في غمرةِ الحياةِ وصخبِ الوجوه، كان (أمين) يمشي كأنه نسمةُ صباحٍ عذبة؛ لا يرسلُ القولَ إلا بلسمًا، ولا يسكبُ الحروفَ إلا في قوالبَ من شهد..
أمين، الرجل الذي لم يملك من حطام الدنيا شيئاً، لكنّه امتلك في فمه مملكةً من رقيق القول، كان حديثُه شبيهًا بوقعِ الندى على ورقِ الورد، أو كخرير الجداول بين الصخور؛ إن تكلّم، أنصتت إليه القلوبُ قبل الآذان.
لم يكن أمين يمرُّ بساحةِ القرية إلا وتفتّحت له الوجوه، وانشرحت له السرائر، ولا يجلسُ بمجلسٍ إلا وأصبح قطبه المفتقد؛ فبينما كان غيره يرمي القولَ كالحجارة، كان هو ينتقي مفرداته كما يختارُ الجواهريُّ درره، إذا رأى عيبًا ستَره بجميل اللفظ، وإذا شهد همًّا جلاهُ بعذبِ المواساة.
ذات شتاءٍ قارس، ألمّت بأمين وعكةٌ ألزمته الفراش، فما كان من أهل القرية إلا أن تسابقوا إلى بابه، حتى غدت عتبةُ بيته مزارًا لا ينقطع؛ هذا يحملُ حطبًا، وذاك يقدّم حساءً، وآخرُ يقرأ له ما تيسر من حكايا، حتى ضاق الدارُ بمحبّيه.
سأله طفلٌ صغير دهشاً: "يا عمّ، كيف استطعت أن تجمع كلّ هؤلاء في بيتك الصغير؟
ابتسم أمين بوهنٍ وقال: "يا بني، إنَّ القلوبَ مزارع، واللسانَ هو الغيث؛ فمن سقى مزارع الناس بـ عذبِ كلامه، حصد في شدته وافرَ إخوانه".
أدرك الجميع حينها أنَّ اللسانَ العذب ليس مجرّد نطقٍ رخيم، بل هو جسرٌ من نورٍ يربطُ الأرواح، يُؤنسُ غربةَ الغريب، ويُحيلُ يبابَ القلوبِ بستانًا يضجُّ بالأصدقاء.
الحكمة: «مَنْ عَذُبَ لِسانُهُ كَثُرَ إِخْوانُهُ».
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)