قصور قواعد الإسناد أمام تعدد الروابط القانونية
المؤلف:
زكي عادل عبد العالي الظالمي
المصدر:
تطويع منهج الاسناد في القانون الدولي الخاص
الجزء والصفحة:
ص 37-45
2026-09-27
16
تتعدد أسباب قصور قواعد الإسناد أمام تعدد الروابط القانونية، فمنها ما يتعلق بالإسناد المفرد الذي يجعل المشرع قاعدة الإسناد تشير إلى تطبيق قانون معين دون النظر إلى القوانين أخرى، وقسم آخر من القصور يظهر في منهج القواعد ذات التطبيق الضروري من خلال السياسة التدخلية للدولة في وضع قوانين تحد من قواعد الإسناد وتقلص دورها في حل النزاعات الدولية الخاصة، وأيضا يظهر القصور في قواعد الإسناد من خلال استبعاد القانون الأجنبي الواجب التطبيق من خلال النظام العام الذي يعتبر مصد لتطبيق القانون الأجنبي.
أولا - تأثر منهج الإسناد بالإسناد الأحادي:
يقصد بالإسناد الأحادي هو أن تأتي قاعدة الإسناد مفردة، حيث تشير إلى تطبيق قانون الوطني فقط دون القانون الأجنبي، بمعنى أن يقتصر دور قواعد الإسناد على الحالات التي يكون فيها الاختصاص منعقد لقانون القاضي، أما إذا اتضح للقاضي أن الاختصاص ينعقد للقانون الأجنبي فأنه يترك أمر تحديدها لقواعد الإسناد الموجودة في القانون الأجنبي (1)، وفي المقابل يوجد قواعد إسناد مزدوجة الجانب والتي تعني ان تأتي قاعدة الإسناد مزدوجة الجانب أي أنها قاعدة اختيار أما تؤدي إلى اختيار قانون القاضي أو القانون الأجنبي، وتطبيقه على العلاقة حسب المعطيات حيث أن هذه القاعدة لا تعمل إلا بوجود قانونين أو أكثر كل منهما يريد ان يحكم العلاقة أو النزاع، لذلك فأن قاعدة الإسناد ستختار القانون المناسب والأفضل والقريب لتطبيقه على العلاقة (2) ، وقد انقسم الفقه على قسمين في هذه الحالة قسم يؤيد الصفة الأحادية لقاعدة الإسناد، وقسم آخر يؤيد الصفة المزدوجة لقاعدة الإسناد وهو الغالب (3).
لذلك تأثرت التشريعات (4) المقارنة في الصياغة المفردة لقاعدة الإسناد، حيث ضمنتها في قوانينها ومنها القانون المدني العراقي في المادة (19/5) والتي تنص " في الأحوال المنصوص عليها في هذه المادة إذا كان أحد الزوجين عراقياً وقت انعقاد الزواج يسري القانون العراقي وحدة" كذلك نص القانون المدني المصري في المادة (14) " في الأحوال المنصوص عليها في المادتين السابقتين إذا كان أحد الزوجين مصريا وقت انعقاد الزواج ، يسرى القانون المصري وحدة ، فيما عدا شرط الأهلية للزواج" لذلك فأن قاعدة الإسناد الفردية قد تأتي بشكل صريح كما في النصوص السابقة أو أن تأتي بشكل ضمني كما في نص المادة (310) من القانون المدني الفرنسي " يسري القانون الفرنسي على الطلاق والانفصال الجسماني. 1- إذا تمتع كل من الزوجين بالجنسية الفرنسية .2- إذا كان لكل من الزوجين موطن في فرنسا 3- إذا لم يكن هنالك اي قانون أجنبي يعترف بالاختصاص لنفسه وكانت المحاكم الفرنسة مختصة بنظر الطلاق أو الانفصال الجسماني " يتضح من هذه النصوص أنها جاءت منفردة الجانب قصد بها المشرع تحديد الاختصاص للقانون الوطني، وهو توجه منتقد من قبل الكثير من الفقه بسبب انحياز المشرع إلى تطبيق قانونه مما يؤدي إلى قصور في قاعدة الإسناد أمام تعدد الروابط القانونية وكان الأجدر بالمشرع صياغة هذه النصوص على شكل قاعدة مزدوجة للأسباب التالية:
1. إن الصياغة المزدوجة لقاعدة الإسناد تحقق الأمان القانوني والعدالة لأطراف العلاقة القانونية، لكون تطبيق قانون القاضي على العلاقة لوحدة لا تتحقق به هذه الميزة، فلا بد من إفساح المجال أمام القانون الأجنبي ليطبق على العلاقة ذات العنصر الأجنبي من أجل تحقيق الأمن القانوني والعدالة (5).
2. إن الصياغة المزدوجة لقاعدة الإسناد تؤدي إلى عدم الوقوع في فراغ تشريعي وبتالي يؤدي إلى إنكار العدالة، كما لو كنا أمام قاعدة إسناد مفردة فأن القاضي سيطبق القانون الوطني فقط إذا أشارت قاعدة الإسناد إلى ذلك، أما إذا لم تشر قاعدة الإسناد إلى ذلك، فأن القاضي سيحيل العلاقة إلى القانون الأجنبي، لذا فأن الطابع الثنائي لقاعدة الإسناد سيسعف في قبول أحد القوانين الأجنبية وترشحيه لحكم العلاقة (6).
3. إن الصياغة المزدوجة تحقق مبدأ المساواة بين قانون القاضي والقوانين الأجنبية أمام قاعدة الإسناد، والملاحظ ان قاعدة الإسناد المفردة لا تهتم ألا بتحديد حالات القانون قانون القاضي مما تؤدي إلى محاباة قانون القاضي على القانون الأجنبي، وبالتالي تؤدي إلى الأخلال بمبدأ المساواة.
4. إن الصياغة المزدوجة لقاعدة الإسناد تؤدي إلى تحقيق مبدأ التعايش المشترك بين النظم القانونية لمختلف الدول، حيث تلعب قواعد الإسناد المزدوجة دوراً هاماً في هذا الجانب، حيث تسمح بدخول قانون أجنبي وأعماله من قبل سلطات دول أخرى.
والجدير بالذكر أن الفقه الأنكلوساكسوني ذهب إلى ابعد من ذلك فلم يكتفي بوجود قاعدة مزدوجة لحكم العلاقة، بل يرى ان العلاقة موضوع النزاع هي علاقة دولية تحتاج إلى قانون من نفس طبيعتها (7). يتضح مما تقدم ان الصياغة المفردة لقاعدة التنازع تؤدي إلى قصور قواعد الإسناد أمام تعدد الروابط القانونية بسبب تبني تطبيق القوانين الوطنية على حساب القانون الأجنبي وخلق فراغ قانوني، وتؤدي أيضا إلى عدم التوقع وغياب الأمان القانوني وأخيرا تؤدي إلى الإخلال بمبدأ العدالة.
ثانيا - تأثر منهج الإسناد بمنهج القواعد ذات التطبيق الضروري:
عرفت قواعد ذات التطبيق الضروري بأنها " القواعد التي قد تلازم تدخل الدولة وتهدف إلى تحقيق وحماية المصالح الحيوية والضرورية، والاقتصادية والاجتماعية للجماعة والتي يترتب على عدم احترامها إهدار ما تبتغيه السياسة التشريعية، وتكون واجبة التطبيق على كآفة الروابط التي تدخل في مجال سريانها أياً كانت طبيعتها وطنية ام ذات طابع دولي (8) يظهر من هذا التعريف أن قواعد ذات التطبيق الضروري لها وظيفة تحقيق وحماية المصالح الضرورية والجوهرية اللازمة لقيام وتماسك النظام داخل إقليم الدولة، حيث إن القاضي ينطلق ابتداء من القاعدة القانونية للبحث عن العلاقة القانونية التي تسري عليها فإذا وجد القاعدة ذات التطبيق الضروري فأنها تطبق مباشرة دون البحث في طبيعة العلاقة، وهذا عكس ما تقوم عليه قواعد الإسناد، حيث إن القاضي ينطلق من العلاقة القانونية ابتداء من خلال تحليل العلاقة محل النزاع وتركيزها في مكان معين ومن ثم اختيار قانون تلك الدولة بوصفه القانون الأكثر ملاءمة لحكمها (9) ، أي أنها تطبق بشكل مباشر وملزم بصرف النظر عن قواعد تنازع القوانين لأنها تهدف إلى حماية مصالح أساسية للدولة وتنظيم أمور ذات أهمية خاصة، وهذا ما جاءت به الاتفاقيات الأولية(10) فمنهج القواعد ذات التطبيق الضروري قد يقيد عمل قواعد الإسناد لأن تطبيق تلك القواعد سيمنع من تطبيق القانون الواجب التطبيق الذي حددته قاعدة الإسناد (11).
ولقد ظهر القصور في قاعدة الإسناد أمام تعدد الروابط القانونية، بسبب ظهور منهج ذات التطبيق الضروري نتيجة قيام المشرع لقاعدة الإسناد بوضع قواعد آمرة واجبة التطبيق على كافة الروابط القانونية التي تدخل في مجالها سواء كانت وطنية أم أجنبيه، حيث إن المشرع سأهم بنفسه عن علم أو غير علم بتضيق الخناق على منهج الإسناد من خلال تلك القواعد الآمرة، وكان ذلك بسبب زيادة السياسة التدخلية للدولة، فأخذت تصدر قوانين توجيه الاجتماعي والاقتصادي كقوانين الأسعار والرقابة على النقد وأسعار الفائدة وعمليات الصرف وغيرها، حيث تغير وجه الحياة الداخلية والدولية، بسبب تلك السياسة التدخلية للدولة (12).
يذهب جانب من الفقه إلى أن منهج ذات التطبيق الضروري هو منهج منافس لمنهج الإسناد، أي إن وجود قاعدة من قواعد ذات التطبيق الضروري يؤدي إلى استبعاد قاعدة الإسناد من العلاقة التي تريد أن تحكمها، فهذه القواعد لها الأفضلية على قواعد الإسناد، فالقاضي عند عرض نزاع أمامه عليه أن يرجع أولا إلى قانونه الوطني فلربما وجد فيه قاعدة من قواعد التطبيق الضروري ترغب في الانطباق على المسألة، فإذا لم يجد عند ذلك يذهب إلى قواعد الإسناد، فكأن الأخير يقوم بدور احتياطي، فالأولوية حسب هذا الرأي إلى منهج ذات التطبيق الضروري (13) ، إلا أن البعض يذهب إلى أبعد من ذلك، بقوله إن النظام العام التوجيهي (قواعد التطبيق الضروري ) في حال توفر شروطه فأنه ينفي منهج الإسناد كلياً من مجال العلاقة محل النزاع، (وهذا التوجه الفقهي منتقد ومرفوض من اغلب الفقهاء والباحث يرفضه أيضا وللأسباب التي سنذكرها تباعاً ).
ويرى الجانب الغالب من الفقه (14) إمكانية التعايش والتجاور بين منهج الإسناد ومنهج ذات التطبيق الضروري من خلال عمليتين متتابعتين الأولى تحديد القانون واجب التطبيق والثانية أعمال هذا القانون وتطبيقه، ففي المرحلة الأولى، يمكن الكلام عن تقديم قواعد التطبيق الضروري وتأخير ما يتعلق بمنهج التنازع، أما في المرحلة الثانية وهي مرحلة أعمال القانون فهناك تجاور أو تعايش بين المنهجين لكل منهما نطاق أعماله وخير مثال على ذلك إذا كان هنالك عقد دولي معين يمكن أعمال قواعد التطبيق الضروري عليه وتطبيق هذه القواعد على بعض جوانبه كسعر الفائدة والقواعد الجمركية، وفيما وراء ذلك يطبق منهج الإسناد وما يؤدي إليه من أعمال قانون الإرادة على باقي جوانب العقد (15).
يتضح مما تقدم، أن قصور قواعد الإسناد أمام تعدد الروابط القانونية كان أحد أسبابها هو زيادة تدخل الدولة في وضع قواعد النظام العام التوجيهي (قواعد البوليس) مما قيد دور قواعد الإسناد في حل النزاعات ذات العنصر الأجنبي، لأن قواعد ذات التطبيق الضروري تطبق على العلاقات الأولية والداخلية، وحتى يكون لقواعد الإسناد أكثر فعالية (تطويعها) في العلاقات الأولية يجب أن لا تطغى قواعد التطبيق الضروري على قواعد الإسناد، ويجب أن يكون الاتجاه إلى الأخيرة بشكل محدود واستثنائي، حيث يبقى الأصل أعمال قواعد الإسناد التي تؤدي إلى التعايش المشترك بين النظم القانونية، وأيضا تحقيق الأمان القانوني لأطراف العلاقة، والاستثناء هو العمل بمنهج القواعد ذات التطبيق الضروري.
ثالثا تأثر منهج الإسناد بالنظام العام
النظام العام بوصفه مبدأ عاما هو أحد أقدم القيود على تطبيق القانون الأجنبي، لكنه في المدرسة الأنكلوسكسونية اكتسب نتيجة السوابق القضائية معنى جديد يتجاوز المفهوم الكلاسيكي للنظام العام الذي يرتكز على حماية السيادة الوطنية، فالنظام العام هنا لم يكن مجرد أداة لحماية قانون الدولة من اختراق القانون الأجنبي، بل أصبح أداة لتحقيق العدالة وفق مبادئ عليا تتجاوز حدود الإقليم، حيث تستند إلى قيم عالمية مثل احترام الكرامة الإنسانية، وحماية الطرف الضعيف، ومنع التمييز، وضمان المحاكمة العادلة وقد لعبت السوابق دورا مركزيا في هذا التحول، ففي بداية نشأة قواعد الإسناد، كان النظام العام يستخدم كأداة دفاعية ضد تطبيق أي قانون أجنبي ينظر إليه بوصفه غير منسجم مع قيم الدولة، ومع تراكم السوابق تغير هذا المفهوم، وأصبحت المحاكم تعتبر أن النظام العام ليس مجرد حارس للهوية الإقليمية، بل هو حارس للعدالة في معناها الواسع (16).
أما في ظل المدرسة اللاتينية فهو يمثل أحد أكثر المفاهيم حساسية، لأنه يعمل كصمام أمان يحمي وحدة النظام القانوني ومرتكزاته السيادية والأخلاقية من آثار تطبيق قانون أجنبي قد يتعارض مع هذه الأساسيات، غير أنّ النظام العام على الرغم من وظيفته الحاسمة لا يعد أداة لتعديل قواعد الإسناد أو إعادة هندستها كما في المدرسة الأنكلوسكسونية بل يُنظر إليه كحد بنيوي يمنع انحراف الإسناد عن غايته الأساسية، دون أن يسمح للقاضي باستخدامه كوسيلة لتحقيق عدالة ظرفية أو نتيجة ملاءمة في حالة معينة ومن ثم فأن النظام العام في المدرسة اللاتينية ليس قناة للمرونة، بل هو إطار يفرض على المرونة أن تتحرك ضمن حدود واضحة، ويحمي البنية المعيارية للإسناد من التفكك (17).
لذلك تؤدي قواعد الإسناد إلى إرشاد القاضي للقانون الواجب التطبيق على العلاقة ذات العنصر الأجنبي محل النزاع، كون هذا القانون هو الأفضل والأنسب لحكم العلاقة، سواء كان قانون القاضي أو القانون الأجنبي، إلا أن هنالك موانع تمنع القاضي من تطبيق القانون الأجنبي الواجب التطبيق وهي النظام العام والغش نحو القانون والمصلحة، وما يهمنا في هذا المجال هو النظام العام الذي يعد قيداً على تطبيق القانون الأجنبي، فإذا وجد القاضي أن القانون الأجنبي يخالف القيم والمبادئ الجوهرية لدولته فأنه يستبعد القانون الأجنبي، وحفاظاً على وظيفة منهج الإسناد ينبغي على القاضي ألا يدفع بالنظام العام إلا عند الضرورة القصوى وفق السلطة التقديرية له ويكون بذلك خاضعاً لمحكمة التمييز (النقض)(18).
وإن البحث في مدى تأثر قواعد الإسناد بالنظام العام، يجب أن يفهم أنه ذلك المتعلق بالأسس الأساسية والجوهرية في قانون القاضي، وليس التعارض الذي يكون بين القواعد القانونية لدولة القاضي والقانون الأجنبي، كما في سن الأهلية، حيث جرت العادة على تسامح النظم القانونية فيه، لأنه لا يمس القيم العليا لمجتمع دولة القاضي، وان التعارض المطلوب لاستبعاد القانون الأجنبي هو التعارض الجوهري مع الأسس والمثل والقيم العليا داخل دولة القاضي، كمسائل الأحوال الشخصية(19).
وان القواعد الآمرة التي لا يجوز مخالفتها والموجودة في قانون القاضي قد لا تعتبر في بعض الأحيان من النظام العام في ميدان العلاقات الخاصة الدولية، مما يعني تضيق مجال تطبيق النظام العام في العلاقات الأولية، وهذا عكس العلاقات الداخلية التي يتوسع فيها نطاق النظام العام، وذلك لأن القواعد الآمرة لا تعنى دائما بالصالح العام، وإنما قد تغلب مصلحة شخصية على أخرى تحقيقا للعدالة، فلا يوجد مبرر لاعتبارها من النظام العام بصدد علاقة ذات عنصر أجنبي، وفي اتجاه لمفهوم النظام العام قررت محكمة النقض الفرنسية ان طلاق المرأة لا يتعارض مع النظام العام إذا قبلت به، وفي ظل هذا التوجه نصت المادة (11) من مبادئ اختيار القانون المنطبق على عقود التجارة الدولية لسنة 2015 " لا يجوز للمحاكم أن تستبعد تطبيق أي حكم من أحكام القانون الذي يختاره الأطراف إلا إذا تعارضت نتيجة ذلك التطبيق تعارضاً واضحاً مع المفاهيم الأساسية للنظام العام لدولة المحكمة " وبهذا الصدد يتضح ان كل دولة تضع قواعد حمائية تخص فئات معينة داخل إقليمها، فليس من المنطق أن تصل القواعد الحمائية إلى حد استبعاد القانون الأجنبي الواجب التطبيق، خاصة وأن هذه القواعد لا تشكل في الحقيقة قيماً مثلى أو مبادئ عليا للمجتمع، لذا يطلق عليها بالقواعد الفنية التنظيمية التي لا تمثل الروح الجمعية لكافة أفراد المجتمع بقدر ما تمثل معالجة تشريعية لأوضاع فئات محددة بهدف ترتيب الأوضاع الداخلية للدولة (20)، لذلك يؤيد الباحث التوجه القائل بأن هذه الفئة من فئات النظام العام يمكن للقاضي تجازوها وعدم الدفع بها كنظام عام لأنها تعتبر تقييداً للعلاقات ذات العنصر الأجنبي.
وأن النظام العام وجد حتى بفرض سيطرته على الإقليم وليس على الأشخاص، والسؤال الذي يطرح بهذا الصدد، هل يعتد بالنظام العام إذا كان التصرف القانوني لم يكن داخل الإقليم، بمعنى إذا عينت قاعدة الإسناد في القانون العراقي قانوناً أجنبياً حتى يطبق على العلاقة، وكانت آثار تطبيقه خارج إقليم العراق، فهل هنالك حاجة لاستبعاد القانون الأجنبي بسبب مخالفته للنظام العام أم عدم الاعتداد بالنظام العام وتطبيق القانون الأجنبي ما دام الأخير لن يمس النظام العام العراقي في شيء ؟ وبالرجوع إلى نص المادة (32) من القانون المدني العراقي " لا يجوز تطبيق أحكام قانون أجنبي قررته النصوص السابقة إذا كانت هذه الأحكام مخالفة للنظام العام أو الآداب في العراق " نجدها لم تفرق بين قانون ستطبق أحكامه وتنتج آثاره في العراق أو خارجه، بل كان كل ما على القاضي النظر إلى القانون الأجنبي نظرة موضوعية، فإذا كان القانون الأجنبي يخالف النظام العام لدولة القاضي فأنه يستبعده وإذا لم يجد فيه مخالفة فيطبقه على العلاقة (21).
إن المعيار والضابط في هذا الصدد هو الإقليم الذي سينفذ فيه الحكم الصادر بعد تطبيق أحكام القانون الأجنبي، لذلك ذهب الفقهاء الألمان الشرط الصلة الكافية بين العلاقة وإقليم دولة القاضي، وهذا التوجه فيه شيء كبير من المنطق، ذلك لأن التعارض بحد ذاته لا يعد سبباً للدفع بالنظام العام وإنما السبب الحقيقي للدفع بالنظام العام هو أن يكون هنالك تعارض كبير بين تطبيق القانون الأجنبي وقانون القاضي (22).
وأيضا يظهر قصور منهج الإسناد في الأثر السلبي المنفرد للنظام العام، وذلك عندما تكون العلاقة ذات العنصر الأجنبي مقبولة في القانون الأجنبي المختص وغير مقبولة في قانون القاضي، كما لو أراد عراقي متزوج ومقيم في تركيا ان يتزوج أمرة ثانية هناك وعرض هذا الموضوع على المحاكم التركية، فأن قانونه الوطني وفق قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم (1) لسنة 2025 يبيح له التعدد، لكن بما انه مقيم في تركيا وان قانون القاضي التركي يمنع من تعدد الزوجات فلا يستطيع ان يتزوج امرأة ثانية، لأن هذا المنع يعتبر من النظام العام في تركيا، لذلك يقرر القاضي التركي رفض تطبيق القانون العراقي رغم كونه القانون الواجب التطبيق على العلاقة، ولكن دون إحلال القانون التركي محله، فهنا يظهر الأثر السلبي للنظام العام بصورة منفردة وهو منع القانون الأجنبي المختص لتعارضه مع النظام العام لدولة للقاضي دون أن يستتبعه تطبيق قانون القاضي (23).
كذلك يظهر قصور قواعد الإسناد أمام تعدد الروابط القانونية عندما يستبعد القانون الأجنبي الواجب التطبيق وإحلال قانون القاضي بدلا عنه، أي عندما يعرض نزاع ذات عنصر أجنبي أمام القاضي، فإذا وجد ان تطبيق القانون الأجنبي على النزاع فيه مخالفة لنظام دولته فأنه يستبعد القانون الأجنبي ويطبق قانونه، وهذا ما ذهب إليه غالبية الفقه والتشريعات المقارنة، كما بحثناه سابقاً، إلا أن الفقه الأنكلوساكسوني يذهب إلى اعتبار فكرة النظام العام من مسائل الإجراءات حيث تقوم المحكمة المعروض أمامها النزاع باستبعاد القانون الأجنبي المخالف لنظامها العام، وعلى أثر ذلك فأنها تقوم بإحالة النزاع والخصوم إلى محكمة أخرى تكون هي الأقرب لحل النزاع (24) . وهذا لا يمكن قبوله لكونه يودي الى اضعاف الحق وانكار العدالة حسب ما يراه الباحث.
ويمكن التخلص من بعض القصور الذي يحصل لمنهج الإسناد أمام تعدد الروابط القانونية من خلال فكرة تلطيف النظام العام، والذي يقصد به أن تنشأ المراكز القانونية خارج دولة القاضي المعروض أمامه العلاقة ذات العنصر الأجنبي ويراد تطبيق أثار تلك العلاقة التي نشأة في الخارج وتكونت جميع أركانها في دولة القاضي، وتطبيقاً لذلك " فإذا كان إبرام الزواج الثاني لأول مرة في فرنسا مخالفا للنظام العام وواجب الحكم ببطلانه، إلا أنه إذا كان قد تم في الخارج بين زوجين طبقاً لقانون شخصي يجيز التعدد، فلا يقضي ببطلانه، بل يسلم بوجوده ويعترف ببعض آثاره المالية، وقد قضت المحاكم الفرنسية للزوجة الثانية بالحق في النفقة والميراث من زوجها المتوفي .... الخ" مع الإشارة إلى أن هذه القاعدة ليست مطلقة (يعني دائما تلطيف النظام العام وإنما يجب التفرقة بين حالتين أولا إذا كان بالإمكان قبول المجتمع الوطني للآثار المترتبة على المراكز القانونية المخالفة التي نشأت في الخارج ففي هذه الحالة لا تثور اي مشكلة في أعمال القانون الأجنبي وتطبيقه بحجة الأثر المخفف للنظام العام. ثانيا أما إذا كان ليس بالإمكان قبول المجتمع الوطني للآثار المترتبة على المراكز القانونية المخالفة التي نشأت في الخارج ففي هذه الحالة لا يمكن تطبيق القانون الأجنبي بحجة الأثر المخفف للنظام العام لأن فيها تعارضا صارخا مع أسس المجتمع ونظامه وبالتالي يتم استبعاد القانون الأجنبي الواجب التطبيق (25).
وانطلاقا من مبدأ ان النظام العام يجب أن يكون وسيلة استثنائية بيد القضاء وليس مبدأ عاما في القانون الدولي الخاص وبهذه المثابة فأن ذلك يؤدي إلى التضييق من مبدأ النظام العام بحيث لا يدفع به إلا في حالات استثنائية في استبعاد القانون الأجنبي الواجب التطبيق، وان الفكرة الاستثنائية تجد جذورها لدى الفقيه الألماني سافيني الذي نادى بالاشتراك القانوني كأصل وأن عدم تطبيق القانوني الأجنبي لعدم الاشتراك القانوني بين النظم القانونية هو الاستثناء، زد على ذلك أن الهدف ليس إعدام الصفة الأساسية للنظام العام وقيمته لدى النظم القانونية في الحافظ على الأسس الجوهرية للمجتمع، بل الغرض من ذلك هو جعل النظام العام أكثر مرونة لينسجم مع النظم القانونية الأخرى (26).
يتضح للباحث مما تقدم أن النظام العام له أثر على تعدد الروابط القانونية من خلال استبعاد القانون الواجب التطبيق مما يجعل قواعد الإسناد في قصور أمام تعدد الروابط، فلا بد من تضيق المرونة التي تعطى للنظام العام لأن طبيعته تقتضي ذلك، لكونه استثناء على القانون الأجنبي يعمل به عندما يوجد قانون أجنبي واجب التطبيق يتعارض مع القيم العليا داخل المجتمع.
نصل إلى نتيجة أن قواعد الإسناد تواجه قصوراً واضحاً عند تعدد الروابط القانونية المرتبطة بالعلاقة ذات العنصر الأجنبي، ولا سيما عندما تتجه بعض التشريعات إلى تبني الإسناد الأحادي الذي يفضل قانون القاضي على القانون الأجنبي، كما أن توسع الدولة في سن قواعد التطبيق الضروري أدى إلى الحد من فعالية منهج الإسناد وتقييد دوره في اختيار القانون الأنسب للنزاع، ويظهر هذا القصور أيضاً من خلال الدفع بالنظام العام الذي يؤدي في كثير من الحالات إلى استبعاد القانون الأجنبي الواجب التطبيق وإحلال قانون القاضي محله، وقد أثار ذلك انتقادات فقهية دعت إلى ضرورة تضييق نطاق اللجوء إلى النظام العام وجعله استثناء لا أصلاً، كذلك برز الاتجاه الحديث نحو تعزيز مرونة قواعد الإسناد من خلال الصياغة المزدوجة وتلطيف أثر النظام العام بما يحقق التوازن بين حماية القيم الأساسية للدولة واحترام متطلبات الحياة الأولية، ومن ثم ، فأن معالجة قصور قواعد الإسناد تقتضي اعتماد حلول أكثر مرونة تسمح بالتعايش بين النظم القانونية المختلفة وتحقق العدالة والأمان القانوني للأطراف.
__________
1- سارة ثامر حمد حسين، تطبيق قانون القاضي على عقد الاستثمار استنادا لقواعد الإسناد المادي، بحث منشور في مجلة الجامعة العراقية مجلد 2023 ، عدد، 63، 2023، ص 417.
2- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص 102.
3- أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص 103.
4- ونص القانون المدني الجزائري في المادة (13) " يسري القانون الجزائري وحده في الأحوال المنصوص عليها في المادتين (11) و (12) إذا كان أحد الزوجين جزائرياً وقت انعقاد الزواج إلا ما يخص أهلية الزواج".
5- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص 106.
6- خليل ابراهيم محمد خليل تكامل مناهج تنازع القوانين، أطروحة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق جامعة الموصل ، ،2012 ، ص95
7- د. محمد قرايع، قاعدة الإسناد كوسيلة فنية لحل التنازع الذي تثيره العلاقات الخاصة الدولية، مجلة الدراسات القانونية مجلد 10، العدد 1,2024، ص 83 .
8- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص 257.
9- د. عباس العبودي، المناهج الجديدة في العلاقات الخاصة الدولية واثرها على قاعدة تنازع القوانين، مجلة اليرموك مجلد 8، العدد 1،2016، ص 9.
10- ففي الاتحاد الأوروبي نصت المادة (7) من اتفاقية روما على تطبيق قواعد ذات التطبيق الضروري بغض النظر عن القانون الواجب التطبيق، وجاءت بعد ذلك المادة (9) من لائحة روما (1) بتعريف لها تحت عنوان الأحكام الأمرة المهيمنة على النحو التالي: (1- الأحكام الأمرة المهيمنة هي أحكام تنظر دولة إلى احترامها بأنه جوهري لحماية مصالحها العامة، مثل تنظيمها الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو السياسي، إلى المدى الذي تنطبق فيه على أي موقف يقع في نطاقها، بغض النظر عن القانون واجب التطبيق خلافها بموجب تلك اللائحة .2- لا يوجد في تلك اللائحة ما يقيد تطبيق الأحكام الأمرة المهيمنة في قانون دولة القاضي. 3- يجوز الاعتداد بأثر الأحكام الأمرة المهيمنة بقانون الدولة التي يجب أن يتم فيها تنفيذ الالتزامات الناشئة عن العقد، أو نفذت بقدر ما تجعل تلك الأحكام الأمرة المهيمنة تنفيذ العقد غير قانوني unlawful . وفى النظر فيما إذا كان سيتم الاعتداد بأثر لتلك الأحكام، يتم النظر لطبيعتها، وغرضها ، ونتائج تطبيقها، أو عدم تطبيقها . رابط الوصول إلى الاتفاقية تاريخ الزيارة 2026/4/1
https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/HTML/?uri=CELEX
11-Ratchaneekorn Larpvanichar, Les contrats internationaux : étude comparative franco- thaïlandaise, Thèse de doctorat en droit international privé, Université Lille - Droit et Santé, 2012 ,P 217
12- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص 252.
13- د. عباس العبودي المناهج الجديدة في العلاقات الخاصة الدولية واثرها على قاعدة تنازع القوانين، مصدر سابق، ص 13.
14- د. اشرف وفاء محمد الوسيط في القانون الدولي الخاص، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، 2009، ص73، د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص 262.
15- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص 262.
16- أستاذنا د نظام جبار ، طالب، تصورات العدالة في ميدان تنازع القوانين، بحث قيد النشر ، ص8
17- أستاذنا د. نظام جبار ،طالب، تصورات العدالة في ميدان تنازع القوانين، بحث قيد النشر ، ص9
18- د. زلاسي بشرى النظام العام واثره على اعتبارات الملاءمة لقواعد الإسناد، مجلة البحوث والدراسات القانونية والسياسية، العدد العاشر، ص13.
19- ابراهيم خالد يحيى، نحو تضيق نطاق النظام العام لمصلحة القانون الأجنبي في سياق القانون الدولي الخاص، مجلة جامعة الشارقة للعلوم القانونية مجلد ،16 ، العدد ،2، 2019، ص 160.
20- ابراهيم خالد يحيى مصدر سابق، ص 160.
21- وقد ذهبت القوانين المقارنة بنفس المحنى ومنها القانون المدني المصري في المادة (28) ، والقانون المدني الجزائري في المادة (24)، والقانون المدني الأردني في المادة (29).
22- لذلك نجد المشرع التونسي في مجلة القانون الدولي الخاص التونسي قد أخذ بهذه المثابة في الفصل (36) "لا يثير القاضي الدفع بالنظام العام إلا إذا كانت أحكام القانون الأجنبي المعين تتعارض مع الاختبارات الأساسية للنظام القانوني التونسي" حيث أكد على ضرورة التأكيد على وجود التعارض الصارخ من اجل تطبيق النظام العام على العلاقة وهذا التوجه لم نجد له في التشريع العراقي ولا القوانين العربية.
23- د. غالب علي الداودي ود. حسن محمد الهداوي، القانون الدولي الخاص، مطبعة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بغداد الجزء الأول، 1980، ص 150.
24- د . هشام خالد القانون الدولي الخاص، المجلد الثاني، دار الفكر الجامعي، 2014 ص 712.
25- د. عبد المنعم ،زمزم المطول في القانون الدولي الخاص ، دار النشر: دار النهضة العربية – القاهرة سنة النشر/الطبعة: 2024 ، ص 207.
26- ابراهيم خالد يحيى، نحو تضيق نطاق النظام العام لمصلحة القانون الأجنبي في سياق القانون الدولي الخاص، مجلة جامعة الشارقة للعلوم القانونية مجلد ،16 ، العدد ،2، 2019 ، ص 155.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدولي الخاص
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة