة التي فيها نري الأطفال لايكادون يميزون بين الدلالات الكلبة والدلالات الخاصة، والتي لايتصورون عندها أنه من الممكن أن يوجد في الدنيا أب غير أييهم أو ام غير أمهم أو سرير غير سريرهم، فالكلمات عندهم أعلام أو مايشبه الأعلام، لا تطلق إحداها إلا علي شئ معين.

ص75

 

فيحدثنا بعض الباحثين ممن درسوا لغات الأمم البدائية أن الهنود الحمرليس لديهم كلمة يمكن أن تطلق علي شجر البلوط بأنواعه المختلفة وألوانه المتباينة ولكنهم يختصون «البلوط الأسود» بكلمة معينة، والبلوط الأحمر بكلمة أخري لاتمت للأولي بأي صلة ، فهم لايكادون يدركون الدلالة الكلبة للأشياء، بل يتخذون لكل نوع كلمة خاصة تدل عليه. ممات دل عليه كلمة مثل «شجرة» لا مفهوم له في أدهانهم، وإنما الذي يدركونه هو نوع معين من الشجر، كشجرة الكافور أو شجرة الوز أو شجرة التوت، فلكل من هذه الأنواع كلمة خاصة في لغتهم. كذلك يحدثوننا أن الهورونين (سكان أمريكا الشمالية) ليس في لغتهم مايعتر عن عملية الأكل بمعناها العام والكنهم يتخذون لأكل اللحم كلمة خاصة، ولأكل ال..بز كلمة أخري، ولأكل الموز كلمة ثالثة وهكذا.

ومما حدثونا به أن سكان جزيرة تسمانيا (قرب استراليا) لا يكادون يستعملون اللغات بمعناها العام، فصفه الطول لا وجود لها بين ألفاظهم، وهم من أجل هذا يلجأون إلي التشبيه للتعبير عن هذه الصفة ويقولون، مثلا هو «كالشجرة أو النخلة - أي أنه طويل أو مفرط في الطول.

وفي بعضي لغات وسط أفريقيا اختلط الأمر علي أصحابها، ولم يربطوا بين الأشيائ التي من نوع واحد فلم تتكون لها في أذهانهم دلالة كلية، فليس لديهم كلمة للتعبير عن «السمك» المعروفة لهم. وقد أي هذا إلي أن لغتهم قد خلت أو كادت من الفكرة المجردة للجمع، فلا يجمعون الاسم المفرد، أو يتخذون للجمع صيغة مخالفة لصيفة المفرد، فإذا اضطروا في النادر من الأحيان للتعبير عن الجمع أو الكثرة لجأوا إلي وسائل أخري غير مألوفة في اللغات المشهورة (1) .

كذلك مما حدثنا به هؤلاء الدارسون من الدارسون أن بعض القبائل في وسط البرازيل يتخذون كلمة خاصة لكل نوع من أنواع الببعغاوات ولكل نوع من أنواع النخيل؛ وأن الموها كيين Mohicans لايعرفون كلمة للتعبير عن القطع بمعناه العام، بل تختلف السكلمة عندهم باختلاف المتطوع، وأن قبيلة «الزولو» تصطنع كلمة خاصة للبقرة البيضاء، وأخري للبقرة الحمراء؛ وأن في «شيروكي» يختلف الفسيل باختلاف المغسول فلديهم كلمة لفسد اليد وأخري لغسل الثوب وثالثة لفسل الأطباق !!.

 

وليس في كثير من اللغات البدائيه كلمة للأخ، بل هناك كلمة للأخ الكبير وأخري للأخ الصغير.

كذلك يقال لنا إن كلمات الألوان في «ليتوانيا» تختلف باختلاف الشئ الملون، فكلمة «الأرزق» حين يوصف بها الصوف تختلف عنها حين يوصف بها البحر. ويشبه هذا ما تعرفه عن كلمة «أدهم» العربية التي يوصف بها الفرس الأسود، ولكن لايقال عن الثوب الأسود إنه ثوب «أدهم» مثلا!

ومما يروي لنا هن لغات «أميرندا» أن ألفاظ الأعداد فيها تختلف باختلاف المسدود. ويشبه هذا مايزال شائعاً حتي الآن في بعض اللغات من حيث المقاييس والموازين.

وأخيراً وليس آخراً فقد ظهر لهؤلاء الدارسين أن الشعر القوطي Gothonic يشتمل علي كلمات مترادفة كثيرة للتعبير عن [السيف والبحر والمعركة والأبطال] ونحو هذا مما تصمنته ملاحمهم. وكانت كل كلمة من تلك المترادفات تتميز بصفات معينة، ثم تنوسيت تلك الصفات فتولد الترادف بين كلمتين أو أكثر، أي أن ماحدث في بعض المترادفات العربية حدث مثله في لغة الشعر «القوطي» ، ففي العربية مثلا ألفاظ كثيرة للسيف رويت لنا علي أنها ألفاظ مترادفة، ولكن كلا منها كان في وقت من الأوقات يتميز بشيء ليس في الألفاظ الأخرى. فلما أهملت الفروق أو نسبت نشأ الترادف بين ألفاظ السيف.

وفي رأي هؤلاء الدارسين أن أوضح ما تتصف به اللغات البدائية هو ذلك العدد الوفير من ألفاظ يمكن الاستغناء عنها لو أن الفكرة الكلية في الدلالة قد اتضحت في أدهان أصحاب هذه اللغات. ومع مابها من ألفاظ لاحاجة إليها تعورها ألفاظ كثيرة جداً للتعبير عن الدلالات المجردة والمعاني العقلية السلمية. ولعل ما يسيطر علي هؤلاء القوم من التطير والتفاؤل والتشاؤم كان من أهم الأسباب في كثرة كلماتهم ذات المعاني المتقاربة. فكثيراً ما يهجرون ألفاظاً ويتبعون أخري مكانها للتعبير عن المعنى نفسه.

ص77

_____________________

(1) Language families oi Africa, p. 43.




هو العلم الذي يتخصص في المفردة اللغوية ويتخذ منها موضوعاً له، فهو يهتم بصيغ المفردات اللغوية للغة معينة – كاللغة العربية – ودراسة ما يطرأ عليها من تغييرات من زيادة في حروفها وحركاتها ونقصان، التي من شأنها إحداث تغيير في المعنى الأصلي للمفردة ، ولا علاقة لعلم الصرف بالإعراب والبناء اللذين يعدان من اهتمامات النحو. واصغر وحدة يتناولها علم الصرف تسمى ب (الجذر، مورفيم) التي تعد ذات دلالة في اللغة المدروسة، ولا يمكن أن ينقسم هذا المورفيم الى أقسام أخر تحمل معنى. وتأتي أهمية علم الصرف بعد أهمية النحو أو مساويا له، لما له من علاقة وطيدة في فهم معاني اللغة ودراسته خصائصها من ناحية المردة المستقلة وما تدل عليه من معانٍ إذا تغيرت صيغتها الصرفية وفق الميزان الصرفي المعروف، لذلك نرى المكتبة العربية قد زخرت بنتاج العلماء الصرفيين القدامى والمحدثين ممن كان لهم الفضل في رفد هذا العلم بكلم ما هو من شأنه إفادة طلاب هذه العلوم ومريديها.





هو العلم الذي يدرس لغة معينة ويتخصص بها – كاللغة العربية – فيحاول الكشف عن خصائصها وأسرارها والقوانين التي تسير عليها في حياتها ومعرفة أسرار تطورها ، ودراسة ظواهرها المختلفة دراسة مفصلة كرداسة ظاهرة الاشتقاق والإعراب والخط... الخ.
يتبع فقه اللغة من المنهج التاريخي والمنهج الوصفي في دراسته، فهو بذلك يتضمن جميع الدراسات التي تخص نشأة اللغة الانسانية، واحتكاكها مع اللغات المختلفة ، ونشأة اللغة الفصحى المشتركة، ونشأة اللهجات داخل اللغة، وعلاقة هذه اللغة مع أخواتها إذا ما كانت تنتمي الى فصيل معين ، مثل انتماء اللغة العربية الى فصيل اللغات الجزرية (السامية)، وكذلك تتضمن دراسة النظام الصوتي ودلالة الألفاظ وبنيتها ، ودراسة أساليب هذه اللغة والاختلاف فيها.
إن الغاية الأساس من فقه اللغة هي دراسة الحضارة والأدب، وبيان مستوى الرقي البشري والحياة العقلية من جميع وجوهها، فتكون دراسته للغة بذلك كوسيلة لا غاية في ذاتها.





هو العلم الذي يهتم بدراسة المعنى أي العلم الذي يدرس الشروط التي يجب أن تتوفر في الكلمة (الرمز) حتى تكون حاملا معنى، كما يسمى علم الدلالة في بعض الأحيان بـ(علم المعنى)،إذن فهو علم تكون مادته الألفاظ اللغوية و(الرموز اللغوية) وكل ما يلزم فيها من النظام التركيبي اللغوي سواء للمفردة أو السياق.