0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

البحث حول حديث (لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين) / المقام الأوّل

المؤلف:  السيد عبد الله شبر

المصدر:  مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار (ت: مجتبى المحمودي)

الجزء والصفحة:  ج1، ص 166 ــ 174

2026-08-12

51

+

-

20

الحديث الحادي والعشرون: [لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين]

ما رويناه بالأسانيد المتقدّمة عن جملة من علمائنا الأعلام وفضلائنا الكرام المعوّل عليهم في النقض والإبرام، ومنهم ثقة الإسلام في الكافي، ورئيس المحدّثين محمّد بن بابويه، ورئيس الملّة المفيد، وشيخ الطائفة، وعلم الهدى، وغيرهم بأسانيد معتبرة عديدة ومتون منقّحة سديدة عن الباقر (عليه السلام) والصادق (عليه السلام) وأبي الحسن الثالث (عليه السلام) وغيرهم من الأئمّة الطاهرين صلوات اللَّه عليهم أجمعين أنّهم قالوا: «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين» (1).

وهذا الخبر كاد أن يكون متواتراً، وصدوره عن أهل البيت (عليهم السلام) مقطوع به.

وفي بعض الأخبار «القدر» بدل «التفويض»، كما في الكافي عن الصادق (عليه السلام) والباقر (عليه السلام) وقد [سُئلا] (2): هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا: «نعم، أوسع ما بين السماء والأرض» (3)، وعن الصادق (عليه السلام) وقد سُئل عن الجبر والقدر، فقال: «لا جبر ولا قدر ولكن منزلة بينهما، فيها الحقّ التي بينهما، لا يعلمها إلّا العالم أو من علَّمها إيّاه العالم» (4).

وفي بعض الأخبار نفي الجبر والاستطاعة.

وكيف كان، فتحقيق الكلام في هذا المقام وبيان ما فيه من نقض وإبرام - على وجه أنيق وطرز رشيق تهشّ إليه الطباع السليمة، وتلتذّ به الأفهام المستقيمة - يقتضي بسطه في مقامات:

المقام الأوّل: [في أنّ مسألة خلق الأعمال من أصعب المسائل الإسلاميّة إشكالًا]

اعلم أنّ هذه المسألة - وهي مسألة خلق الأعمال - من أعظم المسائل الإسلاميّة غموضاً، وأصعبها إشكالًا، وقد تحيّرت فيها العقول والأفهام، واضطربت فيها آراء الأنام، وغرقت في لجج بحارها طوائف من منتحلي الإسلام، وبقي في الحيرة والشكّ فيها أقوام.

والسرّ في ذلك أنّ هذه المسألة من غوامض مسائل القضاء والقدر التي لا تدركها العقول القاصرة، والأفهام الحاسرة، بل لا بدّ فيها من الأخذ من معادن الوحي والتنزيل، وأولي الفضل والتأويل، الذين نزل في بيتهم جبرئيل، كما أشير إليه في الحديث السابق ونحوه بقوله (عليه السلام): «لا يعلمها إلّا العالم أو من علّمها إيّاه».

وروى الصدوق رحمه الله في العقائد وغيره عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه سأله رجل عن القدر، فقال (عليه السلام): «بحر عميق فلا تَلِجه». ثمّ سأله ثانية، فقال: «طريق مظلم فلا تسلكه». ثمّ سأله ثالثة، فقال: «سرّ اللَّه فلا تتكلّفه» (5).

وقال (عليه السلام) في القدر: « ألا إنّ القدر سرّ من سرّ اللَّه، وحرز من حرز اللَّه، مرفوع في حجاب اللَّه، مطويّ عن خلق اللَّه، مختوم بخاتم اللَّه، سابق في علم اللَّه، وضع اللَّه عن العباد علمه، ورفعه فوق شهاداتهم؛ لأنّهم لا ينالونه بحقيقة الربّانيّة، ولا بقدرة الصمدانيّة، ولا بعظمة النورانيّة، ولا بعزّة الوحدانيّة؛ لأنّه بحرٌ زاخر موّاج، خالص للَّه تعالى، عمقه ما بين السماء والأرض، عرضه ما بين المشرق والمغرب، أسود كالليل الدامس، كثير الحيّات والحيتان، يعلو مرّة ويسفل أخرى، في قعره شمس تضيء، لا ينبغي أن يطّلع عليها إلّا الواحد الفرد، فمن تطلّع عليها فقد ضادّ اللَّه في حكمه، ونازعه في سلطانه، وكشف عن سرّه وستره، وباء بغضب من اللَّه ومأواه جهنّم وبئس المصير» (6).

أقول: ولمّا ترك الناس وصيّة ربّهم ونصيحة نبيّهم ولم يسكتوا عمّا سكت اللَّه عنه، واستبدّوا بعقولهم الفاسدة، وآرائهم الكاسدة، غرقوا في هذا البحر العظيم، وبعدوا عن العزيز الحكيم، ففرقة قدريّة، وفرقة جبريّة، وفرقة مفوّضة، وفرقة مذبذبون، وأخرى شاكّون مشكّكون، حتّى طال بينهم الكلام، وكثر النقض والإبرام، واعتركت الآراء، وتصادمت الأهواء، حتّى لم يبقَ لأحد مع خصمه منزعة في قوس فكره إلّا ورماها، ولا خلسة في خاطره إلّا وأبداها، ومع ذلك لم يأتِ أكثرهم بحاصل في الدين، ولم يظفر بطائل فيما يفيد سلوك طريق اليقين، بل ربّما استدلّ كلّ من الفريقين بآية واحدة، أو رواية واحدة كما اتّفق لهم في الاستعاذة.

[استدلال كلّ من القدريّة والجبريّة على بطلان مذهب الآخر بالاستعاذة]

فالقدريّة استدلّوا بها على بطلان مذهب الجبريّة من وجوه:

الأوّل: أنّ فيها اعترافاً بكون العبد فاعلًا لتلك الاستعاذة، فلو كان خالق الأفعال هو اللَّه دون العبد كان كذباً. وأيضاً إذا خلق اللَّه الفعل في العبد امتنع لأحد دفعه، وإذا لم يخلقه امتنع تحصيله، فلا فائدة في الاستعاذة؛ فثبت أنّ قول القائل: «أعوذ» اعتراف بكون العبد موجداً لفعله.

الثاني: أنّ الاستعاذة باللَّه إنّما تحسن إذا لم يكن خالقاً للأمور التي يستعاذ منها، وأمّا إذا كان هو فاعلها فيمتنع الاستعاذة به منها، وإلّا لكانت الاستعاذة باللَّه من اللَّه.

الثالث: أنّ الاستعاذة باللَّه من المعاصي، وهي من قضاء اللَّه، وذلك يستلزم ألّا يرضى العبد بالقضاء، والرضا بالقضاء واجب.

الرابع: أنّ الاستعاذة باللَّه من الشيطان إنّما يحسن لو كانت الوسوسة فعلًا له، وأمّا إذا كانت فعلًا للَّه‌ ولم تكن فعلًا للشيطان ولا له أثر فيها فكيف يستعاذ من شرّه؟ بل يجب أن يستعاذ من شرّ اللَّه لا من شرّه؛ إذ لا شرّ إلّا من قِبله.

الخامس: أنّ للشيطان أن يقول: يا إلهي، إذا كنت ما فعلت شيئاً أصلًا وأنت يا إله الخلق قضيت صدور الوسوسة عنّي ولا قدرة لي على مخالفة قضائك وحكمتك، ثمّ قلت: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقلت: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقلت: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، فمع هذه الأعذار الظاهرة والأسباب القويّة كيف يجوز في عنايتك ورحمتك أن تذمّني وتلعنني؟!

السادس: يقول أيضاً: يا إلهي، جعلتني مرجوماً ملعوناً بسبب جرم صدر منّي أو لا بسبب جرم صدر منّي؛ فإن كان الأوّل بطل الجبر، وإن كان الثاني فهو محض الظلم، وقد قلت: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر: 31]، فكيف يليق هذا بك؟!

وللجبريّة أن يقولوا للقدريّة: إنّ الإشكالات التي ألزمتمونا بها هي بأسرها واردة عليكم من وجهين:

الأوّل: أنّ قدرة العبد إمّا تكون معيّنة لأحد الطرفين فالجبر لازم، وإمّا أن تكون حاصلة لهما، فرجحان أحد الطرفين على الآخر إن كان لمرجّح ففاعل المرجّح إن كان هو العبد عاد التقسيم فيه ويتسلسل، وإن كان هو اللَّه فإنّه تعالى إذا فعل ذلك المرجّح صار الفعل واجب الوقوع، وإذا لم يفعله يصير ممتنع الوقوع، وحينئذٍ يلزمكم كلّما ذكرتموه، وإن كان الرجحان لا لمرجّح فهو باطل من وجهين:

الأوّل: أنّه ينسدُّ به باب إثبات الصانع للعالم؛ إذ مداره على أنّ رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر يستحيل من غير مرجّح.

الثاني: أنّه على هذا التقدير يكون وجود ذلك الرجحان واقعاً على سبيل الاتّفاق، ولم يكن صادراً من العبد، وإذا كان الأمر كما ذكرنا فقد عاد الجبر المحظور (7).

الوجه الثاني في السؤال منكم: سلّمتم كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، ووقوع الشيء خلاف علمه يقتضي انقلاب علمه جهلًا، وذلك محال، والمؤدّي إلى المحال محال، فكل ما أوردتموه علينا في القضاء والقدر لازم عليكم في العلم لزوماً لا محيص عنه، وسيأتي الجواب عن هذه الشبهة الواهية إن شاء اللَّه.

وقال رئيس المشكّكين وإمامهم الرازيّ: حال هذه المسألة عجيبة، فإنّ الناس كانوا فيها مختلفين أبداً بسبب أنّ ما يمكن الرجوع فيها إليه متعارضة متدافعة، فمعوّل الجبريّة على أنّه لا بدّ لترجيح الفعل على الترك من مرجّح ليس من العبد، ومعوّل القدريّة على أنّ العبد لو لم يكن قادراً على فعله لما حسن المدح والذمّ والأمر والنهي، وهما مقدّمتان بديهيّتان.

ثمّ من الدلائل العقليّة اعتماد الجبريّة على أنّ تفاصيل أحوال الأفعال غير معلومة للعبد، واعتماد القدريّة على أنّ أفعال العباد واقعة على وفق قصودهم ودواعيهم، وهما متعارضان.

ومن الالزامات الخطابيّة أنّ القدرة على الإيجاد كما لا يليق (8) بالعبد الذي هو منبع النقصان، فإنّ أفعال العباد تكون سفهاً وعبثاً، فلا يليق بالمتعالي عن النقصان.

وأمّا الدلائل السمعيّة فالقرآن مملوء ممّا يوهم الأمرين، وكذا الآثار، وإن من أمّة من الأمم لم تكن خالية من الفرقتين، وكذا الأوضاع والحكايات المتدافعة من الجانبين، حتّى قيل: إن وضع النرد على الجبر ووضع الشطرنج على القدر.

إلّا أنّ مذهبنا أقوى بسبب أنّ القدح في قولنا: لا يترجّح الممكن إلّا بمرجّح يوجب انسداد باب إثبات الصانع، ونحن نقول: الحقّ ما قاله بعض أئمّة الدين: أنّه لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين، وذلك لأنّ مبنى المبادئ القريبة لأفعال العبد على قدرته واختياره، والمبادئ البعيدة على عجزه واضطراره، فإنّ الإنسان مضطرّ في صورة مختار، كالقلم في يد الكاتب، والوتد في شقّ الحائط، وفي كلام العقلاء: قال الحائط للوتد لم تشقّني؟ قال: سل من يدقّني (9) انتهى.

فهذا حال إمامهم، فانظر كيف اعترف بالشكّ والحيرة، واعترف أخيراً بالأمر بين الأمرين، ولم يبيّن معناه على وجه يرفع الإشكال في البين.

وقال قطب أوليائهم محي الدين بن العربيّ في الفتوحات - على ما حكى عنه الفيلسوف الشيرازيّ -: اعلم أنّ الكلّ من عند اللَّه، ولكن لمّا تعلّق لبعض الأفعال لسان ذمّ فما كان في الأفعال في باب قبح وشرّ فدينا بنفوسنا ما ينسب إلى الحقّ من ذلك وقاية وأدباً مع اللَّه، وما كان من خير وحسن رفعنا نفوسنا من البين وأضفنا ذلك إلى اللَّه حتّى يكون هو المحمود بكلّ ثناء أدباً مع اللَّه، وإيفاءً لحقوقه فإنّه للَّه ‌بلا شكّ مع ما فيه من الاشتراك كما دلّ عليه في قوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقوله: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] مع قوله: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78]، فأضاف العمل وقتاً إلينا ووقتاً إليه، فلهذا قلنا: فيه رائحة الاشتراك. قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] فأضاف خيرنا وشرّنا إلينا، وقال: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8] فله الإلهام، وقد خلق العمل (10)، فهذه مسألة لا يتخلّص فيها توحيد أصلًا؛ لا من جهة الكشف ولا من جهة الخبر، فالأمر الصحيح في ذلك أنّه مربوط بين حقّ وخلق غير مختصّ [مخلص] لأحد الجانبين، فإنّه أعلى ما يكون من النسب الإلهيّة أن يكون الحقّ هو عين الوجود الذي استفادته الممكنات، فما ثمّ إلّا عين وجود الحقّ، والتغييرات الظاهرة في هذه العين أحكام أعيان الممكنات، فلولا العين ما ظهر الحكم، ولولا الممكن ما ظهر التغيّر، فلا بدّ في الأفعال من حقّ وخلق.

ثمّ قال: وفي بعض مذهب العامّة: أنّ العبد محلّ ظهور أفعال اللَّه، وموضع جريانها فلا يشهدها الحسّ إلّا من الأكوان، ولا تشهدها بصيرتهم إلّا من اللَّه من وراء حجاب، هذا الذي ظهرت على يديه المريد لها المختار فيها، فهو لها (11) مكتسب باختياره، وهذا هو مذهب الأشاعرة.

ومذهب بعض العامّة: أنّ الفعل للعبد حقيقة، ومع هذا فربط الفعل عندهم بين الحقّ والخلق لا يزول، وأنّ هؤلاء يقولون: القدرة الحادثة في العبد الذي يكون بها هذا الفعل من الفاعل، أنّ اللَّه خلق له القدرة عليها فلا يخلص الفعل للعبد إلّا بما خلق اللَّه فيه من القدرة عليه؛ فما زال الاشتراك. وهذا مذهب أهل الاعتزال.

فهؤلاء ثلاثة: أصحابنا والأشاعرة والمعتزلة، ما زال منهم وقوع الاشتراك، وهكذا أيضاً حكم مثبتي العلل لا يتخلّص لهم إثبات المعلول الذي لعلّته، التي هي معلولة لعلّة أخرى فوقها، إلى أن ينتهي إلى الحقّ في ذلك، الذي هو عندهم علّة العلل، فلولا علّة العلل ما كان معلول عن علّة؛ إذ كلّ علّة دونه معلولة، فالاشتراك ما ارتفع على مذهب هؤلاء.

و[أمّا] عدا هؤلاء الأصناف من الطبيعيّين والدهريّين، فغاية ما يؤول إليه أمرهم: أنّ الذي نقول نحن فيه: إنّه الإله، يقول الدهريّة: إنّه الدهر، والطبيعيّة: إنّه الطبيعة، وهم لا يخلصون الفعل الظاهر منّا دون أن يضيفوا [ذلك] إلى الدهر أو الطبيعة، فما زال وجود الاشتراك في الكلّ نحلة ومذهباً، وما ثمّ عقل يدلّ على خلاف هذا، ولا خبر إلهيّ في شريعة يخلص الفعل من جميع الجهات إلى أحد الجانبين، فلنقرّه كما أقرّه اللَّه على علم اللَّه فيه، وما ثمَّ إلّا كشف وعقل وشرع، وهذه الثلاثة ما خلصت ولا تخلص أبداً دنياً وآخرة، جزاءً بما كنتم تعملون.

فالأمر في نفسه - واللَّه أعلم - ما هو إلّا كما وقع، ما يقع فيه تخليص؛ لأنّه في نفسه غير مخلّص، إذ لو كان في نفسه مخلَصاً لا بدّ إن كان يظهر على بعض الطوائف ولا يتمكّن لنا أن نقول: الكلّ على خطأ، فإنّ في الكلّ الشرائع الإلهيّة، ونسبة الخطأ إليها محال، ولا يخبر الأشياء على ما هي عليها إلّا اللَّه وقد أخبر، فما الأمر إلّا كما أخبر، فاتّفق الحقّ والعالم في هذه المسألة على الاشتراك، وهذا هو الشرك الخفي والجلي وموضع الحيرة (12). انتهى كلامه، عامله اللَّه بعدله.

أقول: فانظر إلى هذا الفاضل الذي هو قطب رحى أوليائهم، والمعوّل عليه بين علمائهم كيف اعترف بالحيرة والتحيّر، وصار أخيراً إلى الشرك، وأنّ أفعال القبائح والظلم والفواحش واقعة بين العبد والربّ غير مخلصة لأحدهما، وهو شرك محض، وظلم عظيم، يبطله النقل والكشف والبرهان، ويحكم بفساده الوجدان، ويضحك منه الإنس والجانّ.

وقوله: فما زال وجود الاشتراك في كلّ نحلة ومذهب، وما ثمّ عقل يدلّ على خلافه ولا خبر إلهيّ في شريعة.. إلخ؛ ممنوع؛ إذ العقول السليمة والأفهام المستقيمة والبراهين القطعيّة والدلائل النقليّة كلّها قد دلّت على ما دلّ عليه أولياء اللَّه وأهل بيت العصمة وخلفاء الدين والأئمّة الذين هم كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هوى، من نفي الجبر والقدر والاشتراك كما يأتي تحقيقه إن شاء اللَّه تعالى؛ فقوله ذلك رجم بالغيب بلا شكّ ولا ريب.

وقد روى الثقة الجليل أحمد بن أبي طالب الطبرسيّ وغيره في كتاب الاحتجاج أنّه دخل أبو حنيفة المدينة ومعه عبد اللَّه بن مسلم، فقال له: يا أبا حنيفة، إنّ هاهنا جعفر بن محمّد من علماء آل محمّد (صلى الله عليه وآله)، فاذهب بنا نقتبس منه علماً.

فلمّا أتيا إذا هما بجماعة من شيعته ينتظرون خروجه أو دخولهم عليه، فبينما هم كذلك إذ خرج غلام حدث (13)، فقام الناس هيبة له، فالتفت أبو حنيفة وقال: يا بن مسلم، من هذا؟ قال: هذا موسى ابنه. قال: واللَّه، لأجبهنّه (14) بين يدي شيعته. قال: مه، لن تقدر على ذلك، قال: واللَّه لأفعلنّه. ثمّ التفت إلى موسى (عليه السلام)، فقال: يا غلام، أين يضع الغريب حاجته في بلدتكم هذه؟ قال: «يتوارى خلف الجدار، ويتوقّى أعين الجار، وشطوط الأنهار، ومسقط الثمار، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، فحينئذٍ يضع حيث شاء». ثمّ قال: يا غلام، ممّن المعصية؟ قال: «يا شيخ، لا تخلو من ثلاث: إمّا أن تكون من اللَّه وليس للعبد شيء، فليس للحكيم أن يأخذ عبده بما لم يفعله، وإمّا أن تكون من العبد ومن اللَّه، واللَّه أقوى الشريكين، فليس للشريك الأكبر أن يأخذ الأصغر بذنبه، وإمّا أن تكون من العبد وليس من اللَّه شيء؛ فإن شاء عفا وإن شاء عاقب». قال: فأصابت أبا حنيفة سكتة كأنّما ألقم فوه الحجر. قال: فقلت له: ألم أقل لك لا تتعرّض لأولاد رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله)؟!

وفي ذلك يقول الشاعر هذه الأبيات:

لم تخل أفعالنا اللاتي نذمّ بها * إحدى ثلاث معان حين نأتيها

إمّا تفرّد بارينا بصنعتها * فيسقط اللّوم عنّا حين ننشيها

أو كان يشركنا فيها فيلحقه * ما سوف يلحقنا من لايم فيها

أو لم يكن لإلهي في جنايتها * ذنب ‌فما الذنب إلّا ذنب‌ جانيها (15).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي، ج 1، ص 159، باب الجبر والقدر، ح 9 - 12؛ التوحيد، ص 360، ح 3؛ الاعتقادات، ص 33؛ الاحتجاج، ج 2، ص 414 و451؛ رسائل المرتضى، ج 1، ص 135؛ تصحيح الاعتقاد، ص 46؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 51، ح 82، ص 116، ح 46.

(2) في الأصل: «سئل»، وما أثبت من المصدر.

(3) الكافي، ج 1، ص 159، باب الجبر والقدر، ح 9؛ التوحيد، ص 360، ح 3؛ وعن التوحيد في بحار الأنوار، ج 5، ص 51، ح 82.

(4) الكافي، ج 1، ص 159، باب الجبر والقدر... ح 10.

(5) العقائد، ص 14؛ التوحيد، ص 365، ح 3؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 5، ص 97، ح 22.

(6) التوحيد، ص 383 - 384، ح 32؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 97.

(7) تفسير القرآن الكريم، صدر المتألّهين، ج 1، ص 22 - 23.

(8) في المصدر: «كمال لا تليق» بدل «كما لا يليق».

(9) شرح المقاصد، ج 4، ص 263 - 264 نقلًا عن الرازي.

(10) في الفتوحات: «فله الإلهام فينا ولنا العمل بما ألهم... فقد يكون عطاؤه الإلهام، وقد يكون خلق العمل».

(11) في نسخة ظ: «بها».

(12) الفتوحات المكّية، ج 3، ص 207 - 208؛ تفسير القرآن الكريم، ج 1، ص 440 - 442. وبعض الزيادات أو موارد الخلاف أثبتناها من الفتوحات.

(13) يقال للفتى الشابّ: حديث السنّ، فإذا حذف السنّ قلت: حدث - بفتحتين - وجمعه أحداث. كتاب العين، ج 3، ص 177 (حدث).

(14) في المصدر: «أخجله».

(15) الاحتجاج، ج 2، ص 387.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

الاكثر قراءة في أحاديث وروايات مختارة

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد