الانفصال كمقياس لفظي موضوعي لإثبات الكلمة عند النحاة القدماء
(1) معنى الانفصال
إن للنحاة الأولين مقياسا واحدا لإثبات الكلمة وهو ما يسمونه بالانفصال. ويعنون بذلك قابلية الجزء من الكلام أن ينفصل بدون أن يحل ذلك بتقطيع الكلام وما ينفصل عنه. فيكون بذلك دليلا على أن هذا الجزء كلمة وهو مقياس صوري تماما لأنه يخص اللفظ ولا يعتمد فيه على المعنى (1). وهناك نوع منه يكثر مجيء لفظه عند سيبويه وهو الإفراد وما يشتق منه. وسنرى أن المتأخرين من النحاة قد فهموا الإفراد على غير ما كان يفهمه القدماء من النحاة. فالمفهوم العام للانفصال هو الانقطاع بالنسبة لما يسبق الكلمة ولما يأتي بعدها. وقد يسمى سيبويه الانقطاع عما قبل ابتداء ويختص الانفصال حينئذ بالانقطاع عما يلي كما سيأتي. وحسب ما جاء عن النحاة من الكلام عن هذا المفهوم فإن هناك صنفين مختلفين من قابلية اللفظ للانفصال وهما: 1- قبول الانفصال التام عن اللفظ السابق وعما بعده مثل: كتاب ورحل وسماء وزيد وعمرو وكل الضمائر المنفصلة ويسمى هذا الانفصال التام إفرادًا عند سيبويه والخليل. 2- قبول الانفصال بالبدل بكلمة أخرى (2) أو بالحذف من أي بدل منها باللزوم مثل الضمائر المتصلة: كتابي / كتابك / كتاب ولا يسمى هذا الانفصال إفرادا عند سيبويه والخليل (3).
فالأول هو الذي يصفه سيبويه بأنه: اسم ينفصل ويبتدأ (1/ 96) وهما عنده أولا: ما يسميه بالاسم المظهر في مقابل الاسم المضمر المنفصل منه فقط.
أما الثاني فهو أيضا كلمة إلا أنها لا تأتي مفردة أي منفصلة تماما عن غيرها فلا تستقل عن غيرها في النطق ولا تنفصل إلا بالبدل والحذف وجوبا وأهم أسباب امتناعها من الإفراد هو أنها تأتي غالبا على حرف أو حرفين مثل المتصل من الضمائر وحروف الجر والعطف وغيرها.
وهي زوائد على الاسم والفعل. وبذلك يكون الفعل كلمة مثل الاسم المظهر إلا أن الفعل لا يفارقه ضمير الفاعل إلا في قيام المظهر مقامه في الغائب منه. ويثبت المبرد ذلك بقوله: فأما ما كان من هذه الحروف التي جاءت لمعان فهي منفصلة بأنفسها مما بعدها وقبلها إلا أن الكلام بها منفردة محال (المقتضب 1/ 35) وهذا ما أثبته سيبويه بقوله: أقل ما تكون عليه الكلمة حرف واحد... أما ما يكون قبل الحرف من الكلم الذي يجاء به له كالواو ... والفاء وكاف الحر ولام الإضافة... أما ما جاء منه بعد الحرف الذي جيء به فله علامة الإضمار (1/ 304) فهذه الوحدات الدالة هي كلها كلم لأنها قادرة على أن تنفصل عما قبلها وعما بعدها باستبدالها بكلمة من جنسها وبالصفر أي بحذفها.
ولا تنفرد عن غيرها أي لا تأتي في الكلام منعزلة عن غيرها. وهذا يخص كل ما ليس باسم مظهر أو ضمير منفصل. أما الضمير الغائب فعلامته ترك العلامة وهو بمنزلة الملفوظ (وهو العلامة غير الظاهرة عند سيبويه والمستتر بعده كما سيأتي). ويفسر سيبويه عدم وقوع الاسم المظهر على حرف واحد هكذا: واعلم أنه لا يكون اسم مظهر على حرف أبدا لأن المظهر يسكت عنده وليس قبله شيء ولا يلحق به شيء ولا يوصل بذلك الحرف ولم يكونوا ليحفوا بالاسم فيجعلوه منزلة ما ليس باسم ولا فعل وإنما يجيء المعنى (يعني حرف المعنى) (2/ 304).
وقال الرماني شارح الكتاب بهذا الصدد: لأنه يجب من أجل ظهوره أن ينطق به على انفراده (شرح 5/ 40 يسار). ويفسر سيبويه الكثير من الظواهر اللغوية باللجوء إلى هذا المفهوم وما يقابله. قال: حذف النون والتنوين لازم مع علامة المضمر غير المنفصل لأنه لا يتكلم به مفردا
حتى يكون متصلا يفعل قبله أو باسم فيه ضمير قصار كأنه نون والتنوين في الاسم لأنهما لا يكونان إلا زوائد (1/ 96).
ويقابل النحاة هذا الانفصال غير التام باستحالة حصوله. وهذا يخص كل ما هو من نفس الكلمة وبذلك لا يكون كلمة مثل الهمزة في أفعل والتاء في افتعل فهو يدل على معنى إلا أنه مبني في الكلمة ويخالف المنفصل بالبدل وبالحذف أي الجزء الدال من الكلام الذي يتصل بغيره ويكون مع ذلك خارجا عن حروف الكلمة التي اتصل بها مثل الألف واللام. ويستدل المخاطب واللغوي على ذلك بانفصالها عما اتصلت به المرة بعد المرة. قال سيبويه: لولا أن الألف واللام بمنزلة قد وسوف لكانتا بناء يُبنى عليه الاسم لا يفارقه ولكنهما ... تدخلان للتعريف وتخرجان (2/64). وقال في وصفها ابن جني: الحروف المنفصلة عن الكلم غير المصوغة فيها الممزوجة بأنفس صيغها (الخصائص 2/ 305). وأما حروف المضارعة (أنيت) فهي مثل الهمزة في أفعل الدالة على التعدية أو التاء في تفعل وتفاعل لأنها وإن كانت تتعاقب على الفعل المضارع مثل الضمائر المتصلة وتدل على ما تدل عليه هذه الضمائر فإنها زوائد مبنية لأنها لا تزول كزيادة أولا ولأنها يفصل بها بين صيغتي الماضي والأمر وصيغة المضارع. وكل ما لا يفارق الشيء ولو بالتعاقب فهو مبني فيه. وكل ما كان للفصل أي للتمييز فلا يكون منفصلا أي لا ينعزل بل هو من الكلمة. فكل واحد من أنيت على هذا لو حذفته اختلت الكلمة ولا يكون لها وجود ككلمة. وهذا دليل على أنها مصوغة في صيغة الكلمة. أما المنفصل بالتعاقب فخروجه لا يخل بالكلمة بل ترجع الكلمة إلى أصلها إذا غير فيها شيء بالاتصال كتسكين آخر الفعل الماضي مع تاء الفاعل. وهذا غير ممكن بالنسبة إلى أخرج ويخرجون. أما فيما يخص التحليل التقطيعي للسانيين الغربيين المفضى إلى أصغر القطع الكلامية الدالة على معنى ويسمونها مورفيمات فيحصل بالاعتماد على قبول اللفظة للاستبدال بقطعة أخرى ثبت في السابق أنها مورفيم وعلى هذا فإن ما هو كلمة وجزء دال على معنى من كلمة فهو شيئ واحد عندهم إذ كلاهما مورفيم بدلالته على معنى. وهذا تخليط منهم بين المستويات. فقد جعلوا بذلك ما هو جزء من بناء الكلمة وما هو خارج عنه من جنس واحد لان كلاهما قطعة دالة. وميزوا بين المستقل من المورفيمات وغيره بدون تفصيل. وهذا غير كاف لأن التاء في افتقد هي زيادة على الحروف الأصول للكلمة وهما مستويان الأصل والمزيد عليه والضمير المتصل هو زيادة على الكلمة كلها مثل ضمير الفاعل في كتبت لأنه منفصل بالبدل فدلالة الزيادة المبنية في افتقد هي جزء من دلالة افتقد ودلالة الضمير المتصل هو جزء من دلالة الفعل وفاعله. ثم كيف نسوي بين هذه الزيادة على الجذر في داخل الكلمة بما ينفصل تماما وبنفسه وبدون قيد من الكلام وهو الاسم المظهر: فكتاب عندهم ولــــه من كتابه هو شيء واحد بدعوى أن كل واحد منهما مورفيم أي أصغر قطعة دالة. فهذا من البساطة بمكان (4) فهذه هي في الحقيقة نزعة ذرية في اللغة تجعل الغاية من البحث اكتشاف العناصر التي ينتهي إليها التحليل (بالتقطيع). ولا ينتبه أصحابها إلى أن بكل مستوى من اللغة عناصر ذات خصوصية في تركيبها وصياغتها وفي علاقاتها بما تحتها وبما فوقها. فمنح الاهتمام الكبير لكل قطعة صغرى دالة كقطعة صغرى دالة فقط هو عندنا إجحاف وطمس للوحدات البنيوية الأخرى. كالمصوغ وغير المصوغ والمنفصل وغيره الخ.
