في مدينةٍ يفتخرُ سكانها بكثرةِ ما قرأوا من مجلداتٍ ضخمة، كانت تقبعُ في حارةٍ ضيّقةٍ مكتبةٌ غريبةٌ لا لافتةَ عليها. دخلها شابٌ يُدعى "مازن" كان يظنُّ نفسهُ أعلمَ أقرانه، ليفاجأ بأنَّ جميعَ الكتبِ المصطفةِ على الرفوفِ ذاتُ أغلفةٍ فاخرةٍ لكنَّ صفحاتِها بيضاءُ تماماً، لا حبرَ فيها ولا نقش. استشاط مازن غضباً وذهب إلى صاحبِ المكتبة، وهو عجوزٌ يجلسُ في سكونٍ تام، قائلاً: "هل هذه خدعة؟ كيف تسمي هذا المكان مكتبةً وهي لا تحتوي على سطرٍ واحدٍ من الحكمة؟".
نظر إليه العجوزُ بهدوءٍ وقال: "يا بني، الكتبُ التي قرأتَها في حياتك هي حكمةُ الآخرين، أما هذه الكتبُ فهي تنتظرُ حكمتكَ أنت. كلُّ صفحةٍ بيضاء هنا تمثلُ يوماً من عمرك، وأنتَ الكاتبُ الوحيد الذي يملكُ الحبرَ السحري لملئها".
لم يفهم مازن المقصد، فأعطاه العجوز ريشةً قديمة وقال له: "عد إلى بيتك، وكلما مررتَ بموقفٍ تعلمتَ منه درساً حقيقياً، أو مسحتَ دمعةَ محتاج، أو كبحتَ جماح غضبك، ستجدُ أنَّ الكلماتِ بدأت تظهرُ في كتابك الخاص باللون الذهبي".
مرّت الشهور، وعاد مازن للمكتبة بعد أن تغيرت طباعه، لم يعد يثرثرُ بما قرأه في كتبِ الفلاسفة، بل صار يعملُ بصمت. فتح كتابه الذي كان أبيض، فإذا به يفيضُ بقصصٍ عن الصبر، والعطاء، والتسامح، كُتبت بمدادِ المواقفِ لا بمدادِ الأقلام. أدرك حينها أنَّ الثقافةَ ليست في تكديسِ المعلومات، بل في تحويلِ بياضِ الأيامِ إلى سطورٍ مضيئةٍ من الأفعال.
الحكمة: هي أنَّ قيمةَ الإنسانِ لا تُقاسُ بما يقرأ من حكاياتِ الآخرين، بل بما يكتبهُ هو في سجلِ حياته من مواقفَ نبيلةٍ تجعلُ صفحاتِ عمرهِ تستحقُّ القراءة.
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)