المقام الثاني: في بيان حكاية المذاهب في هذه المسألة
قال العلّامة المحدّث المجلسيّ رحمه الله: إنّ أفعال العباد دائرة بحسب الاحتمال العقليّ بين أمور:
الأوّل: أن يكون حصولها بقدرة اللَّه وإرادته من غير مدخل لقدرة العبد فيه وإرادته.
الثاني: أن يكون بقدرة العبد وإرادته من غير مدخل لقدرة اللَّه وإرادته فيه، أي بلا واسطة؛ إذ لا ينكر عاقل أنّ الإقدار والتمكين مستندان إليه تعالى؛ إمّا ابتداء أو بواسطة.
الثالث: أن يكون حصولها بمجموع القدرتين وذلك بأنّ المؤثّر قدرة اللَّه بواسطة قدرة العبد، أو بالعكس، أو يكون المؤثّر مجموعهما من غير تخصيص أحدهما بالمؤثّريّة والأخرى بالآليّة.
وذهب إلى كلّ من تلك الاحتمالات - ما خلا الاحتمال الثاني من محتملات الشقّ الثالث - طائفة، أمّا الأوّل ففيه قولان:
الأوّل: مذهب الجبريّة الجهميّة البحتة، وهم جهم بن صفوان وأتباعه، حيث ذهبوا إلى أنّ الفعل من اللَّه سبحانه بلا تأثير لإرادة العبد وقدرته فيه ولا كسب، بل لا فرق عندهم بين مشي زيد وحركة المرتعش، ولا بين الصاعد إلى السطح والساقط منه.
الثاني: مذهب أبي الحسن الأشعريّ وأتباعه، فإنّهم لمّا رأوا شناعة قول الجهميّة فرّوا منه إلى ما لا ينفعهم وقالوا: أفعال العباد الاختياريّة واقعة بقدرة اللَّه وحده وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل اللَّه سبحانه أجرى عادته بأنّه يوجد في العبد قدرة واختياراً، فإذا لم يكن هناك مانعٌ (1) أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما، فيكون فعل العبد مخلوقاً للَّه إبداعاً وإحداثاً، ومكسوباً للعبد، والمراد بكسبه إيّاه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلّاً له، وقالوا: نسبة الفعل إلى العبد باعتبار قيامه به لا باعتبار إيجاده له؛ فالقائم والآكل والشارب عندهم بمنزلة الأسود والأبيض.
والثاني: وهو استقلال العبد بالفعل مذهب أكثر الإماميّة والمعتزلة، فإنّهم ذهبوا إلى أنّ العباد موجدون لأفعالهم، مخترعون لها بقدرتهم، لكن أكثر المعتزلة قائلون بوجوب الفعل بعد إرادة العبد، وبعضهم قال بعدم وجوب الفعل بل يصير أولى.
قال المحقّق الطوسيّ رحمه الله: ذهب مشايخ المعتزلة وأبو الحسن البصريّ وإمام الحرمين من أهل السنّة إلى أنّ العبد له قدرة قبل الفعل، وإرادة بها تتمّ مؤثريّته، فيصدر منه الفعل فيكون العبد مختاراً؛ إذ كان فعله بقدرته الصالحة للفعل والترك تبعاً لداعيه الذي هو إرادته، والفعل يكون بالقياس إلى القدرة وحدها ممكناً، وبالقياس إليها مع الإرادة يصير واجباً.
وقال محمود الملاحميّ وغيره من المعتزلة: إنّ الفعل عند وجود القدرة والإرادة يصير أولى بالوجود؛ حذراً من أن يلزمهم القول بالجبر لو قالوا بالوجوب، وليس ذلك بشيء؛ لأنّ مع حصوله الأولويّة إن جاز له الطرف الآخر ما كانت الأولويّة بأولويّة، وإن لم يجز فهو الواجب، وإنّما غيّروا اللفظ دون المعنى. انتهى.
واختلف في نسبة احتمالي الشقّ الثالث وتحقيقهما، ففي المواقف وشرحه: أفعال العباد الاختياريّة واقعة بقدرة اللَّه تعالى وحدها [وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وقالت المعتزلة: بقدرة العبد وحدها] (2) على سبيل الاستقلال بلا إيجاب بل باختيار، وقالت طائفة بالقدرتين.
ثمّ اختلفوا فقال الأستاذ - يعني أبا إسحاق - الإسفرايينيّ بمجموع القدرتين على أن يتعلّقا جميعاً بالفعل نفسه، وجواز اجتماع المؤثّرين على أثر واحد.
وقال القاضي - يعني الباقلّانيّ -: على أن تتعلّق قدرة اللَّه بأصل الفعل وقدرة العبد بصفته، أعني كونه طاعة ومعصية، إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا توصف بها أفعاله تعالى، كما في لطم اليتيم تأديباً أو إيذاءً، فإنّ ذات اللطم أوقعه بقدرة اللَّه وتأثيره، وكونه طاعة على الأوّل ومعصية على الثاني بقدرة العبد وتأثيره.
وقالت الحكماء وإمام الحرمين: هي واقعة على سبيل الوجوب وامتناع التخلّف بقدرة يخلقها اللَّه في العبد إذا قارنت حصول الشرائط وارتفاع الموانع.
والضابط في هذا المقام: أنّ المؤثّر إمّا قدرة اللَّه، أو قدرة العبد على الانفراد كمذهبَي الأشعريّ وجمهور المعتزلة، أو هما معاً، وذلك إمّا مع اتّحاد المتعلّقين كمذهب الأستاذ منّا والنجّار من المعتزلة، أو دونه، وحينئذٍ فإمّا مع كون إحداهما متعلّقة للأخرى، ولا شبهة في أنّه ليس قدرة اللَّه متعلّقة لقدرة العبد، إذ يستحيل تأثير الحادث في القديم فتعيّن العكس، وهو أن تكون قدرة العبد صادرة عن قدرة اللَّه وموجبة للفعل، وهو قول الإمام والفلاسفة، وإمّا بدون ذلك وهو مذهب القاضي؛ لأنّ المفروض عدم اتّحاد المتعلّقين. (3) انتهى.
واعترض عليه المولى جمال الدين محمود وغيره بأنّ جعل المذهب المنسوب إلى الإمام والفلاسفة كون المؤثّر مجموع القدرتين دون مذهب المعتزلة تحكّمٌ بحتٌ؛ إذ لا فرق بين هذين المذهبين في أنّ المؤثّر الحقيقيّ في الفعل هو قدرة العبد وتلك القدرة الحادثة مخلوقة للقدرة القديمة الإلهيّة.
ثمّ قال: الصواب في الضبط أن يُقال: المؤثّر إمّا قدرة اللَّه تعالى وحدها وهو مذهب الشيخ الأشعريّ، وإمّا قدرة العبد وحدها وهو مذهب جمهور المعتزلة والإمام والفلاسفة، وإمّا هما معاً مع اتّحاد المتعلّقين وهو مذهب الأستاذ، أو بدون ذلك بأن تتعلّق القدرة القديمة بنفس الفعل، والحادثة بصفته وهو مذهب القاضي. انتهى.
ثمّ اعلم أنّ هذا المذهب الذي نسبوه إلى الحكماء من أنّ العلّة القريبة للفعل الاختياريّ إنّما هو العبد وقدرته، لكنّ قدرته مخلوقة للَّه تعالى، وإرادته حاصلة بالعلل المترتّبة منه تعالى قول بعضهم، وقال جمّ غفير منهم: لا مؤثّر في الوجود إلّا اللَّه، وموجد أفعال العباد هو اللَّه تعالى سبحانه.
وقالوا: إنّ الفعل كما يسند إلى الفاعل كإسناد البناء إلى البنّاء، قد يسند إلى الشرط كإسناد الإضاءة إلى الشمس والسراج - مثلًا - فبعض الأفعال الصادرة عن الطبائع النوعيّة كالحركات الطبيعيّة والقسريّة والأفعال الاختياريّة للإنسان وغيره، بل الأفعال الصادرة عن النفوس الفلكيّة والعقول المجرّدة بناءً على القول بوجودها، فكلّ من هذه الأمور – لا سيّما إرادة النفوس الحيوانيّة والإنسانيّة والفلكيّة، بل العقول مع عدم المانع - شرط واسطة لصدور تلك الأفعال من مفيض الوجود، وإسنادهما إلى تلك المبادئ من قبيل إسناد الفعل إلى الشرائط والوسائط لا إلى الفاعل والموجد، وهذا قريب من مذهب الأشاعرة.
إذا عرفت هذه المذاهب فاعلم أنّ تأثير قدرة العبد وإرادته في الأفعال الاختياريّة من أجلى البديهيّات، وسخافة مذاهب الأشاعرة ومن يحذو حذوهم لا يحتاج إلى بيان، وبطون الأوراق والصحف والزبر من علمائنا والمخالفين مشحونة بذلك.
قال العلّامة الحلّيّ رحمه الله: الإماميّة قسّموا الأفعال إلى ما يتعلّق بقصودنا ودواعينا وإرادتنا واختيارنا بحركتنا الاختياريّة الصادرة عنّا، كالحركة يمنة ويسرة، وإلى ما لا يتعلّق بقصودنا ودواعينا وإرادتنا واختيارنا، كالآثار التي فعلها اللَّه تعالى من الألوان وحركة النموّ والتغذية والنبض وغير ذلك، وهو مذهب الحكماء.
والحقّ أنّا نعلم بالضرورة أنّا فاعلون، يدلّ عليه العقل والنقل، أمّا العقل فإنّا نعلم بالضرروة الفرق بين حركتنا الاختياريّة والاضطراريّة، وحركة الجماد، ونعلم بالضرورة قدرتنا على الحركة الأولى، كحركتنا يمنة ويسرة، وعجزنا عن الثانية كحركتنا إلى السماء، وحركة الواقع من شاهق، وانتفاء قدرة الجماد، ومن أسند الأفعال إلى اللَّه تعالى ينفي الفرق بينهما، ويحكم بنفي ما قضت الضرورة بثبوته.
قال أبو الهذيل العلّاف - ونعم ما قال -: حمار بشر أعقل من بشر، فإنّ حمار بشر لو أتيت به إلى جدول صغير وضربته للعبور فإنّه يطفر، ولو أتيت به إلى جدول كبير وضربته فإنّه لا يطفر ويروغ عنه؛ لأنّه فرّق بين ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه، وبشر لا يفرّق بين المقدور له وغير المقدور له (4). انتهى.
وإذا كان الحكم بذلك ضروريّاً فالشُبه الموردة في مقابلة ذلك لا يصغى إليها، وإن كانت قويّة، وكثير من أحوال الإنسان وأموره إذا أمعن النظر فيها ليصل إلى حدّ يتحيّر العقل فيها كحقيقة النفس وكيفيّة الإبصار مع كونهما أقرب الأشياء إليه لا يمكنه الوصول إلى حقيقة ذلك، وينتهي التفكّر فيها إلى حدّ التحيّر، وليس ذلك سبباً لأن ينفي وجودهما وتحقّقهما فيه.
ثمّ اعلم أنّ الحقّ إنّ المعتزلة أيضاً خرجوا عن الحقّ للإفراط من الجانب الآخر، فإنّهم يذهبون إلى أنّه تعالى لا مدخليّة له في أعمال العباد أصلًا سوى خلق الآلات والتمكين والإقدار، حتّى إنّ بعض المعتزلة قالوا: إنّ اللَّه لا يقدر على عين مقدور العبد، وبعضهم قالوا: لا يقدر على مثله أيضاً، فهم عزلوا اللَّه عن سلطانه، وكأنّهم أخرجوا اللَّه عن ملكه وأشركوا من حيث لا يعلمون (5).
[معاني التفويض والاستطاعة]
أقول: الذي يستفاد من الأخبار أنّ المفوّضة يطلق على معانٍ:
أحدها: تفويض اللَّه الأمر إلى العباد بحيث لا يكون لأوامره تعالى ونواهيه وبواعثه وزواجره وتوفيقه وإحسانه وتأييده وتسديده وخذلانه مدخل فيه، ويلزم منه إخراج القادر المطلق عن سلطانه، ونسبة العجز الظاهر إلى من لا يدخل النقص في شأنه.
ثانيها: هو رفع الحظر عن الخلق في الأفعال والإباحة لهم ما شاؤوا من الأعمال.
ثالثها: تفويض أمر الخلق والرزق إلى بعض عباده.
وهو باطل بجميع معانيه، وأكثر ما يطلق التفويض في هذا الباب على المعنى الأوّل، وقد يطلق على الثاني.
وقد يطلق التفويض على معنى رابع، وهو تفويض اختيار الإمام ونصبه إلى الأمّة، وتفويض الأحكام إليهم بأن يحكموا فيها بآرائهم وقياساتهم واستحساناتهم.
والاستطاعة يطلق على ثلاثة معانٍ:
الأوّل: القدرة الزائدة على ذات القادر.
الثاني: آلة تحصل معها القدرة على الشيء، كالزاد والراحلة وتخلية السرب وصحّة البدن في الحجّ.
الثالث: على التفويض المقابل للجبر، وهو المراد في أخبار الباب.
وأمّا لفظ القدريّة فقد يطلق على المجبّرة كما تقدّم في رواية الاحتجاج، وقد يطلق على المفوّضة كما يفهم من جملة من الروايات.
فذلكة: [مَن هُم القدرية؟]
لا خلاف بين الأمّة في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد ذمّ القدريّة، ولكن كلّ من الجبريّة والتفويضيّة يرمون خصومهم بهذا الاسم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة: 113] وقد صدق الفريقان؛ إذ الظاهر من جملة من الأخبار أنّ القدريّة يطلق على كلّ منهما. قال في المقاصد: لا خلاف في ذمّ القدريّة.
وقال شارحه: قد ورد في صحاح الأحاديث: «لُعِنَت القدريّة على لسان سبعين نبيّاً». والمراد بهم القائلون بنفي كون الخير والشرّ كلّه بتقدير اللَّه ومشيّته، سُمّوا بذلك؛ لمبالغتهم في نفيه وكثرة مدافعتهم إيّاه. وقيل: لإثباتهم للعبد قدرة الإيجاد، وليس بشيء، إلّا أنّ المناسب حينئذٍ القدريّ - بضمّ القاف -.
وقالت المعتزلة: القدريّة هم القائلون بأنّ الشرّ والخير كلّه من اللَّه تعالى وبتقديره ومشيّته؛ لأنّ الشائع نسبة الشخص إلى ما يثبته ويقول به، كالجبريّة والحنفيّة والشافعيّة، لا إلى ما ينفيه.
وردّ بأنّه صحّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قوله: «القدريّة مجوس هذه الأمّة»، وقوله (عليه السلام): «إذا قامت القيامة نادى منادٍ: أهل الجمع، أين خصماء اللَّه؟ فتقوم القدريّة»، ولا خفاء في أنّ المجوس هم الذين ينسبون الخير إلى اللَّه والشرّ إلى الشيطان ويسمّونهما «يزدان وأهرمن»، وأنّ من لا يفوّض الأمور كلّها إلى اللَّه ويعترض لبعضها فينسبها إلى نفسه يكون هو المخاصم للَّه تعالى.
وأيضاً من يضيف القدر إلى نفسه ويدّعي كونه الفاعل والمقدّر أولى باسم القدريّ ممّن يضيفه إلى ربّه.
فإن قيل: روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال لرجل قدم عليه من فارس: «أخبرني بأعجب شيء رأيت». فقال: رأيت أقواماً ينكحون أمّهاتهم وبناتهم وأخواتهم، فإذا قيل لهم: لِمَ تفعلون ذلك؟ قالوا: قضاء اللَّه علينا وقدره، فقال (صلى الله عليه وآله): «سيكون في آخر أمّتي أقوام يقولون بمثل مقالتهم، أولئك مجوس أمّتي».
وروى الأصبغ بن نباتة: أنّ شيخاً قام إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بعد منصرفه من صفّين، ثمّ ذكر الخبر المتقدّم.
وعن الحسن: بعث اللَّه محمّداً إلى العرب وهم قدريّة يحملون ذنوبهم على اللَّه، ويصدّقه قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28].
قلنا: ما ذكر لا يدلّ [إلّا] (6) على أنّ القول بأنّ فعل العبد إذا كان بقضاء اللَّه وقدره وخلقه وإرادته يجوز للعبد الإقدام عليه ويبطل اختياره فيه واستحقاقه للثواب والعقاب والمدح والذمّ عليه قول المجوس، فلينظر أنّ هذا قول المعتزلة أم المجبّرة، ولكن: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40].
ومن وقاحتهم أنّهم يروّجون باطلهم بنسبته إلى أمير المؤمنين وأولاده (عليهم السلام)، وقد صحّ عنه أنّه خطب الناس على منبر الكوفة فقال: «ليس منّا من لم يؤمن بالقدر؛ خيره وشرّه»، وأنّه قال لمن قال: إنّي أملك الخير والشرّ والطاعة والمعصية: «تملكها مع اللَّه أو تملكها بدون اللَّه؟ فإن قلت: أملكها مع اللَّه فقد ادّعيت أنّك شريك اللَّه، وإن قلت: أملكها بدون اللَّه، فقد ادّعيت أنّك أنت اللَّه»؛ فتاب الرجل على يده.
وأنّ جعفر الصادق (عليه السلام) قال لقدريّ: «اقرأ الفاتحة»، فقرأ، فلمّا بلغ قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] قال له جعفر (عليه السلام): «على ماذا تستعين باللَّه وعندك أنّ الفعل منك وجميع ما يتعلّق بالإقدار والتمكين والألطاف قد حصلت وتمّت؟» فانقطع القدريّ، والحمد للَّه ربّ العالمين (7). انتهى.
والمعتزلة وجّهوا تشبيه المجبّرة بالمجوس من وجوه:
أحدها: أنّ المجوس اختصّوا بمقالات سخيفة، واعتقادات واهية معلومة البطلان، وكذا المجبّرة.
وثانيها: مذهب المجوس أنّ اللَّه تعالى يخلق فعله ثمّ يبرأ منه كما خلق إبليس وانتفى منه، وكذا المجبّرة قالوا: إنّ اللَّه يفعل القبائح ثمّ يتبرّأ منها.
وثالثها: إنّ المجوس قالوا: إنّ نكاح الامّهات والأخوات بقضاء اللَّه وقدره وإرادته، ووافقهم المجبّرة في ذلك.
ورابعها: أنّ المجوس قالوا: إنّ القادر على الخير لا يقدر على الشرّ وبالعكس، والمجبّرة قالوا: إنّ القدرة موجبة للفعل غير متقدّمة عليه، فإنّ الإنسان القادر على الخير لا يقدر على ضدّه وبالعكس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في «ظ» والمطبوع: «صانعٌ».
(2) ما بين المعقوفتين أثبتناه من شرح المواقف، ص 145.
(3) شرح المواقف، ص 145 - 148.
(4) لم نظفر على العبارة بعينها، راجع المضمون في منهاج الكرامة، ص 41؛ شرح منهاج الكرامة، ص 92.
(5) مرآة العقول، ج 1، ص 196 - 200.
(6) أثبتناه من المصدر.
(7) وردت الفذكلة بكاملها في مرآة العقول، ج 2، ص 178 - 180.