0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

البحث حول حديث (لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين) / المقام الرابع

المؤلف:  السيد عبد الله شبر

المصدر:  مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار (ت: مجتبى المحمودي)

الجزء والصفحة:  ج1، ص 200 ــ 211

2026-08-17

30

+

-

20

المقام الرابع: في تحقيق الأمر بين الأمرين، والمنزلة بين المنزلتين

وهو أمر دقيق، ولعلمائنا - رضوان اللَّه عليهم - في تحقيقه مسالك:

الأوّل: ما سلكه رئيس الطائفة المحقّة الشيخ المفيد في شرحه على الاعتقادات حيث قال - بعد قول الصدوق: اعتقادنا في الجبر والتفويض قول الصادق (عليه السلام): «لا جبر ولا تفويض...» إلى آخر رواية المفضّل - ما لفظه: الجبر هو الحمل على الفعل والاضطرار إليه بالقسر والغلبة، وحقيقة ذلك إيجاد الفعل في الخلق من غير أن يكون لهم قدرة على دفعه والامتناع من وجوده فيهم، وقد يعبّر عمّا يفعله الإنسان بالقدرة التي معه على وجه الإكراه له على التخويف والإلجاء: أنّه جبر، والأصل فيه ما فُعل من غير قدرة على امتناعه حسبما قدّمناه.

وإذا تحقّق القول في الجبر على ما وصفناه كان مذهب المجبّر هو قول من يزعم أنّ اللَّه تعالى خلق في العبد الطاعة من غير أن يكون للعبد قدرة على ضدّها والامتناع منها، وخلق فيهم المعصية كذلك، فهم المجبّرة حقّاً، والجبر مذهبهم على التحقيق.

والتفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال، والإباحة لهم ما شاؤوا من الأعمال، وهذا قول الزنادقة، وأصحاب الإباحات.

والواسطة بين هذين القولين أنّ اللَّه أقدر الخلق على أفعالهم ومكّنهم من أعمالهم، وحدّ لهم الحدود في ذلك، ورسم لهم الرسوم، ونهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف، والوعد والوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبراً لهم عليها، ولم يفوّض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، ووضع الحدود لهم فيها، وأمرهم بحسنها، ونهاهم عن قبيحها، فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض على ما بيّنّاه (1) انتهى.

وهو جيّد ولكن تنزيل الأخبار المتقدّمة عليه لا يخلو من بُعد.

الثاني: أن يكون الجبر المنفيّ ما ذهب إليه الأشعريّ والجهميّة، والتفويض المنفيّ هو كون العبد مستقلّاً في الفعل بحيث لا يقدر الربّ تعالى على صرفه عنه كما عليه بعض المعتزلة، والأمر بينهما هو أنّ اللَّه تعالى جعل عباده مختارين في الفعل والترك مع قدرته على صرفهم عمّا يختارون، وعلى جبرهم على فعل ما لا يفعلون.

الثالث: أن يقال الأمر بين الأمرين هو: أنّ الأسباب القريبة للفعل بقدرة العبد، والأسباب البعيدة - كالآلات والأدوات والجوارح والأعضاء والقوى - بقدرة اللَّه سبحانه، فقد حصل الفعل بمجموع القدرتين.

وأورد عليه: أنّ هذا التفويض بهذا المعنى لم يقل به أحد حتّى يحتاج إلى نفيه.

الرابع: أنّ المراد بالأمر بين الأمرين كون بعض الأشياء باختيار العبد - وهي الأفعال التكليفيّة - وبعضها [ليس] باختياره كالصحّة والمرض والنوم واليقظة وأشباهها. وفيه ما في سابقه.

الخامس: أنّ التفويض المنفيّ هو تفويض الخلق والرزق وتدبير العالم إلى العباد، كما ذهب إليه الغلاة في الأئمّة. ويؤيّد ذلك ما رواه الصدوق في العيون بإسناده عن يزيد بن عمير، قال: دخلت على عليّ بن موسى الرضا بمرو، فقلت له: يا بن رسول اللَّه، روي لنا عن الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنّه قال: «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين» فما معناه؟ فقال (عليه السلام): «من زعم أنّ اللَّه يفعل أفعالنا ثمّ يعذّبنا عليها فقد قال بالجبر، ومن زعم أنّ اللَّه (عزّ وجلّ) فوّض أمر الخلق والرزق إلى حججه (عليهم السلام) فقد قال بالتفويض؛ فالقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك». فقلت له: يا بن رسول اللَّه، فما أمر بين أمرين؟ فقال: «وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه». فقلت له: فهل للَّه‌ (عزّ وجلّ) مشيّة وإرادة في ذلك؟ فقال: «أمّا الطاعات فإرادة اللَّه ومشيّته فيها: الأمر بها والرضا لها والمعاونة عليها، وإرادته ومشيّته في المعاصي: النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها». قلت: فللّه (عزّ وجلّ) فيها القضاء؟ قال: «نعم، ما من فعل يفعله العباد من خير وشرّ إلّا وللَّه فيه قضاء». قلت: فما معنى هذا القضاء؟ قال: «الحكم عليهم بما يستحقّونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة» (2).

السادس: ما ذكره الفاضل الإسترابادي حيث قال: معنى الأمر بين الأمرين أنّهم ليسوا بحيث ما شاؤوا صنعوا، بل فعلهم معلّق على إرادة حادثة متعلّقة بالتخلية أو بالصرف (3)، وفي كثير من الأحاديث: أنّ تأثير السحر موقوف على إذنه تعالى، وكأنّ السرّ في ذلك أنّه لا يكون شيء من طاعة أو معصية أو غيرها - كالأفعال الطبيعيّة – إلّا بإذن جديد منه تعالى، فيتوقّف حينئذٍ كلّ حادث على الإذن توقّف المعلول على شرطه، لا توقّفه على سببه (4).

السابع: ما ذكره بعض الأفاضل وهو: أنّ فعل العبد واقع بمجموع القدرتين والإرادتين، والتأثيرين من العبد ومن الربّ سبحانه، والعبد لا يستقلّ في إيجاد فعله بحيث لا مدخل لقدرة اللَّه فيه أصلًا، بمعنى أنّه: أقدر العبد على فعله بحيث يخرج عن يده أزمّة الفعل المقدور للعبد مطلقاً كما ذهب إليه المفوّضة، أو لا تأثير لقدرته فيه وإن كان قادراً على طاعة العاصي جبراً لعدم تعلّق إرادته بجبره في أفعاله الاختياريّة كما ذهب إليه المعتزلة.

وهذا أيضاً نحو من التفويض، وقول بالقدر وبطلانه ظاهر، كيف ولقدرة خالق العبد وموجده تأثير في فعل العبد بلا شبهة، كما يحكم به الحدس الصائب، وليس قدرة العبد بحيث لا تأثير له في فعله أصلًا، سواء كانت كاسبة كما ذهب إليه الأشعريّ ويؤول مذهبه إلى الجبر كما يظهر بأدنى تأمّل، أم لا تكون كاسبة أيضاً، بمعنى ألّا تكون له قدرة واختيار أصلًا، بحيث لا فرق بين مشي زيد وحركة المرتعش كما ذهب إليه الجبريّة، وهم الجهميّة.

قال: وهذا هو معنى الأمر بين الأمرين، ومعنى قول الحكماء الإلهيّين: لا مؤثّر في الوجود إلّا اللَّه، فمعناه أنّه لا يوجد شيء إلّا بإيجاده تعالى وتأثيره في وجوده بأن يكون فاعلًا قريباً له، سواءً كان بلا مشاركة تأثير غيره فيه، كما في أفعاله سبحانه كخلق زيد - مثلًا - أو بمشاركة تأثير غيره فيه كخلقه فعل زيد مثلًا، فجميع الكائنات حتّى أفعال العباد بمشيّته تعالى وإرادته وقدرته، أي: تعلّق إرادته، وقضاؤه، أي: إيجاده وتأثيره في وجوده.

ولمّا كانت مشيّة العبد وإرادته وتأثيره في فعله - بل تأثير كلّ واحد من الأمور المذكورة آنفاً في أفعاله - جزءًا أخيرًا للعلّة التامّة في أفعاله، وإنّما يكون تحقّق الفعل والترك مع وجود ذلك التأثير وعدمه، فينتفي صدور القبح عن اللَّه تعالى، بل إنّما يتحقّق بالمشيّة والإرادة الحادثة بالتأثير من العبد الذي هو متمّم للعلّة التامّة، ومع عدم تأثير العبد والكفّ عنه بإرادته واختياره لا يتحقّق فعله بمجرّد مشيّة اللَّه تعالى وإرادته وقدرته، بل لا يتحقّق مشيّة وإرادة، وتعلّق إرادة منه تعالى بذلك الفعل، ولا يتعلّق جعله وتأثيره في وجود ذلك الفعل مجرّدًا عن تأثير العبد، فحينئذٍ الفعل – لا سيّما القبيح - مستند إلى العبد.

ولمّا كان مراده تعالى من إقداره العبد في فعله وتمكينه له فيه: صدور الأفعال عنه باختياره وإرادته إذا لم يكن مانع، أيّ فعل أراد واختار من الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، ولم يرد منه خصوص شيء من الطاعة والمعصية، ولم يرد جبره في أفعاله ليصحّ تكليفه لأجل المصلحة المقتضية له، ولا يعلم تلك المصلحة إلّا اللَّه تعالى، وكلّفه بعد ذلك الإقدار بإعلامه بمصالح أفعاله ومفاسدها في صورة الأمر والنهي؛ لأنّهما من اللَّه تعالى من قبيل أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء النافع، ونهيه عن أكل الغذاء الضارّ، وذلك ليس بأمر ونهي حقيقة، بل هو إعلام بما هو نافع وضارّ له.

فمن صدور الكفر والعصيان عن العبد بإرادته المؤثّرة واستحقاقه بذلك العقاب لا يلزم أن يكون العبد غالباً عليه تعالى، ولا يلزم عجزه تعالى، كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب، ولا عجز الطبيب إذا خالفه المريض وهلك، ولا يلزم أن يكون في ملكه أمر لا يكون بمشيّته تعالى وإرادته، ولا يلزم الظلم في عقابه؛ لأنّه فعل القبيح بإرادته المؤثّرة، وطبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحقّ فاعله العقاب.

ولمّا كان مع ذلك الإعلام من الأمر والنهي بواسطة الحجج البيّنة، اللّطف والتوفيق في الخيرات والطاعات من اللَّه جلّ ذكره، فما فعل الإنسان من حسنة فالأولى أن يُسند وينسب إليه تعالى؛ لأنّ مع إقداره وتمكينه له وتوفيقه للحسنات أعلمه بمصالح الإتيان بالحسنات ومضارّ تركها والكفّ عنها بأوامره. وما فعله من سيّئة فمن نفسه؛ لأنّه مع ذلك أعلمه بمفاسد الإتيان بالسيّئات ومنافع الكفّ عنها بنواهيه.

وهذا من قبيل إطاعة الطبيب ومخالفته، فإنّ من أطاعه وبرأ من المرض يقال له: عالجه الطبيب وصيّره صحيحاً، ومن خالفه وهلك يقال: أهلك نفسه لمخالفته الطبيب؛ فظهر إسناد الحسنات إلى اللَّه تعالى وإسناد السيّئات إلى العبد، فهذا معنى الأمر بين الأمرين، وينطبق عليه الآيات والأخبار من غير تكلّف (5) انتهى.

الثامن: ما ذكره المحدّث المحقّق الكاشانيّ في كتاب قرّة العيون وغيره، وادّعى أنّه طريقة أهل المعرفة والشهود، وهي أقرب إلى التحقيق، وإن كانت أبعد من الأفهام، قال: إنّ المخلوقات مع تباينها في الذوات والصفات والأفعال، وترتّبها في القرب والبعد من الحقّ الأوّل والذات الأحديّة، تجمعها حقيقة واحدة إلهيّة جامعة لجميع حقائقها وطبقاتها، لا بمعنى أنّ المركّب من المجموع شيء واحد هو الحقّ سبحانه، حاشا الجناب الإلهيّ عن وصمة الكثرة والتركيب، بل هو هو، والأشياء أشياء.

بل بمعنى أنّ تلك الحقيقة الإلهيّة مع أنّها في غاية البساطة والأحديّة ينفذ نورها في أقطار السماوات والأرضين، فما من ذرّة إلّا وهو محيط بها، قاهر عليها، ظاهر فيها، كما قال إمام الموحّدين أمير المؤمنين (عليه السلام): «مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة».

وكذلك للصفات المخلوقات جهة واحدة إلهيّة جامعة للجميع، فإنّ السمع والبصر وغيرهما من الصفات في أيّ موصوف كان هو للَّه ‌سبحانه حقيقة، ولذلك قال: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، أي لا غيره، يعني: هو السميع بعين سمع كلّ سميع، والبصير بعين بصر كلّ بصير، وقال: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [غافر: 65] أي بعين كلّ حياة، وفي الحديث القدسيّ: «فبي يسمع وبي يبصر».

وكذلك الأفعال فإنّها منسوبات من ذلك الوجه الذي ينسب إلى الحقّ بعينه، فكما أنّ وجود زيد بعينه أمر متحقّق في الواقع، وهو شأن من شؤون الحقّ سبحانه وتعالى، ولمعة من لمعاته، ومظهر من مظاهره، فكذلك هو فاعل لما يصدر عنه بالحقيقة لا بالمجاز، ومع ذلك ففعله أحد أفاعيل الحقّ سبحانه بلا شوب قصور وتشبيه، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا، كما قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، فاخمد ضرام أوهامك أيّها الجبريّ، فالفعل ثابت لك بمباشرتك إيّاه وقيامه بك، وسكّن حواسك أيّها القدريّ، فالفعل مسلوب عنك من حيث أنت أنت؛ لأنّ وجودك إذا قُطع النظر عن ارتباطه بوجود الحقّ فهو باطل، فكذا فعلك؛ إذ كلّ فعل متقوّم بوجود فاعله.

وانظروا جميعاً بعين الاعتبار في فعل الحواسّ كيف انمحى وانطوى في فعل النفس، وتصوّرها في تصوّر النفس، واتلوا جميعاً قوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة: 14]، وتصالحا بقول الإمام بالحقّ: «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين»، قال اللَّه تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30]، أثبت المشيّة للعبد فنفى به الجبر، وجعلها بعد مشيّة اللَّه فنفى به التفويض، وقال: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، وما كسبت يداهم إلّا باللَّه لا من دون اللَّه، فيكون وهناً في سلطانه، ولا مع اللَّه، فيكون شركاً باللَّه؛ فَبِيَد العباد طاعة اللَّه ومعصية اللَّه، إلّا أنّه لا حول عن المعصية ولا قوّة على الطاعة إلّا باللَّه، ولا مشيّة إلّا بعد مشيّة اللَّه، والتنزيه والحسنات والمحامد ترجع إلى مقام الوحدة، والتشبيه والسيّئات والمذامّ ترجع إلى محالّ الكثرة؛ فسبحان من تنزّه عن الفحشاء، وسبحان من لا يجري في ملكه إلّا ما يشاء.

وفي الكافي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «من زعم أنّ اللَّه يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على اللَّه، ومن زعم أنّ الخير والشرّ بغير مشيّة اللَّه فقد أخرج اللَّه عن سلطانه، ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة اللَّه فقد كذب على اللَّه، ومن كذب على اللَّه أدخله النار».

وعن الصادق (عليه السلام) قال: «اللَّه أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون، واللَّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد».

وفيه: قيل للرضا (عليه السلام): اللَّه فوّض الأمر إلى العباد؟ قال: «اللَّه أعزّ من ذلك». قيل: فجبرهم على المعاصي؟ قال: «اللَّه أعدل وأحكم من ذلك».

ثمّ قال (عليه السلام): «قال اللَّه تعالى: يا بن آدم، أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّئاتك منّي، عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك».

أقول: أمّا أولويّته سبحانه بالحسنات فلأنّه تعالى أمر بها ووعد الثواب عليها، ووهب القوّة عليها، ووفّق لها، ولأنّ الكمالات والخيرات راجعة إلى الوجود وهو منه سبحانه.

وأمّا أولويّة العبد بالسيّئات؛ فلأنّ اللَّه (عزّ وجلّ) نهى عنها، وأوعد العقاب عليها، ووهب القوّة ليصرفها في الطاعات فصرفها في المعاصي، ولأنّ النقائص والشرور راجعة إلى العدم، وهو من سوء الاستعدادات ولوازم الماهيّات المنزلة في عالم القضاء، كما قيل: هرچه هست از قامت ناساز بي اندام ماست * ورنة تشريف تو بر بالاى كَس كوتاه نيست (6) انتهى.

التاسع: ما ذكره المحدّث الكاشانيّ أيضاً في الوافي وقرّة العيون (7).

قال في الوافي: إنّ الآراء أربعة: اثنان فاسدان، وهما: الجبر والتفويض، اللذان بهما يهلك كثير من الناس، واثنان دائران حول التحقيق، ومرجعهما إلى الأمر بين الأمرين، وأحدهما أقرب إلى الحقّ والقبول، وأبعد من الأوهام والعقول، وهو طريق أهل الشهود العارفين بأسرار الأخبار، والآخر بالعكس، وهو طريقة أهل العقول والأنظار.

وبيان الأوّل عسير؛ لغموضه جدّاً، فلنطوه طيّاً ونكتفي ببيان الثاني، وإن لم نعتقده؛ لتضمّنه أكثر ما يترتّب على الجبر من المفاسد، إلّا أنّه يخرج عقول الخواصّ عن بعض أسباب الحيرة ولهذا مال إليه فحول العلماء، ولنذكر في بيانه ما ذكره بعض المحقّقين موافقاً لما حقّقه المحقّق الطوسيّ نصير الملّة والدين (قدّس سرّه) في بعض رسائله المعمولة في ذلك، قال: قد ثبت أنّ ما يوجد في هذا العالم فقد قدّر بهيئته وزمانه في عالم آخر فوق هذا العالم قبل وجوده، وقد ثبت أنّ اللَّه تعالى قادر على جميع الممكنات، ولم يخرج شيء من الأشياء عن مصلحته وعلمه وقدرته وإيجاده بواسطة أو بغير واسطة، وإلّا لم يصلح لمبدئيّة الكلّ؛ فالهداية والضلالة والإيمان والكفر والخير والشرّ والنفع والضرّ وسائر المتقابلات كلّها منتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإرادته ومشيّته؛ إمّا بالذات أو بالعرض، فأعمالنا وأفعالنا - كسائر الموجودات وأفاعيلها - بقضائه وقدره، وهي واجبة الصدور منّا بذلك، ولكن بتوسّط أسباب وعلل من إدراكاتنا وإراداتنا وحركاتنا وسكناتنا وغير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا وتدبيرنا، الخارجة عن قدرتنا وتأثيرنا.

فاجتماع تلك الأمور التي هي الأسباب والشرائط مع ارتفاع الموانع علّة تامّة يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبّر والمقضيّ المقدّر، وعند تخلّف شيء منها أو حصول مانع يبقى وجوده في حيّز الامتناع، ويكون ممكناً وقوعيّاً بالقياس إلى كلّ واحد من الأسباب الكونيّة.

ولمّا كان من جملة الأسباب - وخصوصاً القريبة منها - إرادتنا وتفكّرنا وتخيّلنا.

وبالجملة، ما نختار به أحد طرفي الفعل والترك فالفعل اختياريّ لنا، فإنّ اللَّه تعالى أعطانا القوّة والقدرة والاستطاعة ليبلونا أيّنا أحسن عملًا مع إحاطة علمه، فوجوبه لا ينافي إمكانه، واضطراريّته لا تدافع كونه اختياريّاً، كيف وإنّه ما وجب إلّا بالاختيار؟! ولا شكّ أنّ القدرة والاختيار - كسائر الأسباب من الإدراك والعلم والإرادة والتفكّر والتخيّل وقواها وآلاتها - كلّها بفعل اللَّه تعالى لا بفعلنا واختيارنا، وإلّا لتسلسلت القدرة والإرادة إلى غير نهاية.

وذلك لأنّا وإن كنّا بحيث إن شئنا فعلنا، وإن لم نشأ لم نفعل لكنّا لسنا بحيث إن شئنا شئنا، وإن لم نشأ لم نشأ، بل إذا شئنا فلا تتعلّق مشيّتنا بمشيّتنا، بل بغير مشيّتنا، فليست المشيّة إلينا؛ إذ لو كانت إلينا لاحتجنا إلى مشيّة أخرى سابقة، وتسلسل الأمر إلى غير نهاية، ومع قطع النظر عن استحالة التسلسل نقول: جملة مشيّاتنا غير المتناهية بحيث لا يشذُّ منها مشيّة، لا تخلو إمّا أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن مشيّتنا أو بسبب مشيّتنا؛ والثاني باطل؛ لعدم إمكان مشيّة أخرى خارجة عن تلك الجملة، والأوّل هو المطلوب.

فقد ظهر أنّ مشيّتنا ليست تحت قدرتنا كما قال عزّ وجلّ: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30]؛ فإذن نحن في مشيّتنا مضطرّون، وإنّما تحدث المشيّة عقيب الداعي، وهو تصوّر الشيء الملائم تصوّراً ظنّيّاً، أو تخيّليّاً، أو علميّاً.

فإنّنا إذا أدركنا شيئاً فإن وجدنا ملائمته أو منافرته، لنا دفعه بالوهم أو ببديهة العقل انبعث منّا شوقاً إلى جذبه أو دفعه، وتأكّد هذا الشوق، وهذا هو العزم الجازم المسمّى بالإرادة، وإذا انضمّت إلى القدرة التي هي هيئة للقوّة الفاعلة انبعثت تلك القوّة لتحريك الأعضاء الأدويّة من العضلات وغيرها، فيحصل الفعل.

فإذن، إذا تحقّق الداعي للفعل الذي تنبعث منه المشيّة تحقّقت المشيّة، فإذا تحقّقت المشيّة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة، ولم يكن لها سبيل إلى المخالفة؛ فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة، والقدرة محرّكة ضرورة عند انجزام المشيّة، والمشيّة تحدث ضرورة في القلب عقيب الداعي، فهذه ضروريّات يترتّب بعضها على بعض، وليس لنا أن ندفع وجود شيء منها عند تحقّق سابقه، فليس يمكن لنا أن ندفع المشيّة عند تحقّق الداعي للفعل، ولا انصراف القدرة إلى المقدور بعدها، فنحن مضطرّون في الجميع، فنحن في عين الاختيار مجبورون، فنحن إذاً مجبورون على الاختيار.

قال في الوافي: هذا ملخّص ما ذكره، ولا يخفى ما فيه من اشتماله على مفاسد الجبر، وأيضاً ليس في فهمه وإفهامه كثير غموض حتّى يلزم العارفين كتمانه، وعدم الرخصة في إفشائه، فعلم أنّ الحقّ فيه أمر آخر لا يصل إليه إلّا من هو أهله، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم (8) انتهى كلامه.

أقول: الطريق الذي أشار إليه وطوى ذكره لغموضه هو الذي ذكرناه قبل هذا الطريق، كما صرّح به في قرّة العيون، وهذا الطريق - كما ذكر - هو عين الجبر وليس من الأمر بين الأمرين في شيء، وتفصيل ما فيه يفضي إلى التطويل، واحتياج الإرادة منّا إلى إرادة أخرى ممنوع، بل هي من الأمور الانتزاعيّة كالزمان والمكان، فإنّ كلّ ممكن لا يخلو منهما أو من أحدهما، مع أنّ المكان لا يحتاج إلى مكان، والزمان لا يحتاج إلى زمان.

العاشر: ما اختاره العلّامة المحقّق المحدّث المجلسيّ رحمه الله في جملة من كتبه كالبحار (9) وحقّ اليقين (10) ومرآة العقول، قال في الأخير: الذي ظهر لنا من الأخبار المعتبرة المأثورة عن الصادقين (عليهم السلام) هو أنّ الجبر المنفيّ قول الأشاعرة والجبريّة كما عرفت، والتفويض المنفيّ هو قول المعتزلة إنّه تعالى أوجد العباد وأقدرهم على أعمالهم وفوّض إليهم الاختيار، فهم مستقلّون بإيجادها على وفق مشيّتهم وقدرتهم، وليس للَّه سبحانه في أعمالهم صنع.

وأمّا الأمر بين الأمرين فهو أنّ لهداياته وتوفيقاته تعالى مدخلًا في أفعالهم، بحيث لا يصل إلى حدّ الإلجاء والاضطرار، كما أنّ لخذلانه سبحانه مدخلًا في فعل المعاصي وترك الطاعات، لكن لا بحيث ينتهي إلى حدّ لا يقدر معه على الفعل أو الترك، وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه في أحواله المختلفة، وهو مثلًا أن يأمر السيّد عبده بشيء يقدر على فعله، وفهّمه ذلك، ووعده على فعله شيئاً من الثواب، وعلى تركه قدرٌ من العقاب، فلو اكتفى من تكليف عبده بذلك، ولم يزد عليه مع علمه بأنّه لا يفعل الفعل بمحض ذلك لم يكن ملوماً عند العقلاء لو عاقبه على تركه، ولا ينسب عندهم إلى الظلم، ولا يقول عاقل: إنّه أجبره على ترك الفعل، ولو لم يكتفِ السيّد بذلك وزاد في ألطافه والوعد بإكرامه، والوعيد على تركه، وأكّد ذلك ببعث من يحثّه على الفعل، ويرغّبه فيه، ويحذّره على الترك ثمّ فعل ذلك بقدرته واختياره، فلا يقول عاقل إنّه جبره على الفعل.

وأمّا فعل ذلك بالنسبة إلى قوم وتركه بالنسبة إلى آخرين فيرجع إلى حسن اختيارهم، وصفاء طويتهم، أو سوء اختيارهم، وقبح سريرتهم، أو إلى شيء لا يصل إليه علمنا، فالقول بهذا لا يوجب نسبة الظلم إليه سبحانه بأن يقال: جبرهم على المعاصي ثمّ عذّبهم عليها كما يلزم الأوّلين، ولا عزله تعالى عن ملكه واستقلال العباد بحيث لا مدخل للَّه ‌في أفعالهم، فيكونون شركاء للَّه‌ في تدبير عالم الوجود كما يلزم الآخرين. ويدلّ على هذا الوجه أخبار كثيرة ممّا قدّمنا ذكره (11) انتهى ملخّصاً.

وهو معنى جيّد لا غبار عليه ولا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تصحيح اعتقادات الإماميّة، ص 47.

(2) عيون الأخبار، ج 1، ص 124، ح 17؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 5، ص 11 - 12، ح 18.

(3) التخلية: ضدّ الحبس والمنع، والصرف: المنع والإمساك. انظر: مجمع البحرين، ج 1 ص 130 (خلا)؛ لسان العرب، ج 9، ص 189 (صرف).

(4) الحاشية على أصول الكافي (ميراث حديث شيعة، ج 8، ص 330).

(5) سبق ذكر هذا الوجه عن بعض الأفاضل في شرح الحديث الثالث عشر.

(6) راجع: قرّة العيون، ص 383 - 388.

(7) المصدر السابق.

(8) الوافي، ج 1 ص 537 - 539 وقوله أخيراً: «ولا يخفى ما فيه... إلى قوله: في إفشائه» غير موجود في الوافي.

(9) بحار الأنوار، ج 5، ص 82 - 83.

(10) حقّ اليقين، ص 10 - 11.

(11) مرآة العقول، ج 2 ص 207 - 208.

 

 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

الاكثر قراءة في أحاديث وروايات مختارة

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد