معارضة الشركات متعددة الجنسيات:
تمثل الاستثمارات الدولية المباشرة وبشكل خاص استثمارات الشركات متعددة الجنسيات احدى أهم مظاهر العولمة بجميع جوانبها. فإنتاج وتسويق السلع والخدمات في جميع انحاء العالم يوحد أنماط الاستهلاك ويزيد من الحاجة الى المال لإشباع الرغبات الاستهلاكية المتزايدة لدى شعوب العالم مما يعمق من العقيدة الرأسمالية والسعي المستمر لجمع المال في المجتمعات كافة. وكان لا بد لهذا الاتجاه من الاصطدام باتجاهات دينية وثقافية وعقائدية معاكسة خلقت بدورها معارضة قوية لظاهرة العولمة في جميع انحاء العالم.
لقد جعل التكامل الاقتصادي الدولي من الحدود الدولية التي ميزت الدول خلال القرن العشرين أمراً ثانوي الأهمية في ظل الانفتاح وأهمية تحرك راس المال والقوى العاملة وما تنتجه الدول من بضائع وخدمات. كما ويؤدي الى التقليص من حرية وقدرة الحكومات على اتباع السياسات الاقتصادية الخاصة بها. فشروط الانضمام الى منظمة التجارة العالمية تحكم السياسة التجارية، كما وتحدد أولوية استقطاب الاستثمار الخارجي حجم العجز في موازنة الدولة والسياسة المالية من جهة والاستقرار النقدي المتمثل بثبات سعر الصرف الخارجي والسيطرة على معدل التضخم وبناء احتياطي كافي من العملات الأجنبية والتي تعتبر من أهم أهداف السياسة النقدية من جهة أخرى.
فإذا ما ارادت دولة رفع الضرائب لتغطية زيادة في الأنفاق الحكومي، سترى جزءاً كبيراً من انتاجها الصناعي ينتقل الى دول قليلة الضرائب، أما الدول التي تعجز عن الاستثمار في بنيتها التحتية المادية والفكرية مثل الطرق والجسور والسدود والتعليم والبحث العلمي، فسترى صفوة عقولها ومعظم فرص العمل لديها تنتقل الى الدول التي تعطي اولوية لمثل هذه الاستثمارات.
لقد أدت عولمة التجارة والاستثمار والتمويل الى خلق بيئة اقتصادية شديدة التنافس تعاقب سوء الادارة الاقتصادية بعنف وتخصص رؤوس الأموال والوظائف الى الدول التي تعطي اعلى العوائد على رأس المال المستثمر بأقل حد ممكن من المخاطر. ومع ازدياد كفاءة الأسواق الدولية تزداد سرعتها في مكافأة الادارة الجيدة ومعاقبة الادارة السيئة.
وازاء هذا الوضع وما يصاحبه من تغيير سريع في جميع مناحي حياة المواطنين في جميع انحاء العالم نرى الشعوب وقد اعتراها القلق نتيجة لفقدان حكوماتها السيطرة على مقاليد السياسات التجارية والمالية والنقدية والتي تنعكس مباشرة على اوضاعهم الحياتية اليومية، ويساورها في نفس الوقت شعور بالارتياح في ظل عدم ثقتهم بقدرات حكوماتهم على معالجة العديد من مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية.
فمع انهيار الاتحاد السوفيتي نتيجة لسوء الإدارة الاقتصادية المترتب على العقيدة الاشتراكية استفاد عدد كبير من دول العالم الثالث من استثمارات دولية مباشرة تجاوزت 110 مليار دولار في عام 1993، نتيجة لأتباعها لسياسات الانفتاح الاقتصادي ولسياسة مالية ونقدية منضبطة حيث كانت نفس هذه الدول تعاني خلال حقبة الثمانينات من هروب رؤوس الأموال، ومديونية خارجية هائلة، ومعدلات تضخم مرتفعة جداً وعبء ضريبي مرتفع وتدخل الادارة الحكومية في جميع الأنشطة الاقتصادية. وقد ادى التغيير الجذري في السياسات المتبعة الى تحرير اقتصاديات هذه الدول تبعه تحقيق وتائر نمو مرتفعة سرعان ما جذبت رؤوس الأموال الأجنبية.
وقد ادى نجاح دول العالم الثالث في استقطاب الاستثمارات الدولية المباشرة الى نمو واتساع معارضة العولمة في الدول الكبرى موطن معظم الشركات متعددة الجنسيات حيث لوحظ تزايد المطالبة بالحماية على الرغم من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، فدخول ملايين العمال من الدول منخفضة الأجور مثل الصين والمكسيك وروسيا والهند الى السوق العالمية الحرة سبب فقدان عدد كبير من الوظائف في الدول الصناعية الكبرى وزاد من هذه المعارضة للعولمة. الا أن قطار العولمة بدأ بالتسارع، ولا يمكن لاي دولة ان تستفيد من عدم اللحاق بركبه، ومحاولة السيطرة على نتائجه السلبية عن طريق الانضمام الى مجموعات اقليمية مثل النافتا في شمال امريكا والمجموعة الأوروبية في اوروبا ومنظمة جنوب شرق آسيا الاقتصادية والمنطقة العربية الحرة في الشرق الأوسط، حيث تستطيع هذه الكتل الاقتصادية أن تسارع من تكاملها الاقتصادي داخلياً مما يحصن تكاملها مع بقية الكتل الكبرى.