الأراضي المملوكة للدولة المثقلة بحقوق تصرفيه
المؤلف:
احمد عبد الأمير عبد الرب
المصدر:
الرقابة الإدارية على التصرفات في الأراضي الزراعية
الجزء والصفحة:
ص 27-30
2026-08-01
22
لم يعرف هذا الصنف من الأراضي في مصر، فالأراضي فيها أما مملوكة للدولة أو للأفراد، ولعل السبب في ذلك هو انفصال مصر عن الإمبراطورية العثمانية قبل شيوع هذا الصنف، إذ يعد قانون الأراضي العثماني المصدر الأساس لفكرة حق التصرف فمنه انتقلت إلى العراق وكذلك إلى دول أخرى كالأردن ولبنان (1). ونظراً لشيوع هذه الصنف في العراق؛ لابد لنا من إيضاح المعالم الأساسية له من خلال بيان طبيعة الأراضي الزراعية المملوكة للدولة أولاً ، فهل يعني أن ملكيتها ملكية عامة أم أنها ملكية خاصة؟، ومن ثم بيان المقصود بعبارة المثقلة بحقوق تصرفيه (حق التصرف) في الفقرتين الآتيتين:
أولاً - الطبيعة القانونية للأراضي الزراعية المملوكة للدولة : - لا خلاف في أن الأصل في الأموال المملوكة للدولة هي أموال مملوكة ملكية خاصة، وأن تخصيص أموال الدولة للمنفعة العامة هو الذي يخرجها من دائرة المعاملات ويمدها القانون بالحصانة التي يضفيها على الأملاك العامة والمتمثلة بعدم جواز بيعها والتصرف فيها أو تملكها بالتقادم ، ألا بقانون (2)، فاذا زال هذا التخصيص عادت إلى وضعها الأول كأموال خاصة، وهذا هو شأن الأراضي الزراعية التي أجاز القانون التصرف بها من قبل الدولة عن طريق بيعها أو تأجيرها أو منح حق التصرف فيها.
قد وردت في الفقه تعريفات متعددة لأموال الدولة الخاصة، فقد عُرفت عند بعضهم على إنها: " أموال تملكها الدولة ملكية خاصة، ويجوز التصرف بها بالبيع أو الإيجار أو الاستئجار، وتخضع الأحكام القانون الخاص عند التصرف بها، وتسري عليها القواعد المتعلقة بالتقادم في القانون الخاص" (3)، وعرفها بعضهم الآخر بأنها الأموال التي تملكها الإدارة ملكية عادية مماثلة للملكية الخاصة للإفراد، ولذلك فهي تخضع كقاعدة عامة للأحكام القانونية نفسها التي تخضع لها الأموال الخاصة للأفراد التي يضمها القانون المدني ويختص بنظر المنازعات المتعلقة بها جهة القضاء العادي (3) .ولا يتفق بعضهم إلى ما ذهب إليه الكثير من الفقهاء حول مسألة اطلاق خضوع التصرفات الجارية على أموال الدولة الخاصة لقواعد القانون الخاص، فهناك الكثير من أموال الدولة الخاصة لا تخضع لأحكام القانون المدني، وإنما لأحكام قوانين خاصة تنظم هذه التصرفات وتوفر الدولة حماية لها لامثيل لها في القواعد المنظمة لتصرفات الأفراد في أملاكهم الخاصة وتلجأ الدولة لحمايتها من دون اللجوء للقضاء العادي بواسطة جهات حكومية تملك إصدار قرارات ذات طبيعة إدارية لإزالة التعدي والتجاوز على أموال الدولة الخاصة(4)، وبهذا قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بقولها: ..... أن المشرع منح أموال الدولة الخاصة حماية قانونية بأن حظر تملكها أو كسب حق عيني عليها بالتقادم أو الاعتداء عليها، وخول الوزير المختص سلطة إزالة التعدي الذي يقع على هذه الأموال بالطريق الإداري...(5) ، ويؤيد الباحث هذا الرأي الأخير وخصوصاً في مجال الأراضي الزراعية التي وفر لها المشرع حماية خاصة وخول الإدارة صلاحيات واسعة حيالها ومنها سلطة حل الأرض الزراعية من دون اللجوء إلى القضاء. أما بالنسبة للتشريعات فالملاحظ أن غالبيتها اقتصرت على تعريف الأموال العامة من دون أن يرد فيها تعريفاً للأموال الخاصة، ومنها القانون المدني العراقي والمصري (6).
ثانيا - مفهوم حق التصرف - لم يرد تعريفاً لمصطلح حق التصرف في القانون المدني، رغم انه نظم حق التصرف وأحكامه من حيث نطاقه والقيود الواردة عليه وحمايته وأحكام الشيوع فيه وأسباب كسبه وانقضائه (7) ، ولم يرد كذلك في التشريعات الزراعية التي تناولته في مواضع عديدة، إلا أن الفقه بين المراد من هذا المفهوم وأورد تعريفات متعددة تتسم بوضوح المعنى، فعرفه بعضهم بانه · حق التصرف بالأراضي الأميرية من الانتفاع بالعين واستغلالها بكافة الوجوه المقررة قانوناً مع أن رقبتها إلى الدولة"(8)، وعرفه آخر بأنه: "حق عيني أصلي يرد على الأراضي الأميرية يخول صاحبه استعمال الأرض واستغلالها لأغراض الزراعة ضمن الشروط التي يقررها القانون (9) ، ويراه آخر بأنه:" حق عيني عقاري يرد على الأراضي الأميرية يخول صاحبه استعمال الأرض واستغلالها لأغراض الزراعية (10)
وقبل صدور قانون توحيد أصناف أراضي الدولة رقم (53) لسنة 1976 النافذ كانت الأراضي العائدة للدولة (الأراضي الأميرية ) تضم أصناف متعددة وهي: الأراضي الأميرية الصرفة (11) ، والأراضي المفوضة بالطابو (12) ، والأراضي الممنوحة باللزمة(13)، والأراضي المتروكة والأراضي الموقوفة وقفاً غير صحيح (14) ، ويدخل حق التصرف ضمن نطاق أول صنفين منها، وبموجب الفقرة (الأولى) من المادة (الأولى) من القانون آنفاً أصبحت هذه الأصناف جميعها من صنف واحد وهو ( المملوكة للدولة)، إلا ان القانون ابقى على الحقوق التصرفية للأفراد كما هي، اذ نصت الفقرة (الثانية) من المادة آنفا على انه: " يبقى لأصحاب الحقوق التصرفية في الأراضي المذكورة في البند (أولاً) من هذه المادة حق التصرف بالأرض حسب التعامل السابق، ويؤشر هذا الحق في سجلاتها ومستنداتها الخاصة. ومن الجدير بالذكر ان القانون سالف الذكر وتعليماته رقم (132) لسنة 1970 قد نظم بشكل تفصيلي حقوق والتزامات صاحب حق التصرف، ومن ثمة فهو القانون المطبق في الغالب على هذا النوع من الأراضي وفق قاعدة الخاص يقيد العام .
ويتقارب حق التصرف من حق الملكية بجوانب متعددة، من حيث كلاهما من الحقوق العينية الأصلية، إلا أن الفارق الأساس هو أن صاحب حق التصرف يملك المنفعة من دون رقبة الأرض، في حين يملك المالك الرقبة والمنفعة معاً(15)، وكذلك قد يتشابه مع حق آخر وهو حق الانتفاع (16) الذي عرف بأنه : " حق انتفاع بشيء يملكه آخر مثل مالكه نفسه بشرط حفظ "جوهره، إلا أن هذا الحق يرد على العقارات والمنقولات ويرتبط بشخص المنتفع حيث ان الموت سبب لانقضائه، في حين حق التصرف يرد على الأراضي الزراعية الأميرية فقط وينتقل بعد الوفاة للورثة .
________
1- ينظر محمد نجم سلطان عيسى الشمري، حق التصرف في الأراضي الأميرية دراسة مقارنة"، رسالة مقدمة إلى مجلس كلية القانون في جامعة كربلاء، 2016، ص 1و 2.
2- ينظر احمد طلال عبد الحميد النظام القانوني لأموال الدولة الخاصة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2011. ص 59. ينظر د. أعاد حمود القيسي، المالية العامة والتشريع الضريبي، دار الثقافة للنشر والتوزيع عمان، 2000، ص 60.
3- ينظر د. سامي جمال الدين أصول القانون الإداري، منشأة المعارف للنشر ، الاسكندرية، 2004، ص 547.
4- ينظر احمد طلال عبد الحميد، المصدر السابق، ص 461.
5- جلستها المؤرخة في 2002/1/5 ، الطعن (2190) لسنة 1948 ، ق 4 ، نقلاً عن د. محمد ماهر أبو العينين، المفصل في شرح اختصاص مجلس الدولة وفقاً للأحكام والفتاوى حتى عام 2005، ج 4 ، دار أبو المجد للطباعة في الهرم ، دون سنة طبع ، ص 206.
6- تنص المادة (71) من القانون المدني العراقي على انه : 1 - تعتبر أموالا عامة العقارات والمنقولات التي للدولة أو للأشخاص المعنوية، والتي تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى القانون. 2- وهذه الأموال لا يجوز التصرف فيها أو الحجر عليها أو تملكها بالتقادم ، ويقابلها المادة (90) من القانون المدني المصري.
7- ينظر الباب الخاص بالحقوق المتفرعة عن حق الملكية ، المواد (1169-1284)، من القانون المدني العراقي.
8- ينظر عبد الرحمن ،خضر شرح القانون المدني المواد الخاصة بالحقوق العينية المتفرعة عن حق الملكية، مطبعة العاني، بغداد، الطبعة الأولى، 1953، ص 9.
9- ينظر د. يوسف محمد عبيدات الحقوق العينية الأصلية ،والتبعية، ط1، دار المسرة للنشرة والتوزيع والطباعة، 2011، ص201.
10- ينظر د. علي هادي العبيدي الوجيز في شرح القانون المدني الحقوق العينية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2013، ص188.
11- وهي التي تعود رقبتها وكافة حقوق التصرف فيها إلى الدولة، ينظر د. غني حسون طه و محمد طه البشير ، الحقوق العينية الأصلية، ج 1، الناشر العاتك لصناعة الكتب، القاهرة، توزيع المكتبة القانونية، بغداد، بدون سنة طبع ، ص 270.
12- وهي الأراضي الأميرية التي تعود رقبتها للدولة ولكن فوضت الدولة حق التصرف فيها إلى الأفراد وفق أحكام القوانين، ينظر د. غني حسون طه و محمد طه البشير ، الحقوق العينية الأصلية، ج 1، الناشر العاتك لصناعة الكتب، القاهرة، توزيع المكتبة القانونية، بغداد، بدون سنة طبع ، ص 270.
13- وهي الأراضي التي فوض حق اللزمة فيها إلى الأشخاص وفق أحكام القوانين، ويقصد بحق اللزمة بأنه حق التصرف بالأراضي الأميرية حسب أحكام القوانين، ينظر في ذلك ضياء علي عبد العبيدي، المرشد الوافي لأحكام الإصلاح الزراعي، دار الكتب والوثائق، بغداد، 2017، ، ص 84.
14- ورد تعريف الأراضي المتروكة والموقوفة عند الحديث عن مرحلة العهد العثماني فـي الفرع الأول من المطلب الثاني من هذا المبحث.
15- وللمزيد من التفاصيل المتعلقة بالفوارق بين حق الملكية وحق التصرف، يراجع رجاء كامل فقها التنظيم القانوني للأرضي الأميرية، رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة النجاح الوطنية في فلسطين ، 2012، ص 57و 58.
16- وقد تناول القانون المدني العراقي حق الانتفاع بالمواد (1249-12609) دون إيراد تعريفا له.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المدني
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة