0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

البحث حول حديث في القضاء والقدر

المؤلف:  السيد عبد الله شبر

المصدر:  مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار (ت: مجتبى المحمودي)

الجزء والصفحة:  ج1، ص 154 ــ 165

2026-08-10

27

+

-

20

الحديث العشرون: [القضاء والقدر]

ما رويناه بالأسانيد السالفة عن جملة من مشايخنا الأعلام، وفضلائنا الكرام، ومنهم ثقة الإسلام وعلم الأعلام في (الكافي) (1)، ورئيس المحدّثين محمّد بن بابويه في كتاب (التوحيد) (2) بأسانيد عديدة، وفي (عيون الأخبار) (3) بطرق متعدّدة، وأحمد بن أبي طالب الطبرسيّ في كتاب (الاحتجاج) (4)، والكراجكيّ في (كنز الفوائد) (5)، وغيرهم في غيرها بطرق عديدة ومتون سديدة (6)، ففي (العيون) و(التوحيد) عن الدقّاق عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق، عن محمّد بن الحسن الطائيّ، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن جعفر الكوفيّ، عن عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام) عن آبائه عن الحسين بن عليّ أمير المؤمنين (عليهم السلام).

وعن محمّد بن عمر الحافظ البغداديّ، عن إسحاق بن جعفر العلويّ، عن أبيه، عن سليمان بن محمّد القرشيّ، عن إسماعيل بن أبي زياد، عن الصادق عن أبيه عن جدّه عن أبيه (عليهم السلام).

وعن محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الفارسيّ، عن أحمد بن محمّد بن رميح النسويّ، عن عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر، عن عبدالوهّاب بن عيسى المروزيّ، عن الحسن بن عليّ بن محمّد البلويّ، عن محمّد بن عبداللَّه بن نجيح، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عن أبيه (عليهم السلام).

وعن أحمد بن الحسن القطّان، عن الحسن بن عليّ البلويّ، عن محمّد بن زكريّا الجوهريّ، عن العبّاس بن بكّار الضبّيّ، عن أبي بكر الهذليّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس.

وفي (الاحتجاج) رواه عن العسكريّ (عليه السلام) في رسالته إلى أهل الأهواز.

وفي (كنز الفوائد) عن المفيد، عن محمّد بن عمر الحافظ، عن إسحاق بن جعفر العلويّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ، عن سليمان بن محمّد القرشيّ، عن السكونيّ، عن الصادق عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام).

والكلينيّ عن عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد وإسحاق بن محمّد، وغيرهما رفعوه - واللفظ هنا للكلينيّ - قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفّين إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه، ثمّ قال: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء اللَّه وقدره؟

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أجل يا شيخ، ما علوتم تلعة، ولا هبطتم بطن وادٍ، إلّا بقضاء من اللَّه وقدره».

فقال له الشيخ: عند اللَّه أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين.

فقال له: «مه يا شيخ، فواللَّه، لقد عظّم اللَّه لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين، ولا إليه مضطرّين».

فقال له الشيخ: وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرّين، وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟

فقال له: «وتظنّ أنّه قضاء حتم وقدر لازم، إنّه لو كان كذلك، لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر من اللَّه، وسقط معنى الوعد والوعيد، فلم تكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمان، وحزب الشيطان، وقدريّة هذه الأمّة ومجوسها، إنّ اللَّه تبارك وتعالى كلّف تخييراً ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطَع مكرهاً، ولم يملك مفوّضاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا، ولم يبعث النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27]

فأنشأ الشيخ يقول:

أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * يوم النجاة من الرحمن غفرانا

أوضحت من أمرنا ما كان ملتبساً * جزاك ربّك بالإحسان إحسانا

وزاد في التوحيد والعيون:

فليس معذرة في فعل فاحشة * قد كنت راكبها فسقاً وعصيانا

لا لا ولا قائلًا ناهيه أوقعه * فيها عبدت إذاً يا قوم شيطانا

ولا أحبّ ولا شاء الفسوق ولا * قتل الوليّ له ظلماً وعدوانا

أنّى يحبّ وقد صحّت عزيمته * ذو العرش أعلن ذاك اللَّه إعلانا

وفي بعض روايات العيون والتوحيد: فقال له الشيخ: يا أمير المؤمنين، فما القضاء والقدر اللذان ساقانا، وما هبطنا وادياً ولا علونا تلعة إلّا بهما؟

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الأمر من اللَّه والحكم، ثمّ تلا هذه الآية: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] أي أمر ربّك ألّا تعبدوا إلّا إيّاه».

وفي الاحتجاج قال: وروي أنّ الرجل قال: فما القضاء والقدر اللذان ذكرت يا أمير المؤمنين؟ قال: «الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية، والتمكين من فعل الحسنة وترك المعصية والمعونة على القرب إليه، والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد والترغيب والترهيب، كلّ ذلك قضاه اللَّه في أفعالنا، وقدّره لأعمالنا، أمّا غير ذلك فلا تظنّه، فإنّ الظنّ له محبط للأعمال». فقال الرجل: فرّجت عنّي يا أمير المؤمنين فرّج اللَّه عنك.

 

إيضاح وتحقيق:

(صِفّين) كـ«سِجّين» اسم موضع قريب (الرقّة) بشاطئ الفرات، كانت به الواقعة العظمى بين معاوية وأمير المؤمنين (عليه السلام).

و(جثا) كـ«دعا» و«رمى» يجثو جثياً وجثواً - بضمّهما -: جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه.

(تلعة) هي ما ارتفع من الأرض.

و(بطن واد) هو ما انخفض من الأرض.

(عند اللَّه أحتسب عنائي) العناء - بالفتح والمدّ -: التعب والنصب، ويحتمل أن يكون استفهاماً إنكاريّاً، أي كيف أحتسب أمر مشقّتي عند اللَّه وقد كنت مجبوراً في فعلي؟

ويحتمل الإخبار، أي: لا أستحقّ شيئاً بهذا الفعل، إذ لا معنى لأجر شخص بفعل غيره، ولعلّ اللَّه يعطيني بفضله من غير استحقاق للتفضّل.

ويؤيّده أنّ في بعض الروايات بعده: ولا أرى لي في ذلك أجراً، فردّ عليه (عليه السلام)، وذكر أنّه ليس قضاء حتماً يبلغ حدّ الإكراه والاضطرار، وقال له: «مه» أي اسكت واكفف نفسك عن هذا الكلام.

وفي العيون: «مهلًا يا شيخ، لقد عظّم اللَّه لكم الأجر في مسيركم» مصدر ميميّ بمعنى السير، وكذا المقام والمنصرف، ويحتمل كونها اسم زمان أو مكان، وأكّده (عليه السلام) بالقسم - مع أنّه صادق مصدّق - لمطابقته مقتضى الحال، فإنّ المقام مقام إنكار كما عرفت، أو استعظام.

وقوله (عليه السلام): (وأنتم سائرون ومقيمون) أي بإزاء العدوّ بصفّين.

و(منصرفون) أي راجعون، تصريح بنسبة تلك الأفعال إلى قدرتهم المؤثّرة.

(ولم تكونوا في شيء من حالاتكم) من السير والإقامة والانصراف (مكرهين) كما زعمته الجبريّة الصرفة، (ولا إليه مضطرّين) كما زعمته الأشاعرة، وأثبتوا الكسب كما سيأتي إن شاء اللَّه، فيكون الإكراه أشدّ من الاضطرار.

ولمّا توهّم السائل من الجوابين التدافع والتنافي، قال: وكيف... إلخ؟

فأجابه (عليه السلام) وقال: (وتظنّ) وهو عطف على مقدّر مستفهم عنه، أي أظننت قبل الجواب وتظنّ الآن (أنّه) كان (قضاء حتماً) محكماً مبرماً موجباً بحيث لا يكون في وسع العبد خلافه، ولا مدخل لاختيار العبد وإرادته فيه (وقدراً لازماً) لا اختيار في متعلّقه ولا قدرة على فعله وتركه؟ بل المراد بهذا القضاء والقدر المتعلّقين بأفعال العباد: الأمر والنهي، وبيان حسن الأفعال وقبحها ومباحها وحرامها وفرضها ونفلها، أو العلم بها، أو الثبت في الألواح السماويّة، وشيء منها لا يصير سبباً للجبر والاضطرار.

ثمّ أبطل مذهب الجبريّة والأشاعرة بقوله: (إنّه لو كان كذلك) أي قضاءً حتماً وقدراً لازماً (لبطل الثواب والعقاب) المترتّبان على الطاعات والمعاصي، التابعين للاختيار دون الإجبار (والأمر والنهي)؛ إذ طلب الفعل والترك متفرّعان على الاختيار، ولا يتصوّران مع الإجبار، فإنّ من طلب الطيران من الإنسان وعدم الإحراق من النار عُدَّ سفيهاً جاهلًا، تعالى اللَّه عن ذلك.

(والزجر من اللَّه) ببلاياه النازلة على العصاة بعصيانهم، وأحكامه تعالى في القصاص والحدود ونحو ذلك؛ لأنّ زجره تعالى للعبد إنّما يتصوّر إذا كان العبد قادراً مختاراً، والمفروض خلافه، ألا ترى أنّك لو زجرت الأعمى عن الإبصار نُسبت إلى السفه.

(وسقط الوعد) على الثواب، (والوعيد) على العقاب المقصود منهما إتيان الحسنات وترك السيّئات؛ إذ ذلك لا يعقل من المجبور في أفعاله، فالوعد والوعيد سفه وعبث، تعالى اللَّه عنهما.

وأيضاً على هذا التقدير تكون جميع القبائح مستندة إليه تعالى، ولو جاز ذلك جاز أن يخلف الوعد والوعيد، ويكرم العاصي ويعاقب المطيع، ويكذب في الإخبار بأحوال الآخرة، ويصدّق الكاذب بإظهار المعجزة على يده، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً.

ثمّ أكّده بقوله عليه السلام: (فلم تكن لائمة للمذنب، ولا محمدة للمحسن)؛ إذ لا معنى لتوجّه اللوم والمدح إليهما مع صدور الذنب والإحسان من غيرهما.

كما حكي أنّه قال عدليٌّ لجبريّ: إنّكم إذا ناظرتم أهل العدل قلتم بالقدر، وإذا دخل أحدكم منزله ترك ذلك لأجل فِلْس. قال: وكيف ذاك؟ قال: إذا كسرت جاريته كوزاً يسوى فلساً ضربها وشتمها ونسي مذهبه.

وحكي عن سلام القاري أنّه صعد المنارة فأشرف على بيته، فرأى غلامه يفجر بجاريته، فبادر بضربهما، فقال الغلام: القضاء والقدر ساقانا، فقال: لعلمك بالقضاء والقدر أحبّ إليّ من كلّ شيء، أنت حرّ لوجه اللَّه.

ورأى شيخ بإصبهان منهم رجلًا يفجر بأهله، فجعل يضرب امرأته وهي تقول: القضاء والقدر، فقال: يا عدوّة اللَّه أتزنين وتعتذرين بمثل هذا؟ فقالت: أو تركت السنّة وأخذت مذهب ابن عبّاد الرافضيّ، فتنبّه وألقى السوط وقبّل ما بين عينيها واعتذر إليها، وقال: أنت سنّيّة حقّاً، وجعل لها كرامة على ذلك.

ويأتي كثير من حكاياتهم في مقام أليق إن شاء اللَّه (7)، (ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب).

وفي رواية الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) التي نقلها العلّامة في شرح التجريد هكذا: «ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، ولا المسيء أولى بالذمّ من المحسن» (8)، وفي الاحتجاج - على ما في البحار -: «ولا كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المذنب، ولا المذنب أولى بعقوبة الذنب من المحسن» (9)، وهاتان الروايتان أظهر معنى من رواية الكافي والتوحيد والعيون؛ إذ العبد إذا كان مسلوب الاختيار كان المحسن والمسيء متساويين في عدم القدرة وعدم استناد أفعالهما إليهما، فلا يكون الأوّل أولى بالمدح من الثاني، ولا الثاني أولى بالذمّ من الأوّل، بل لهما رتبة التساوي في المدح والذمّ.

وأمّا على الرواية السابقة ففيه إشكال؛ لأنّهما إذا كانا متساويين فكيف يوصف المذنب بأنّه أولى بالإحسان من المحسن، والمحسن أولى بالعقوبة من المذنب؟

ويمكن توجيهه بوجوه:

أحدها: أنّه تعالى لمّا أجبر المذنب على القبائح بزعمهم، والقبائح من حيث هي لذّات حاضرة إحسان، وأجبر المحسن على الطاعات، والطاعات من حيث هي مشقّة عقوبة حاضرة، فكان المذنب أولى بالإحسان والمحسن أولى بالعقوبة، وتوضيح ذلك: أنّه لمّا بطل الثواب والعقاب والأمر والنهي، والزجر والوعد والوعيد، ولم يبق حينئذٍ إلّا الإحسان والعقوبة الدنيويّة، فيكون المذنب في الدنيا كالسلطان القاهر الصحيح الذي يكون في غاية التنعّم، ويأتي بكلّ ما يشتهيه من الشرب والزنا والقتل والقذف وأخذ أموال الناس وغير ذلك، وليس له مشقّة التكاليف الشرعيّة .

والمحسن كالفقير المريض الذي يكون دائماً في التعب والنصب من التكاليف الشرعيّة من الإتيان بالمأمورات والانتهاء عن المنهيّات، ومن قلّة المؤونة وتحصيل المعيشة من الحلال في غاية المشقّة، فحينئذٍ الإحسان الواقع للمذنب أكثر ممّا وقع للمحسن فهو أولى بالإحسان من المحسن، والعقوبة الواقعة على المحسن أكثر ممّا وقع على المذنب، فهو أولى بالعقوبة من المذنب.

ثانيها: أن يكون المعنى أنّه لو فرض جريان المدح والذمّ أو استحقاقهما واستحقاق الإحسان والإثابة والعقوبة وترتّبها على الأفعال الاضطراريّة الخارجة عن القدرة والاختيار لكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن وبالعكس؛ لأنّ في عقوبة المسيء على ذلك التقدير جمعٌ بين إلزامه بالسيّئة القبيحة عقلًا وجعله مورداً لملامة العقلاء وعقوبته عليها، وكلّ منهما إضرار وإزراء به، وفي إثابة المحسن جمعٌ بين إلزامه بالحسنة الممدوحة عقلًا - ويصير بذلك ممدوحاً عند العقلاء - وإثابته عليها، وكلّ منهما نفع وإحسان إليه، وفي خلاف ذلك يكون لكلّ منهما نفع وضرر، وهذا بالعدل أقرب، وذلك بخلافه أشبه .

ثالثها: أنّ المعصية راحة حاضرة، والطاعة مشقّة ظاهرة، وجبرهما على ذلك إمّا لأجل القابليّة أو لأنّه يفعل ما يشاء ولا يقبح منه شيء، وعلى التقديرين تلزم الأولويّة المذكورة: أمّا على الأوّل فلأنّ الذات غير متغيّرة في النشأتين، فيلزم أن تكون ذات المذنب أولى بالراحة والإحسان دائماً، وذات المحسن أولى بالمشقّة والعقوبة دائماً؛ ليصل إلى كلّ واحد ما عُوّد به وما هو به أليق. وأمّا على الثاني فلأنّ الأصل بقاء ما كان على ما كان، فيلزم أن يحسن إلى المذنب ويثيبه فيحصل له الربح في الدارين ويتخلّص من المشقّة في الكونين، وأن يعاقب المحسن فيحصل له مع المشقّة الحاضرة المشقّة في الآخرة.

رابعها: أنّ المذنب - لصدور القبائح والسيّئات منه - متألّم منكسر البال، لظنّه أنّها وقعت منه باختياره، وقد كانت بجبر جابر وقهر قاهر فيستحقّ الإحسان، وأنّ المحسن لفرحه بصدور الحسنات منه وزعمه أنّه قد فعلها بالاختيار أولى بالعقوبة من المذنب.

خامسها: ما قاله المحدّث الكاشانيّ في الوافي، قال: إنّما كان المذنب أولى بالإحسان؛ لأنّه لا يرضى بالذنب كما يدلُّ عليه جبره عليه، فجبره عليه يستدعي إحساناً في مقابلته، والمحسن أولى بالعقوبة؛ لأنّه لا يرضى بالإحسان لدلالة الجبر عليه، ومن لا يرضى بالإحسان أولى بالعقوبة من الذي يرضى به (10)، وفيه تأمّل.

(تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان) أي أشباههم؛ لأنّ عبدة الأوثان الذين كانوا في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله) بعضهم كان يقول بنفي الحشر والنشر والثواب والعقاب، وبعضهم كان يقول بالجبر كما حكى اللَّه تعالى عنهم بقوله: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف: 28]، أي جعلنا اللَّه مجبورين عليها، وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [النحل: 35]، وقيل: إنّما كانوا إخوانهم؛ لأنّ القول بما يستلزم بطلان الثواب والعقاب في حكم القول بلازمه، والقول ببطلان الثواب والعقاب قول عبدة الأوثان.

(وخصماء الرحمان) فيه وجوه:

الأوّل: أنّهم نسبوا إليه سبحانه ما لا يليق بجنابه من الظلم والجور، وأيّة خصومة وعداوة تكون أشدّ من ذلك؟

الثاني: أنّ إنكار الأمر والنهي إنكار للتكليف، والمنكرون للتكليف خصماء المكلِّف الآمر الناهي.

الثالث: أنّه لمّا نسب سبحانه في آيات كثيرة أفعال العباد إليهم، وصرّح في كثير منها ببراءته تعالى من القبائح والظلم، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28]، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40]، {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 29]، وهؤلاء يقولون نحن براء من القبائح وأنت تفعلها، فلا مخاصمة أعظم من ذلك.

(وحزب الشيطان) لأنّه لعنه اللَّه أشعريّ الأصول، حنفيّ الفروع، والدليل على ذلك كتاب اللَّه تعالى القاطع، فقد قال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الأعراف: 16] فنسب الإغواء إلى اللَّه تعالى، وهو مذهب الأشاعرة القائلين: الخير والشرّ والهداية والإضلال من اللَّه، وقال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] وعمل بالقياس.

أو لأنّه - لعنه اللَّه - لمّا كان يبعثهم على تلك العقائد الفاسدة والمذاهب الكاسدة، وتابعوه في ذلك كانوا من حزبه.

أو أنّه لمّا لزمهم بطلان الأمر والنهي والتكليف فيجوز لهم حينئذٍ متابعة الشيطان في كلّ ما يدعوهم إليه.

(وقدريّة هذه الأمّة ومجوسها) إشارة للحديث المستفيض عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) المتّفق عليه: «القدريّة مجوس هذه الامّة»؛ ووجه تسميتها بالمجوس مشاركتها في سلب الفعل عن العبد، فإنّ المجوس يسندون الخيرات إلى اللَّه، والشرور إلى إبليس.

وفي هذا الحديث دلالة على أنّ المجبّرة هم القدريّة، ولا خلاف بين الأمّة في أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ذمّ القدريّة، لكن كلّ من الجبريّة والتفويضيّة يسمّون خصومهم بها، وفي أخبارنا أطلقت عليهما وإن كان على التفويضيّة أكثر.

ويحتمل أن يكون تشبيههم بالمجوس؛ لأنّ مذهب المجوس: أنّ اللَّه تعالى يخلق فعله ثمّ يتبرّأ منه، كما خلق إبليس وتبرّأ منه.

ولأنّ المجوس قالوا: إنّ نكاح الأمّهات والأخوات بقضاء اللَّه وقدره وإرادته، ووافقهم المجبّرة حيث قالوا: إنّ نكاح المجوس لأمهاتهم وأخواتهم بقضاء اللَّه وقدره وإرادته.

ولأنّ المجوس قالوا: إنّ القادر على الخير لا يقدر على الشرّ وبالعكس، والمجبّرة قالوا: إنّ القدرة موجبة للفعل غير متقدّمة عليه، فإنّ الإنسان القادر على الخير لا يقدر على ضدّه وبالعكس.

ويحتمل أن يُعطف خصماء الرحمان على عبدة الأوثان، فالمراد بهم المعتزلة المفوّضة، أي الأشاعرة الجبريّة إخوان المفوّضة الذين هم خصماء الرحمان؛ لأنّهم يدّعون استقلال قدرتهم في مقابلة قدرة الرحمان، فإنّهم يفعلون ما يريدون بلا مشاركة للَّه ‌في أعمالهم بالتوفيق والخذلان، والأخوّة بينهما باعتبار أنّ كلًّا منهما على طرف خارج عن الحقّ الذي هو بينهما، وهو الأمر بين الأمرين، فهما يشتركان في البطلان، كما أنّ المؤمنين إخوة [لاشتراكهم] (11) في الحقّ.

وعلى هذا يكون قوله: «وحزب الشيطان»، وقوله: «قدريّة هذه الأمّة»، وقوله: «مجوسها» كلّها معطوفات على العبدة لا الإخوان، وتكون أوصافاً للمفوّضة لا الجبريّة، ويكون الحديث مشتملًا على نفي طرفَي الإفراط والتفريط معاً، إلّا أنّه لا يخلو من بُعد.

(إنّ اللَّه كلّف تخييراً) أي أمر عباده مع جعله لهم مخيّرين بين الفعل والترك بإعطاء القدرة لهم على الإتيان بما شاؤوا منهما من غير إكراه ولا إجبار.

(ونهى تحذيراً) لا إجباراً بل طلباً لاحترازهم عن فعل المنهيّ عنه من دون إكراه على الترك.

(وأعطى على القليل) من العمل (كثيراً) من الثواب؛ ترغيباً للطاعة وترك المعصية.

(ولم يُعصَ) على البناء للمفعول (مغلوباً) أي لم يقع العصيان منه عن طاعته بمغلوبيّته من العبد، بل بما فيه من الحكمة من عدم إكراهه وإجباره، أو لا يقع العصيان عن طاعته بمغلوبيّة العاصي، فإنّه لا عصيان مع عدم الاختيار.

(ولم يُطَع مكرِهاً) - بكسر الراء - اسم فاعل، أي لم تقع طاعته بإكراهه المطيع على الطاعة.

وربّما يُقرأ على صيغة المفعول، فيكون ردّاً على المفوّضة أيضاً؛ لأنّه إذا استقلّ العبد ولم يكن لتوفيقه تعالى مدخل في ذلك فكأنّه سبحانه يكره فيه.

ويمكن أن يُقرأ الفعلان على بناء الفاعل ويكون الفاعل المطيع والعاصي، وهو بعيد.

(ولم يملك مفوِّضاً) - بكسر الواو - اسم فاعل من التفويض، وفيه ردّ على المفوّضة.

و(يملّك) يمكن قراءته على بناء التفعيل ويكون مفعوله القدرة والإرادة والاختيار، أو على بناء الإفعال بمعنى إعطاء السلطنة مفوّضاً إليهم بحيث لم يحصرهم بالأمر والنهي، أو لم يكن له مدخل في أفعالهم بالتوفيق والخذلان.

(ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا) فيه إشارة إلى قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 27-28].

وهذا إمّا ردّ على عبدة الأوثان المذكورين سابقاً بتقريب ذكر إخوانهم. أو على المجبّرة؛ إذ الجبر يستلزم بطلان الثواب والعقاب، والتكليف المستلزم لكون خلق السماوات والأرض وما بينهما عبثاً وباطلًا. وعلى المفوّضة أيضاً؛ لأنّ التفويض على أكثر الوجوه - التي تأتي إن شاء اللَّه - ينافي غرض الإيجاد، وكون بعثة الأنبياء والرسل مع الجبر باطلًا ظاهر، بل مع التفويض على بعض الوجوه (12)، (ولم يبعث النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً) وفيه إشارة إلى مفسدة أخرى، وهي: أنّه لو تحقّق الجبر لكان إرسال الرسل وتبشيرهم وإنذارهم عبثاً؛ لأنّ الغرض من ذلك هو الإخبار بالأحكام وإظهار مناهج الحلال والحرام، والتقريب بالطاعة والتبعيد عن المعصية، ومع الإجبار لا فائدة في الإخبار والإظهار، ولا نفع في التبشير والإنذار، وما لا فائدة فيه فهو لغو وعبث.

ثمّ اقتبس عليه السلام من القرآن فقال عليه السلام: (ذلك) - أي ظنّ أنّ القضاء كان حتماً والقدر لازماً - (ظنّ الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي، ج 1، ص 155، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين، ح 1.

(2) التوحيد، ص 380، ح 28.

(3) عيون الأخبار، ج 2، ص 126، ح 38.

(4) الاحتجاج، ج 1، ص 310.

(5) كنز الفوائد، ص 169.

(6) الإرشاد، ج 1، ص 235؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 12 و13 و14، ح 9.

(7) انظر: شرح الحديث الحادي والعشرين.

(8) كشف المراد، ص 434.

(9) بحار الأنوار، ج 5 ص 96، ح 19؛ الاحتجاج، ج 1، ص 310.

(10) الوافي، ج 1، ص 536.

(11) أثبتناه من المصدر، وفي النسخ والمطبوع: «لاشتراكهما».

(12) جاء أكثر هذا الشرح للحديث في مرآة العقول، ج 2، ص 175 – 182.

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

الاكثر قراءة في أحاديث وروايات مختارة

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد