في رحابِ مدينةٍ تفيضُ بالسكينة، حيثُ المآذنُ تعانقُ الغيم، كان "حسنٌ" شاباً يُشارُ إليه بالبنان لا لمالٍ أو جاه، بل لـسموّ خُلُقه الذي كان يسبق خُطاه. كان يمشي في الأسواقِ مُطرقَ الرأس، يكسو رزانته صمتٌ وقور، فإذا سُئلَ فاضَ لسانه ببيانٍ عذبٍ وأدبٍ جمّ، كأنّ الكلماتِ في فمهِ لآلئُ مصفوفة.
وفي الجانبِ الآخرِ من المدينة، كانت تقطن "نرجس" التي لم يعرفِ الجيرانُ من ملامحها سوى أثرِ العفّة العالقِ في ثيابها السابغة. كانت تمرُّ كطيفٍ ملائكيّ، يسبقها حياؤها قبل خطوها، متلفّعةً بـحجابها المصون الذي كان لها حصناً لا قيداً، وتاجاً لا عبئاً.
ذاتَ ضحىً، ساقتِ الأقدارُ حسنًا ليوصلَ أمانةً إلى دارِ والدِ نرجس، فصادفها عند مدخلِ الرواقِ وهي تهمُّ بالدخول.
قالت نرجس بصوتٍ خفيض يكسوهُ الوقار: "السلام عليكم يا أخي، هل من حاجةٍ تُقضى فنعينك عليها؟".
أجاب "حسن" وعينهُ في الثرى، بصوتٍ رصين: "يا ابنةَ الكرام، جئتُ بأمانةٍ لوالدكِ، وما كنتُ لأقتحمَ عليكِ سكينتكِ لولا طارقُ الواجب".
رفعت نرجس طرفَ خمارها قليلاً لتتأكدَ من هويةِ الطارق، فراعها ذلك السمتُ الإيمانيّ، وقالت بـ حياءٍ بَيِّن: "إنَّ الأمانةَ عند أهلِ الأمانةِ لا تضيع، وصونكَ لنظركَ يا أخي هو أبلغُ أمانةٍ حفظتَها لنا اليوم".
ردَّ حسنٌ بلهجةٍ تملؤها الحكمة: "إنَّ زينةَ الرجلِ يا أختاه في لسانهِ وعفته، وكما قالوا: مَن لم يستحِ من الناسِ لم يستحِ من الله، وأراكِ قد اتخذتِ من الحياءِ حلياً فُقتِ بها كلَّ زينة".
لم يطُلِ الحوار، فالاختصارُ في مقامِ الغرباءِ هو قمةُ الأدب. غادرَ حسنٌ داعيًا الله أن يرزقه زوجةً مصونةً خَفِرة، ومضت نرجسُ وهي تدعو اللهَ أن يرزقها مَن يحفظُ غيبتها بـدينه.
لم تمضِ أيامٌ حتى قُرعَ البابُ ببشائر الأمل، وتقدّمَ "حسنٌ" طالبًا يد "نرجس". وحين سألها والدها، لم تجب إلا بـصمتٍ مشوبٍ بحمرةِ الخجل، وهو أبلغُ الرضا. وهكذا، اجتمعَ أدبُ حسن مع حياءِ نرجس، ليبنيا بيتاً عمادهُ التقوى، وسقفهُ العفّة، مُثبتينِ للعالمِ أنَّ أجملَ لقاءٍ هو ما كان في ظلالِ طاعةِ الله.
الحكمة: «زينةُ الرجلِ أدبُهُ، وزينةُ المرأةِ حياؤُها».
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)