2) أنواع الكلم من حيث التصرف
قد قسم الكلم سيبويه في أول كتابه إلى التقسيم الثلاثي المعروف وقسمها أيضا إلى متصرف وغير متصرف أو جامد. أما فيما يخص الكلم الجامدة وهي حروف المعاني كلها فهي التي ليس لها جذر ولا صيغة وبالتالي لا يكون لها تصرف وكذلك هي بعض الأسماء والأفعال التي لا تتصرف تصرفا كاملا لأنها تدل على ما تدل عليه الحروف. فمنها الظروف الجامدة والضمائر وأسماء الإشارة والأفعال الناسخة. وتعتبر أسماء وأفعالا لأنها تقع دائمًا في مواضعهما. فإن بعضها يتصرف تصرفا جزئيا مثل عند ومع (من عندك ومعا) وليس وغيرها. إلا أن لبعضها نوعا آخر من التصرف مثل الضمائر المتصلة وأسماء الإشارة والموصول وهو التعاقب بين لفظ وآخر بتصرف جزئي يخص التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع. وتلاحظ أن النحاة الأولين يقابلون دائما الوصل بالبناء في تأليف الكلام وعناصره فسوف ترى أن حروف الكلم تكون دائما مبنية بعضها على بعض أي مصوغة في صيغة فلا يكون بينها مجرد وصل أبدا بل بناء لاستحالة انفصالها (إلا في بعض أحوالها الصوتية العارضة). ومن ثم تعذر انفصالها تماما. ويوضح ذلك قول سيبويه: ونيست تثبت على حال واحدة (أي التاء كضمير) وهي في افتعل (هي تاء أخرى لم تدخل على أن تخرج معنى ثم تعود ولكنه بناء (أي في افتعل) دخلته زيادة لا تفارقه وتاء الإضمار بمنزلة المنفصل (2/ 423) فناء الضمير كلمة لانفصالها بالبدل والحذف وليست كذلك الزوائد المبنية في الكلمة والصواب مع النحاة العرب لأن المورفيمات يجب أن تختلف ماهيتها باختلاف المستوى اللغوي: فما هو مكون للكلمة لا يكون كلمة (5) ولو كان زائدا لأنه زيادة على الحروف الأصول لا على الكلمة وما هو خارج منها لأنه زيادة على الكلمة كلها مثل الضمير المتصل ولكل حالة مستوى ما هو من الكلمة: الأصلي والزائد وما هو خارج الكلمة زائد عليها هي بأجمعها.
________________
(1) وهو أكثر موضوعية من المعنوي لأنه لا يعتمد فيه إلا على اللفظ وإثبات الكلمة ها هنا يقتضي التعرف عليها.
(2) أو بالتعاقب
(3) وسيتغير معنى الإفراد بعد المبرد (وهو خسارة كما ستراه).
(4) لقد تقطع مارتيني إلى هذا في آخر عمره باطلاعه بلا شك على النظرية العربية فأتم كلامه بالتمييز بين المورفيم الحر والمورفيم المربوط (انظر كتابه المسمى Syntaxe Generale (صدر في 1985) 40
5- أما التركيب المزجي فهو تركيب كلمتين تصيران به كلمة واحدة ولا تعتبر إحداهما زيادة على الأخرى.