الاستثمارات الدولية المباشرة
ان الهدف من برامج التصحيح الاقتصادي الخاصة بكل دولة متعثرة، وما ينتج عن الالتزام بنجاح تطبيقها من اعادة جدولة الديون الثنائية وتخفيض واعادة جدولة الديون التجارية من خلال خطة برادي هو تمكين الدول المدينة من النهوض مجدداً وتحقيق وتائر نمو مرتفعة، تضمن استمرار قدرتها الذاتية على توليد الدخل الكافي لخدمة ديونها الخارجية دون عناء. وكان من اهم غايات هذه البرامج تخفيض نسبة المديونية الخارجية الى الناتج المحلي الاجمالي الى ما دون 75%، فاذا كانت نسبة المديونية الخارجية لدى بعض الدول المدينة تبلغ حوالي 150% من الناتج المحلي الاجمالي فان تخفيض هذه النسبة لن يكون ممكناً الا من خلال تحقيق نسب نمو عالية في الناتج المحلي الاجمالي، قد يترتب عليها زيادة في حجم المديونية بالأرقام المطلقة وانخفاضها في نفس الوقت نسبة الى الناتج المحلي الاجمالي، وذلك بشكل تدريجي قد يستغرق سنوات طويلة للوصول الى النسبة الصحية المذكورة.
ومن هنا ظهرت أهمية الاستثمارات الدولية المباشرة.
أ - الشركات متعددة الجنسيات:
تعتبر الشركات متعددة الجنسيات المصدر الرئيسي للاستثمارات الدولية المباشرة والتي بدورها تعتبر محرك النمو الأساسي لتلك الشركات. وقد جاء نمو الشركات متعددة الجنسيات محصلة طبيعية للاستثمارات الخارجية المباشرة التي حدثت في الماضي في ظل تطور مرادف في الأدوات المالية الدولية والأسواق العالمية وزيادة حدة المنافسة بين الشركات في مختلف دول العالم.
وبالنظر لضخامة حجم اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية واحتلالها مركز السيادة الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الشركات الأمريكية الكبرى من اوائل الشركات التي بدأ انتشارها في اوروبا واليابان وامريكا اللاتينية ليغطي بعد ذلك العالم بأكمله ولحقتها الشركات الكبرى الأوروبية واليابانية والأمريكية اللاتينية والاسيوية والعربية في انتشارها الخارجي سعياً وراء الأسواق الواعدة والأرباح المجزية، بحيث أصبح لهذه الشركات كيان اقتصادي واسع لا تعيقه حدود الدول التي تتنافس جميعها دون استثناء على استقطاب هذه الشركات وتوطينها بهدف خلق فرص العمل، ونقل التكنولوجيا الجديدة وزيادة صادراتها وبالتالي رفع وتائر نموها الاقتصادي.
ب- أسباب نمو الشركات متعددة الجنسيات:
تعتبر الشركة متعددة الجنسيات من أهم الظواهر الاقتصادية في القرن العشرين. وهي الشركة التي تقوم بإنتاج وبيع البضائع والخدمات في اكثر من دولة واحدة. وتتكون في العادة من شركة أم موطنها بلدها الأصلي وما بین خمس او ست فروع تابعة مسجلة في دول أخرى يربطها بالشركة الأم وبقية الشركات الشقيقة تكامل استراتيجي هام. وحسب تقديرات الأمم المتحدة يوجد في العالم ما يزيد عن 35,000 شركة متعددة الجنسيات لبعضها أكثر من 100 فرع تابع. ويعود نمو وانتشار الشركات متعددة الجنسيات الى عدة اسباب نتجت عن تطور مرادف للتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي الذي ساد القرن العشرين ويمكن تلخيصها كما يلي:
1- البحث عن واستغلال المواد الخام:
كانت اول الشركات متعددة الجنسيات تلك التي خرجت لاستغلال المواد الخام المكتشفة في مستعمرات الدول الصناعية الكبرى في افريقيا وآسيا، واكتسبت بناء عليه صيتاً سيئاً وحاربتها حركات التحرر من الاستعمار لارتباط عملياتها بالنهب المنظم لثروات الشعوب الفقيرة. وقد لحقت هذه الشركات شركات التعدين والبترول الكبرى والتي تسعى الدول لاستقطاب استثماراتها في التنقيب عن البترول واستخراجه وتصفيته وتصديره.
2- البحث عن الأسواق
ويمثل السبب الرئيسي لانطلاق الشركات متعددة الجنسيات بعد الحرب العالمية الثانية (مثل شركة نستله وكوكاكولا، وفولكس فاجن) للإنتاج والتسويق خارج دولها بعد ان وصلت اسواقها الى حد الاشباع ووصلت منتجاتها الى نهاية دورة حياتها حيث يبدأ حجم السوق في التراجع.
وغالباً ما يتبع التوجه الاستراتيجي للاستثمار في اسواق جديدة، اعتبارات أخرى مثل ضعف المستوى التكنولوجي في تلك الأسواق مما يحول دون نقل المعرفة، وحماية سمعة المنتجات التي تخضع لضوابط جودة صارمة قد لا يمكن تطبيقها في الأسواق الجديدة او استغلال السمعة مثل قيام البنوك الكبرى بشراء بنوك صغيرة في الأسواق الواعدة، سرعان ما تستقطب حصة اكبر من السوق في ظل سمعة الشركة الأم القوية.
3 - تخفيض كلفة العمليات:
تسعى الشركات متعددة الجنسيات مثل بقية الشركات الى تعظيم ارباحها والعائد على حقوق المساهمين فيها. ويتأتى ذلك عادة عن طريق زيادة المبيعات بشكل مستمر وبمعدلات مرتفعة عن طريق تطوير المنتجات الجديدة من جهة وعن طريق العمل على تخفيض كلفة الانتاج والتسويق الى أدنى حد ممكن من خلال الاستثمار المستمر في البحث والتطوير وتطبيق التكنولوجيا المتقدمة في عملياتها.
وتعتبر الشركات متعددة الجنسيات التي انطلقت الى الاستثمار في الدول ذات التكاليف المنخفضة آخر جيل من هذه الشركات، وبطبيعة الحال فإن الاستثمار في هذه الأسواق والتي تتمتع في الغالب بعدد كبير من السكان مثل الصين والهند واندونيسيا ونيجيريا وغيرها يولد عناصر تخفيض كلفة اضافية مثل توفر رؤوس الأموال بكلفة متدنية، تلافي المعيقات الجمركية وغير الجمركية والتي قد ترفع سعر المنتج كثيراً في تلك الأسواق مما يحد من نمو المبيعات، وذلك بالإضافة الى تلافي التعليمات المتعلقة بالعمال وبالبيئة في الدول الأم مما يؤدي الى تلافي ارتفاع كلفة العمليات عن طريق الاستثمار في الدول المذكورة.
واذا ما اجتمعت كل الأسباب المذكورة من حيث استغلال المواد الخام وفتح الأسواق الجديدة وتخفيض الكلفة، تنتشر الشركات متعددة الجنسيات لتشمل حالياً أكثر من مائة دولة، ويؤدي ذلك الى توليد فوائد اخرى مثل مرونة الانتاج حيث قد تنتج الشركة مكونات المنتج النهائي في أكثر من عشر دول ويجري تجميعها وتسويقها في عدد محدد من الدول ذات الأسواق الكبيرة، بكلفة متدنية من الصعب محاكاتها. كما وان توزيع استثمارات الشركات الأم في أكثر من سوق يعتبر من اهم اهداف وعناصر اي قرار استثماري حيث لا بد ان يؤدي التنويع غير المباشر هذا الى زيادة العائد وتخفيض المخاطر النسبية لاستثمارات تلك الشركات.