0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

الشفافية والعدالة أساسا لبناء الثقة بين المكلف والإدارة الضريبية

المؤلف:  علي هاشم جواد نصر الله

المصدر:  التقدير الذاتي للضريبة واثره في فاعلية النظام الضريبي في العراق

الجزء والصفحة:  ص 146-155

2026-05-21

8

+

-

20

إن الشفافية والعدالة الضريبية ليستا شعارات قانونية مجردة, بل هما جوهر العلاقة بين الإدارة الضريبية والمكلف. فحين تكون القواعد واضحة والإجراءات معلنة، والحقوق والواجبات محددة، يشعر المكلف بالاطمئنان ويزداد التزامه بأداء ما عليه من ضرائب. وقد أسهم نظام التقدير الذاتي في تعزيز هذه القيم عبر نقل محور العلاقة من الرقابة القسرية إلى الرقابة الطوعية المبنية على الثقة والمساءلة الذاتية. فالشفافية تُظهر للمكلف أن الإدارة لا تستهدفه بل تسعى لتحقيق العدالة والعدالة تُقنعه بأن عبء الضريبة موزع وفق القدرة على الدفع. وفي هذا الموضوع سنبحث العلاقة بين التقدير الذاتي والشفافية من جهة، وتحقيق العدالة الضريبية من جهة أخرى، ودورهما في بناء الثقة واستقرار النظام المالي.
أولا: مفهوم الشفافية الضريبية
عد الشفافية الضريبية من أهم الأسس التي تقوم عليها الإدارة الضريبية الحديثة، لما لها من أثر مباشر في تعزيز الامتثال الطوعي وتخفيف النزاعات بين المكلف والإدارة. ويقصد بالشفافية الضريبية وضوح النصوص القانونية والتعليمات والإجراءات، وإتاحة المعلومات اللازمة حول حقوق المكلف وواجباته، فضلا عن إعلان آليات الفحص والتقدير والاعتراض بصورة تمنع الغموض والالتباس(1). إن هذه العناصر تمثل البيئة الطبيعية لنجاح نظام التقدير الذاتي الذي يعتمد على صدق المكلف في احتساب الضريبة المطلوبة منه استنادًا إلى بيانات واضحة وشفافة، ومن هنا فيتضح لنا أن الشفافية الضريبية ترتبط ارتباطا وثيقا بمبدأ العدالة الضريبية؛ فكلما ازدادت وضوحًا وتناسقا، شعر المكلف بأن النظام يطبق على الجميع دون تمييز (2).
كما أن الشفافية تحد من السلطة التقديرية الواسعة للموظف الضريبي، والتي قد تتسبب في تفاوت المعاملة بين المكلفين، وبالتالي ضعف الثقة بالإدارة. وفي المقابل، فإن وضوح الإجراءات وتوحيدها يسهم في رفع كفاءة الإدارة نفسها، لأنه يقلل الأخطاء ويقلص الوقت المخصص لمراجعة الملفات بسبب نقص المعلومات أو اختلاف تفسير التعليمات (3).
وتشير التجارب العربية المعاصرة، مثل التجربة الأردنية والمصرية، إلى أن تعزيز الشفافية من خلال إصدار أدلة إرشادية ونشر التعليمات وتوفير منصات إلكترونية للمكلفين يرفع مستوى الامتثال الضريبي ويقلل من النزاعات فحين تتوفر للمكلف المعلومات الكافية، يصبح قادرا على تقديم إقرار ضريبي دقيق دون خوف من تقديرات تختلف من موظف لآخر (4).
أما في العراق، فما تزال الشفافية تواجه تحديات تتعلق بتعقيد النصوص الضريبية، وكثرة التعديلات المتلاحقة، وعدم توافر دليل عملي موحد يضم الإجراءات خطوة بخطوة. وهذا يفتح الباب للاجتهاد الشخصي، ويجعل العلاقة بين المكلف والإدارة علاقة قابلة للتوتر بدلا من بناء الثقة والامتثال الطوعي (5). ومن هنا، يتضح أن الشفافية ليست مجرد جانب إداري، بل هي عنصر رئيس لبناء بيئة ضريبية مستقرة تقوم على التعاون والثقة والوضوح، وهو ما يجعلها أساسًا لنجاح نظام التقدير الذاتي في أي دولة تسعى إلى تحديث نظامها الضريبي.
يرى الباحث أن تعزيز الشفافية الضريبية في العراق يعد خطوة جوهرية لإصلاح النظام الضريبي وتنمية التقدير الذاتي لدى المكلفين. فالممارسات الحالية التي يغلب عليها التعقيد والغموض تضعف الامتثال الطوعي وتزيد من حالات النزاع. أما توفير تعليمات واضحة، وإصدار دليل رسمي شامل، وتوحيد إجراءات الفحص والاعتراض، فسيؤدي إلى دعم الثقة بين الإدارة والمكلفين ويقلل من السلطة التقديرية غير المنضبطة. كما أن اعتماد منصات إلكترونية حديثة سيساعد على ضمان وصول المعلومات للجميع بالتساوي، مما يعزز العدالة الضريبية ويقلل فرص الخطأ. ويخلص الباحث إلى أن الشفافية ليست مجرد نصوص مكتوبة، بل هي : ثقافة مؤسسية يجب أن تتبناها الإدارة الضريبية عبر تدريب موظفيها وتطوير أدواتها، بحيث يصبح التقدير الذاتي ممارسة مستقرة تعود بالنفع على الدولة والمكلف في أن واحد.
ثانياً: العدالة الضريبية كأساس للثقة المتبادلة
يُعدّ العدالة الضريبية أحد أهم المبادئ التي يقوم عليها النظام الضريبي الحديث، إذ يرتبط تحقيقها بدرجة كبيرة بمستوى الثقة المتبادلة بين المكلف والإدارة الضريبية. فالعدالة ليست مجرد مبدأ قانوني منصوص عليه في التشريعات، بل هي إطار تطبيقي ينعكس على شعور المكلف بأن الدولة تتعامل معه على أساس المساواة وتكافؤ الفرص وعدم التمييز (6). إن غياب العدالة، سواء في التشريع أو التطبيق، يؤدي إلى ضعف الامتثال وزيادة حالات التهرب والتجنب الضريبي؛ لأن المكلف يشعر حينئذ بأن العبء الضريبي غير موزّع بشكل منصف. وتشمل العدالة الضريبية بعدين رئيسيين: العدالة الأفقية التي تعني المساواة بين المكلفين ذوي الظروف المتماثلة، والعدالة العمودية التي تراعي الفروق في القدرة التكليفية فيما بينهم. ويؤكد الأدب المالي العربي أن تفعيل هذين البعدين يسهم في خلق بيئة ضريبية مستقرة تقل فيها النزاعات، لأن المكلف يرى أن الضريبة المفروضة عليه تتناسب مع دخله أو نشاطه، وأن الآخرين لا يُعفون تعسفا ولا يُحملون فوق طاقتهم (7).
ويتبين أن العدالة الضريبية تعد أساسًا لبناء الثقة المتبادلة؛ فالشفافية وحدها لا تكفي ما لم يكن التطبيق قائما على معايير صريحة للإنصاف فإذا شعر المكلف بأن الإدارة تعتمد أسلوبًا موحدًا في الفحص والتقدير، وأن القرارات الضريبية تُصدر على وفق قواعد معلنة ،ومفهومة، فإنه يكون أكثر استعدادًا للامتثال لأن الثقة تبنى على الإحساس بالعدالة لا على الإلزام وحده (8).
ومن واقعنا الملموس في العراق، نجد أن أبرز أسباب الانتقادات الموجهة للنظام الضريبي تعود إلى عدم وضوح معايير العدالة في التطبيق، سواء بسبب تفاوت التقديرات بين الموظفين، أو اختلاف تفسير التعليمات، أو تأخر إصدار الأدلة الإجرائية. وقد أظهرت عدة دراسات ميدانية أن المكلف العراقي يعتقد أن الامتثال الضريبي يرتبط وبشكل رئيسي بمدى عدالة الإدارة في التعامل معه ومع أقرانه، كما أن عدم استقرار التشريعات وكثرة الاستثناءات تضعف الثقة، لأنها توحي بأن النظام قابل للتأويل أو الاستفادة الخاصة، وليس قائمًا على أسس موضوعية (9).
ومن هنا، نرى أن يصبح تعزيز العدالة الضريبية ضرورة إصلاحية ملحة، يتم تحقيقها من خلال: توحيد الإجراءات، وتبسيط النصوص، وتقليل الاستثناءات واعتماد معايير واضحة للتقدير، ونشر التعليمات بشكل مسبق ومتوازن. فكل خطوة باتجاه العدالة تُعد خطوة مباشرة نحو رفع مستوى الامتثال الطوعي وتقوية العلاقة بين المكلف والإدارة الضريبية والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
ثالثاً: دور التقدير الذاتي في تكريس الشفافية الضريبية
كما بينا سابقا عن مفهوم الشفافية وهي تعني وضوح القوانين والإجراءات لضمان العدالة وبناء الثقة, فإن نظام التقدير الذاتي يمثل أحد أهم الأسس الجوهرية في النظام الضريبي المتطور، إذ يبنى على إعطاء المكلف الثقة لمحاسبة نفسه ذاتيًا وتحديد الضريبة المستحقة على وفق البيانات الحقيقية لنشاطه، دون اعتماد مباشر على تقديرات الموظف الضريبي. ويُعد هذا النظام من أكثر الأنظمة ارتباطا بمبدأ الشفافية الضريبية، لأن نجاحه يتوقف بصورة مباشرة على مدى وضوح التشريعات والتعليمات التي يستند إليها المكلف في إعداد إقراره الضريبي (10) فالتقدير الذاتي لا يمكن أن نجده ما لم يكن المكلف قادرًا على فهم حقوقه وواجباته بصورة واضحة غير قابلة للتأويل.
إن التقدير الذاتي يؤدي إلى تعزيز الشفافية عبر تقليل السلطة التقديرية الواسعة لدى الموظفين الأمر الذي يُعد من أكبر الاسس الغامضة في العديد من الأنظمة الضريبية التقليدية (11). فعندما تكون عملية التقدير بيد المكلف، فإن دور الإدارة يتحول من صاحبة التقدير الأوحد إلى جهة رقابية فقط، وهذا التحول يُجبرها على وضع قواعد وإجراءات مكتوبة ومعلنة، ويقلل من الاجتهاد الفردي الذي يؤدي إلى تفاوت المعاملة بين المكلفين. كما يسهم التقدير الذاتي في توسيع قاعدة المعلومات التي تملكها الإدارة الضريبية لأن المكلف يقدم بيانات تفصيلية حول دخله وأنشطته ومستنداته، وهذا بدوره يرفع من مستوى الشفافية التشغيلية داخل الإدارة نفسها. إذ تصبح المعلومات موثقة وقابلة للمراجعة، بدلا من الاعتماد على تخمينات أو تقديرات عامة كما هو الحال في الأنظمة التقليدية.
ومن ناحية أخرى، فإن هذا النظام يشجع في رفع مستوى الثقة المتبادلة بين المكلف والإدارة الضريبية، لأن المكلف يشعر بأن الدولة وضعت ثقتها فيه ومنحته الحرية في تقدير ضريبته، مقابل التزامه بتقديم إقرارات دقيقة. وفي المقابل، تُظهر الإدارة الضريبية شفافية في تعاملها عبر نشر التعليمات وتوضيح آليات الفحص، وبيان مبادئ الاعتراض والطعون، مما يجعل العلاقة أكثر توازنا وأقل توتراً (12).
ومن الأمثلة الواضحة على حاجة النظام الضريبي إلى تفعيل التقدير الذاتي لتعزيز الشفافية. فقد بين الواقع العملي الملموس أن التقدير التقليدي ما زال يفتح المجال للاجتهاد الشخصي واختلاف التقديرات، مما يُضعف الثقة ويزيد من النزاعات أمام اللجان الضريبية والمحاكم وفي ظل التعقيد التشريعي وكثرة التعديلات، يصبح نشر تعليمات شفافة وتطبيق نظام التقدير الذاتي ضرورة لا خيارا، لضمان تحسين الامتثال الطوعي وتقليل التهرب وتحقيق العدالة (13).
ولذلك، يتبين أن التقدير الذاتي ليس مجرد آلية فنية لتحصيل الضرائب، بل هو ضرورة ملحة لتعزيز الشفافية وبناء الثقة ولتطوير الأداء الإداري، وتأسيس نظام ضريبي يقوم على الوضوح والمسؤولية المتبادلة.
ويرى الباحث أن نظام التقدير الذاتي يمثل نقطة تحول أساسية في تعزيز الشفافية داخل الإدارة الضريبية، لأنه يفرض على المؤسسة الضريبية نشر كل المعلومات والإجراءات المتعلقة بالضريبة، ويمنع عنها إمكانية استخدام التقديرات الشخصية في فرض الالتزامات. إذ كلما أصبح المكلف قادرًا على تحديد ضريبته بدقة، كلما قلت حالة الغموض التي تعد المصدر الأكبر لانعدام الثقة. كما أن التقدير الذاتي يضع المكلف في موقع المسؤولية، فيبدأ بالتعامل مع الضريبة كواجب قانوني قائم على التزام أخلاقي ومؤسسي، وليس كعبء مفروض دون وضوح. ويضيف الباحث أن تطبيق التقدير الذاتي في العراق يحتاج إلى تجديد وتحديث التشريعات اللازمة له، وكذلك نشر دليل شامل وواضح، وأيضا يجب الاعتماد على المنصات الإلكترونية في تقديم الإقرارات، وتدريب الموظفين على ثقافة الشفافية بدلا من ثقافة السلطة. إذ لا يمكن تحقيق الشفافية دون تغيير الثقافة الإدارية والانتقال من البيروقراطية الإدارية الى الديمقراطية. ونستخلص من ذلك إلى أن التقدير الذاتي يمثل أحد أهم الأدوات الإصلاحية القادرة على تحويل النظام الضريبي العراقي من نظام تقليدي قائم على التقدير الإجباري، إلى نظام حديث قائم على الثقة الشفافية، والامتثال الطوعي وهو بذلك يحقق مصلحة الدولة والمكلف على حد سواء.
رابعاً: أثر العدالة في تحسين العلاقة بين المكلف والإدارة -
إن العلاقة بين المكلف والإدارة الضريبية هي من الركائز الأساسية لتطوير ونجاح النظام الضريبي في أي دولة، إذ تعتمد كفاءة التحصيل وارتفاع معدلات الامتثال الطوعي على مستوى الثقة المتبادلة بين الطرفين. ويؤكد الباحثون أن بناء علاقة إيجابية يتطلب اعتماد الإدارة الضريبية مبدأ الوضوح والشفافية في جميع إجراءاتها، بدءًا من إصدار التعليمات، مرورًا بعملية الفحص، وصولا إلـى البـت فـي الاعتراضات والنزاعات (14) فحينما يشعر المكلف بأن الإجراءات واضحة وغير قابلة للاجتهادات الفردية، فإنه يتفاعل مع النظام الضريبي بثقة أكبر.
ومن أهم الطرائق التي تُساهم في توثيق وتحسين العلاقة هو تبسيط الإجراءات؛ إذ إن التعقيد الإداري يعد من أكبر المعرقلات التي تخلق التوتر بين الإدارة والمكلفين. فالإجراءات المعقدة والطويلة وصعوبة فهم التعليمات، وكثرة المستندات تشكل بيئة معرقلة وتزيد احتمالات سوء الفهم وبالتالي النزاع. ولكن تبسيط الخطوات واعتماد النماذج الموحدة والإرشادات المكتوبة، يرفع مستوى الامتثال ويجعل العلاقة أكثر مهنية واحتراماً (15)
وأيضا فأن تفعيل نظام التقدير الذاتي يعتبر خطوة جوهرية في تحسين العلاقة، لأنه يمنح المكلف شعورًا بالثقة بنفسه في تقديم اقراره، ويقلل من الاحتكاك المباشر مع الموظفين، وهو ما يحد من المشكلات الناتجة عن التقديرات الشخصية. فالدور الرقابي للإدارة بديلا عن الدور التقديري يؤدي إلى
علاقة أكثر وثوقا لكلا طرفي المعادلة قائمة على المسؤولية المشتركة لا على الهيمنة الإدارية (16). إضافة لذلك، فيُعد التواصل الفعال عنصرًا مهمًا، سواء من خلال المكاتب الضريبية أو المنصات الإلكترونية أو الخطوط الساخنة، لأن كثيرًا من الخلافات التي تنشأ بين المكلف والإدارة سببها سوء التواصل أو غياب المعلومة. ويتبيّن من ذلك أن الإدارة التي توفر شروحًا واضحة، ونشرات دورية، وأدلة إرشادية تحقق مستوى أعلى من التفاهم والثقة (17).
ويلعب التطور التكنولوجي دورًا كبيرا في تحسين العلاقة، إذ إن التحول الرقمي يقلل من التماس المباشر، ويعطي للمكلف فرصة ذهبية في تقديم اقراراته ومتابعة معاملاته إلكترونيًا، مما يخلق الشفافية في الإجراءات ويقلل الوقت والجهد والمشكلات. وقد أثبتت التجارب في بعض الدول العربية، مثل الأردن ومصر، أن الأنظمة الإلكترونية ضاعفت الامتثال وخفضت الشكاوى؛ لأنها تمنع الاجتهاد الفردي وتعطي المكلف إمكانية متابعة معاملته بوضوح (18).
وفي العراق، فنجد أن ضعف الثقة بين المكلفين والإدارة يعود إلى عدة أسباب، أهمها هو التعدد وكثرة اصدار التعليمات، وكذلك اختلاف التقديرات من موظف لأخر، وأيضا ضعف التواصل، وقلة الأدلة الإجرائية الموحدة ومن هنا، فإن تحسين العلاقة يتطلب إصلاحات أساسية وجذرية تشمل تطوير التشريعات وإصدار دليل موحد والتوسع بالأخذ بأسلوب التقدير الذاتي، واعتماد التحول الرقمي الكامل.
فهذه الخطوات لا تعزز الثقة فحسب، بل ترفع كفاءة النظام الضريبي وتحد من التهرب، وتخلق بيئة مالية مستقرة على المدى الطويل.
وإذ نرى أن في تحسين العلاقة بين المكلف وادارته الضريبية هي الحل الأساس لأي إصلاح ضريبي حقيقي، لأن النظام الضريبي لا ينجح بالقوة القانونية وحدها، بل عبر بناء جسور الثقة والالتزامات الطوعية. إذ إن المكلف لن يمتثل ما لم يشعر بأن الإدارة عادلة وشفافة وتعامله باحترام. ويرى الباحث أن الحل يبدأ بتبسيط الإجراءات، وتوحيد التعليمات، وتفعيل التكنولوجيا، إضافة إلى تدريب الموظفين على أسلوب التواصل المهني. كما يؤكد أن التقدير الذاتي هو نقطة التحول الأساسية، لأنه يحد من السلطة التقديرية ويفرض على الإدارة اعتماد معايير واضحة، وأخيرا فأننا نستخلص من كل ذلك إلى أن بناء علاقة إيجابية بين الإدارة والمكلف ليس مجرد هدف إداري، بل هو استراتيجية وطنية تؤثر في الإيرادات العامة والاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وكلما تطورت هذه العلاقة، كلما تحسن الامتثال وارتفعت موارد الدولة، وتراجعت النزاعات.
خامساً: التقدير الذاتي كآلية لبناء الثقة في العراق
إن التقدير الذاتي يُعد من أهم الأساليب الحديثة التي اعتمدتها الأنظمة الضريبية المعاصرة بهدف توثيق وتعزيز الثقة بين المكلف وادارته الضريبية، خصوصا في الدول التي تروم الانتقال من نظام يقوم على الشك والريبة والرقابة المشددة إلى نظام قائم على الشفافية والمسؤولية المتبادلة. وفي النهج العراقي اكتسب هذا الأسلوب أهمية متزايدة مع تنامي الحاجة إلى منهج ضريبي يوازن بين متطلبات العدالة من جهة، وبين ضرورة كسب تعاون المكلفين من جهة أخرى، وذلك لضمان الامتثال الطوعي وتحسين كفاءة التحصيل. ويقوم التقدير الذاتي على منح المكلف صلاحية تحديد وعاء الضريبة المستحقة عليه وتقديم الإقرار وفقًا للبيانات والمعطيات الحقيقية التي يعلنها على أن تمارس الإدارة الضريبية دورها الرقابي اللاحق بشكل موضوعي وواضح، وهو ما يعد خطوة جوهرية نحو بناء علاقة تقوم على الثقة المتبادلة (19) إنّ الأساس في اسلوب التقدير الذاتي هو تحويل المكلف من مجرد طرف مجبر إلى شريك في العملية الضريبية، الأمر الذي يفرض على السلطة الضريبية توفير بيئة قانونية وإجرائية شفافة تسهل على المكلفين الامتثال دون خوف أو تكلف ويتطلب ذلك تبسيط التعليمات، وإزالة التعارض بين النصوص، وتوفير قنوات اتصال واضحة، بما يساهم في تقليل الشبهات حول أداء الإدارة الضريبية وحسن نواياها (20) فالشفافية هنا ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي عملية مستمرة تعزز صدقية الإدارة، وتمكن المكلف من الإحساس بأن النظام الضريبي يضع الجميع بكفة واحدة، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات الثقة وتراجع التهرب الضريبي. وتبرز أهمية التقدير الذاتي كذلك في دوره في تخفيف النزاعات الضريبية، إذ كلما كانت البيانات المقدمة من المكلف حقيقية وتحت رقابة لاحقة عادلة، كلما انخفضت حالات الاعتراض والطعن، وهو ما يؤدي إلى توفير الوقت والجهد وتقليل الكلفة الإدارية لكل من المكلف والإدارة. وقد أشار عدد من الباحثين العرب إلى أن التطبيق السليم للتقدير الذاتي يؤدي إلى زيادة الإيرادات العامة دون الحاجة إلى فرض ضرائب إضافية، وإنما عبر توسيع قاعدة الامتثال الطوعي (21). كما أنّ اعتماد التقدير الذاتي في العراق يشكل ركيزة أساسية للانتقال إلى نظام ضريبي متطور يعتمد على التحول الرقمي، حيث تتيح المنصات الإلكترونية إمكانية تقديم الإقرارات الضريبية بدقة وشفافية، وتسمح للإدارة بأن تمارس رقابة لاحقة مبنية على البيانات والتحليلات، مما يعزز الثقة ويحد من الاجتهادات الشخصية التي كانت سببًا لكثير من الشكاوى بشأن عدم العدالة أو غياب التفسير الموحد للنصوص (22). وعليه، فإن تطوير إطار التقدير الذاتي يتطلب تحديث التشريعات، وتدريب الموظفين، وإعادة تعريف العلاقة بين الطرفين على أساس الثقة والمسؤولية المشتركة، بما يجعل المكلف شريكا في تحقيق الاستقرار المالي للدولة.
إن تقييم واقع التقدير الذاتي في العراق برؤيتنا يظهر أنه يمتلك إمكانات كبيرة غير مستغلة، إذ ما زال التطبيق يواجه عقبات تتعلق بضعف الثقة التاريخية بين المكلف والإدارة، وتذبذب الشفافية، وتعقيد الإجراءات. ومن وجهة نظري، فإن نجاح التقدير الذاتي لا يعتمد فقط على الإطار التشريعي، بل على إرادة مؤسسية حقيقية في تغيير ثقافة العمل الضريبي من عقلية الجباية إلى عقلية و الشراكة. كما أن المكلف العراقي لا يرفض الامتثال بطبيعته، وإنما يتردد بسبب غياب الوضوح وعدم الاطمئنان إلى الى الإدارة في حيادية تقديراتها. ولهذا نرى أنّ إصلاح النظام الضريبي يبدأ من تعزيز الشفافية، وتوحيد التفسير القانوني، وتوفير بيانات واضحة، واعتماد التكنولوجيا، وهي خطوات كفيلة ببناء الثقة، وبالتالي تحويل التقدير الذاتي إلى أداة فعالة لزيادة الإيرادات وتعزيز العدالة والاستقرار المالي للدولة.
_____________
1- د. عبد الرزاق حميد جاسم الإدارة الضريبية الحديثة وأسس تطويرها، دار الكتب العلمية، بغداد، 2018
2- د. محمود صالح عبد الله الشمري الشفافية والعدالة الضريبية في التشريعات العربية، دار السلوى، عمان، 2020.
3- د. علي صباح جبار القيسي، النظام الضريبي والتقدير الذاتي دراسة تحليلية، الجامعة المستنصرية، بغداد، 2019.
4- د. أحمد عبد الفتاح محمد العوضي، الإدارة الضريبية الإلكترونية وأثرها في الامتثال الضريبي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2017.
5- سامي حسين عبد الأمير العبيدي، العلاقة بين المكلف والإدارة الضريبية دراسة مقارنة مجلة العلوم الإدارية، جامعة بغداد، 2017
6- د. محمد عبد الكريم حسن العاني، مبادئ المالية العامة والنظام الضريبي، دار الحكمة، بغداد، 2016، ص 112
7- د. سعيد عبد الرزاق علي الجبوري، العدالة الضريبية وأثرها في الامتثال، دار الثقافة، عمان، 2019، ص 85.
8- د. عبد الوهاب فاضل حسين الطائي إصلاح النظام الضريبي في الدول النامية، الجامعة المستنصرية، بغداد، 2018، ص 133.
9- د. إيهاب عبد الأمير عبد الله البزاز تحديات الإدارة الضريبية في العراق، مجلة العلوم الإدارية، جامعة بغداد، العدد 24 2020، ص 41
10- د. محمد عبد الكريم حسن العاني، مبادئ المالية العامة والنظام الضريبي، دار الحكمة، بغداد، 2016، ص 157.
11- د. سلمان جبار عبد الحسين الدوري، الإدارة الضريبية الحديثة، دار الثقافة، عمان، 2019، ص 92.
12- محمد عبد الكريم حسن العاني، مبادئ المالية العامة والنظام الضريبي، دار الحكمة بغداد، 2016، ص 157
13- سلمان جبار عبد الحسين الدوري الإدارة الضريبية الحديثة، دار الثقافة، عمان، 2019، ص 92.
14- د. محمد عبد الكريم حسن العاني، مصدر سابق، ص 144.
15- د. سلمان جبار عبد الحسين الدوري، مصدر سابق، ص 101.
16- د. شاكر محمود عبد القادر العزاوي، التقدير الذاتي وأثره في الالتزام الضريبي الجامعة المستنصرية، 2020، ص 63
17- د. عبد الوهاب فاضل حسين الطائي، إصلاح النظام الضريبي في الدول النامية، بغداد، 2018، ص 129.
18- إيهاب عبد الأمير عبد الله البزاز تحديات الإدارة الضريبية في العراق مجلة العلوم الإدارية، جامعة بغداد، 2020 ص 40.
19- د. عبد الكريم جاسم أحمد، النظام الضريبي وأثره في تعزيز الامتثال الطوعي، بغداد، 2019، ص 44.
20- د. عادل عبد الرسول عبد الحسين القانون الضريبي في العراق، دار الثقافة للنشر ، بغداد، 2018، ص 112
21- د. جبار كاظم حسن العدالة الضريبية في النظام العراقي، جامعة الكوفة، 2022، ص 87.
22- د. مازن عبد الهادي سالم، إدارة الضرائب والتحول الرقمي، عمان، دار وائل 2021، ص 133

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد