التمكن كمقياس مكمل للانفصال في تعريف اللفظة
هذا ولابد من صفة أخرى ليتم تحديد اللفظة وذلك هو التمكن أو التصرف وهما متقاربان في المعنى قال سيبويه:
كما أن السحر بالألف واللام متصرف في المواضع التي ذكرت
وبغير الألف واللام غير متمكن فيها (1/ 115).
هذا التناظر تعرف أن المتمكن هو مكافئ للمتصرف (وهذا لا يمنع أن يختصر كل واحد منها بصفات). وقال: الأسماء هي الأولى وهي أشد تمكنا (1/6) والاسم هو الأول الأمكن (2/ 395). وقال أيضا: إعلم أن علامات الإضمار لا يحقرن من قبل أنها لا تقوى قوة المظهرة ولا تمكن تمكنها (II، 135). و: ليست أين ومتى وأمثالهما أسماء تمكن فتدخل فيها الألف واللام ويوصفن وإنما لها مواضع لا يجاوزنها فصرت بمنزلة علامات الإضمار (نفسه). وقال: وغير أيضا ليس باسم متمكن ألا ترى أنها لا تكون إلا نكرة ولا تجمع ولا تدخلها الألف واللام (2/ 135). وجاء أيضا: باب الظروف المبهمة غير المتمكنة. وذلك لأنها لا تضاف ولا تصرف تصرف غيرها ولا تكون نكرة ومنها أين ومتى وكيف وإذ الخ (2/ 44). وقال: "فأعرب حسبك لأنها أشد تمكنا من قط وغيرها. ألا ترى أنها تدخل عليها حروف الجر... وقط لا تمكن هذا التمكن (2/ 35). وقال: ولكنها مصادر (مثل سبحان ومعاذ الله) وضعت موضعا واحدا لا تتصرف في الكلام تصرف ما ذكرنا من المصادر. وتصرفها أنها تقع في موضع الحر والرفع وتدخلها الألف واللام (1/ 162) وقال ابن يعيش من المتأخرين: المراد بالتمكن في الأسماء تعاقب التعريف والتنكير بالعلامة عليه (شرح 3/ 80) فحسب ما جاء في هذه الملاحظات فإن الاسم المتمكن أو المتصرف هو الاسم الذي يمكن أن يتصرف هو في ذاته ككلمة فيجمع ويصغر ويمكن أن تزاد عليه بعض الزوائد كعلامات وأن يشكل معها وحدة ويدل على ذلك في كلام سيبويه وشيوخه كلمتا دخل وخرج. فهذه الزوائد كما مر بنا هي التي تختص بالدخول على الاسم والفعل في موضع معين وهو أوله غالبا
لا تتعداه أبدا. كما يمكن أن تخرج كعنصر زائد دون أن يقع أي خلل باللفظة إلا تغير اللفظ والمعنى بالحذف. وكذلك هي الزوائد التي هي تمام الاسم أو من الاسم فكل الزوائد تأني كعلامات للدلالة على معنى زائد على معنى الاسم مثل التعريف والوصف وغير ذلك فوظيفتها الدلالية العامة هي التخصيص وعلمنا أيضا أن الكثير من الأسماء ليس لها تمكن تام لأنها لا تقبل بعض الزوائد أو لا تقبل أي زيادة وذلك على درجات بين كلمة وأخرى. وقد يلزم من التصرف لبعض الزوائد أن تعاقب غيرها من الزوائد فيكون هناك تناف بينهما.
وذلك كالتنوين والإضافة أو بينهما وبين أداة التعريف. فالثاني هو تعاقب أفقي على مدرج الكلام والأولى تعاقب عمودي يقوم فيه أحدهما مقام الآخر في نفس الموضع (الإضافة بدل التنوين).
وفي الأفقي تحصل التعاقب في موضعين مختلفين كما سنصوره فيما يلي برسم لحد الاسم. وتتعاقب علامات الإعراب عموديا وكذلك حروف الجر وشيء مهم في ذلك هو عدم إصابة اللفظة بأي خلل بسبب هذا الدخول والخروج.
ولا بد من التأكيد ههنا على أهم شيء ذكرناه يخص اللفظة وهو أن الزوائد فيها قد تكون مساوية لصفر وتكون اللفظة على صورة اسم مفرد أي كلمة واحدة ويكون حكمها وورودها في الكلام مماثلا تماما للفظة التي تزيد الزوائد فيها على الصفر.
فالنظر العلمي إلى هذه الظاهرة يقتضي أولا أن الاسم المفرد في تعبير سيبويه هو في ذاته أي من حيث هو مادة وصيغة لها بداية ونهاية ينتمي إلى مستوى الكلم حتى ولو كان مندمجا في اللفظة إذ اللفظة تتألف من كلم. وثانيا أن اللفظة تنتمي هي في ذاتها إلى مستوى أعلى يقع بين الكلم والتراكيب المفيدة حتى ولو كانت تحتوي على كلمة واحدة أي على اسم مفرد ولا يمكن أن تكون إلا نواة لما يحيط بها تحقيقا أو تقديرا أي في حالة حلو الاسم من الزوائد (1).
وهذه نظرة رياضية ترتبط بنظرية المجموعات الحديثة وهو منظور الخليل وسيبويه في ذلك من أجل الرواد في هذا الميدان.
وعلى هذا يمكن أن يحدد التمكن وبالتالي اللفظة ودور مكوناتها أنه أولا قدرة الكلمة المتمكنة على أن تصاغ على صيغ مختلفة للدلالة على المعاني وأن تحتمل ثانيا بلا بناء بل بمجرد وصل الزوائد من الكلم قبلها وبعدها في مواضع معينة لا تتعداها على خلاف بين قبيل وآخر وبالتعاقب بين زائدة وأخرى دون أن يكون ذلك سببا لفقد وحدتها وتعذر انقسامها إلى وحدات أخرى. والتصرف هو هذا التمكن من جانب التحوّل وهو زيادة الزوائد من الكلم على النواة (الأصل) وزوالها وقابلية الاسم لذلك. إلا أن هذا التصرف هو أعم بكثير لأنه يشمل نظام اللغة كلها فكل تحول بأي شكل كان زيادة أو صياغة على بنية من أصل إلى صور مختلفة منه وهي فروعه هو تصرف أو تصريف (Transformation). وكل تصرف بما أنه حول يجوز فيه الرجوع إلى الأصل الذي انطلق منه كرد الشيء إلى أصله في اصطلاحهم هو بهذا المعنى الشامل من اكتشاف الخليل وأصحابه وسنعود إلى هذا المفهوم في الفصول والأبواب الآتية إن شاء الله لأهميته الكبيرة. أما درجات التمكن والتصرف فأشدها تمكنا هو الاسم الذي يمكن أن يحتمل كل الزوائد مطلقا وهو اسم الجنس المتصرف (الاسم العام عند سيبويه) وهو الأصل لأنه: يمكن أن ينفرد بكيفية مطلقة في الكلام كما يمكن أن تزاد عليه جميع الزوائد الخاصة بالاسم يمينا وشمالا فهو بذلك متصرف تصرفا تاما. ولهذا قال الرماني: الأجناس هي أصول الأسماء (شرح 3/ 228) ويعني بذلك أن اسم الجنس هو الأصل في الأسماء. ويليه العلم (العلم الخاص عند سيبويه) المتصرف مثل زيد وعمرو. فإنه يمتنع من دخول ال عليه لأنه معرفة فيغطي العلم موضعه وموضع الى ويأتي بعده الاسم غير المنصرف النكرة أي الذي لا تدخله علامة الكسر في الإعراب (يجر بالفتحة) ولا التنوين ومثله العلم غير المنصرف. ثم يأتي المبين الذي لا يتغير آخره بالحركات الإعرابية. وبذلك يمكن أن يحدد اسم الجنس بكيفية صورية محضة بأنه كل كلمة تحتمل على يمينها وشمالها كل الزوائد الممكنة الخاصة بالاسم دون أن يعقدها ذلك صفة الوحدة بوجود ما ينفرد فيها.
ونلاحظ بهذا الصدد أن القدماء من النحاة هم الذين حصروا باستفاضة كل أنواع الزوائد التي تدخل على الاسم ولم يقتصروا كما فعل ابن يعيش وغيره من المتأخرين على علامات التعريف والتنكير.
وابتداء من تحديد اللفظة يصير من الممكن أن يحدد بكيفية صورية أيضا كل الوحدات الأخرى التي تحتوي عليها اللفظة بل كل الوحدات التي تنتمي إلى المستويات الأخرى. أما ما تشتمل عليه فله موضع خاص به لا يفارقه فهذا كاف لمعرفة ماهية العنصر وحكمه النحوي الذي اكتسبه بوجوده في هذا الموضع. وتلاحظ أخيرا أن التصرف يحصل بعملية الزيادة على الأصل وانطلاقا منه في مستوى اللفظة إلا أنه يحسن أن ترتبه على شكل متدرج من الزيادة الواحدة والزيادتين يمينا إلى الزيادة المتعددة شمالا كدحول الإعراب والتنوين وشيء زائد عليهما لتفادي الوقف أو زيادة الإعراب والمضاف إليه مع خروج ال في كلا الحالتين والصفة بعد ذلك. فمجموع هذا التصرف يكون ما يسميه النحاة الأولون بحد الاسم (حد التسمية عند سيبويه).
وقد مضى تحديدنا لمعنى الحد عند النحاة فهو تحديد على اللفظ. وهو صوري محض لأن الحد عند قدماء النحاة هو التحديد للعمليات التي يتم بها توليد الوحدات المتفرعة من الأصل ويحصل بالتدريج أو بالزيادة الكاملة في حين واحد أو أحيان متتابعة حسب غرض المتكلم في كل حالة خطابية. فالحد هو نمط (Model) أي مثال باصطلاح الخليل وسيبويه تصاع عليه الوحدات وحد الاسم هو مثال تصاغ عليه اللفظة الاسمية. وينبغي أن لا تخلط بين اللفظة الاسمية والحد المولد لها ولكل أنواعها بالزيادة. فاللفظة هو ما يولده الحد وليست هي الحد وهذا الأخير وهو المثال أيضا نمط الصياغة كما قلنا. ثم إن عبارتهم هو من اسمه وما يترتب عليها هو شيء قد فهمه وأدركه النحاة الذين جاؤوا بعد سيبويه إلى غاية نهاية القرن الرابع. ثم اضمحلت شيئا فشيئا النظرة الأصلية التي تعتد بوجود وحدات من مستوى لا هو خاص بالكلم ككلم ولا هو مستوى يخص التراكيب المفيدة بل هو مستوى الاسم المفرد وما بمنزلته على تعبير سيبويه.
وقد عالم الحاة كلهم بعده أي ابتداء من القرن الثالث الاسم ككلمة في قسم مستقل من النحو سموه التصريف أي في ذاتها كتحليلها إلى حذر وصيغة وكتصريفها هي بالذات وهو صواب لأنه مستوى قائم بذاته ثم عالجوا الاسم (والفعل) مع زوائده بغير النظرة الخليلية التي تجعل من مجموع الاسم وزوائده اسما واحدا فهذه الوحدة التي ليست كلمة في حد ذاتها بل مجموعة من الاسم (أو الفعل) مع ما يخصه من عناصر التخصيص كل في موضعه فقد صار النحاة بعد القرن الرابع لا يدركون مميزاتها الأساسية وهي: قابلية هذه الوحدة أي اللفظة للامتداد بزيادة الزوائد قبل النواة وبعدها وعلى مثال سابق وليست بذلك وحدة من قبيل الجزء من الكلام ليست في الوضع قطعة منه ولا تكون قطعة إلا عند تحصيل الكلام غير أن لها في داخلها مواضع محدودة وثابتة لهذه الزوائد. ووجود مواضع مرتبة معينة ومحدودة هو الذي يجعلها وحدة لها كيانها الخاص بها. الزيادة فيها يتم بالوصل لا بالبناء فتصرفها هو في زيادة الزوائد وزوالها دون أن يبنى بعضها على البعض الآخر. النواة فيها منظورا إليها ككلمة مركزية مثل كتاب في كتاب زيد المفيد لها مكونات خاصة بها وتصرف خاص أيضا غير التصرف الخاص بالمجموعة كلفظة (وهي مادتها الأصلية وصيغتها). التكافؤ التام بين الاسم كنواة مع زوائده والاسم المفرد في داخل الكلام كما قال سيبويه: "قولك مررت يزيد الأحمر كقولك: مررت بزيد... فهو يجري منعونا محرى مررت بزید (1/ 46) تؤكد أن اللفظة هي وحدة من وحدات الكلام متكونة من كلم لها بداية ونهاية في الكلام المحصل أي في المنطوق منه أو المكتوب ككل ما يحدث من الأصوات وما يكتب منها. أما ككيان ينتمي إلى الوضع التركيبي فهي وحدة من النوع الامتدادي أي القابل للامتداد بالزيادة الموصولة خلافا للكلمة (حروفها مصوغة ومبنية بعضها مع بعضها) وللحرف الصوتي (2) وكذلك هي الجملة كما ستراه وسترى أن اللفظة والجملة هما الوحدتان الوحيدتان اللتان تقبلان الامتداد بالزيادة. أما السبب في عدم التفطن إلى هذه الميزات عند بعض النحاة بعد القرن الرابع فهو قبل كل شيء اقتصارهم على النظر في الكلام المحصل هو في ذاته والابتعاد من النظر في كيفية إنشائه وصياغته وهذا النظر لا يتم دون اللجوء إلى القياس (أي البحث عن النظائر في البنية). وذلك التسلط التصور اليوناني الذي أساسه التحليل بتقطيع المادة (وهي الصوت ههنا) إلى أصغر أجزائها والاكتفاء بالنظر في تنظيم هذه الوحدات الذرية تنظيما اندراجيا. فلم يستطيعوا أن يلاحظوا وجود مثل هذه الوحدة أتي البنية التي ليست في وضع اللغة قطعة ولا تصير كذلك إلا في الكلام المنطوق المكتمل. فاهتموا بما هو اسم ككلمة مفردة فقط أي كقطعة من الكلام مخصوصة وبإجراء اللفظة ككلم منفردة. فهو اهتمام بأجزاء الكلام المحصل هي في ذاتها لا في صباغة المجموع ولا في تصرفها ومجاريها وعلاقاتها مع نظائرها فهو النظر إلى الشيء في ذاته جزءاً جزءا بدلا من النظر إلى مجموعة النظائر التي هي بمنزلة واحدة على الرغم من اختلافها. وقد يكون مما زاد بالنسبة هذا التصور الخليلي غموضا عدم تخصيص الخليل وسيبويه اللفظة الاسمية بتسمية خاصة إلا أن سيبويه استعمل الاسم استعمالا خاصا في أحيان كثيرة بحيث لا تستطيع أن تفهم من تعبيره أنه ليس مجرد كلمة. وذلك عند مقابلته بين المفرد والاسم مع زوائده وكذلك عند قوله بأن المضاف إليه هو من الاسم وأن الحال أو التمييز ليسا من الاسم ثم جعله الاسم المفرد والمزيد فيه بمنزلة واحدة. فالاسم بهذا الاعتبار هو مجموعة من الكلم والمجموعة من اللفظات المتفرعة من أصل واحد كلها نظائر فيها على الرغم من اختلافها بالزيادة. وكل هذا له علاقة وثيقة من جهة أخرى كمفهوم الموضع كما حددناه وكما سيأتي. وهذا المفهوم الرياضي كان ينقص اليونانيين وكل من اتبعهم بما فيهم بعض المحدثين.
__________________
1- أن تكون مثل: زيد قائم فهذه العبارة تتكون من أعطيتين وكل واحدة منهما من كلم: النواة وعلامة الإعراب والتنوين وإن الكلمة رحل وحدها في إجابة من سأل من خرج؟ فرجل كجواب هي كلمة ولفظة وكلام مفيد في نفس الوقت من وجهات نظر مختلفة فلا تناقض في ذلك فرجل كلمة من حيث إنها وحدة دالة ومنفصلة ولفظة من حيث كونها نواة قابلة للزيادة وكلام مفيد من حيث إنها أفادت بقيامها مقام احملة العامة وهي خرج رجل. وقد تكون مثل الكلام على حرف واحد هاء السكت مثل: فه (أمر من وفى).
2- الحرف لا جزء له بل صفات مميزة وسوف نرى أن الجملة المفيدة مماثلة لذلك اللفطة فهي أيضا قابلة الامتداد في مستواها وبضوابط أخصها.