

الأدب


الشعر

العصر الجاهلي

العصر الاسلامي

العصر العباسي

العصر الاندلسي

العصور المتأخرة

العصر الحديث

النثر


النقد

النقد الحديث

النقد القديم


البلاغة

المعاني

البيان

البديع

العروض

تراجم الادباء و الشعراء و الكتاب
تحليل مسرحية حكاية الايام الثلاثة لعمر النص
المؤلف:
د. فائق مصطفى، د. عبد الرضا علي
المصدر:
في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات
الجزء والصفحة:
ص: 152-161
2026-03-14
25
تحليل مسرحية:
حكاية الايام الثلاثة لعمر النص
منذ ألف ألف عام. هبط مدينة (جالوق) شيخ مهيب الطلعة. وضاح الجبين. له عينان صافيتان كأنهما نبعان من زمرد وشعر أبيض كأنه لؤلؤ مضفور. وقف الشيخ في ظاهر المدينة فرأى الأشجار تمد اليه أغصانها فتتساقط عليه ثمرا. ثم أحس الشيخ بالظمأ فطرق أول باب لقيه فخرجت إليه امرأة صبية فسألها ماء فدخلت الى الدار ثم خرجت تحمل في يدها زهرة بيضاء. عصرتها في يده فسالت ماء ... ولم يلبث الشيخ ان انقلب الى حمامة بيضاء طارت فحطت على ظهر الدار ثم انقضت فجأة فتساقط ريشها وسقطت جثة هامدة. لكن الحمامة لم تمت اذ استحالت الى قطعة من الماس النادر. ثم راحت تكبر حتى صارت في حجم مدينة. مدينة بكاملها. عند ذاك امتلأت السماء لآلئ. لقد اختفت النجوم من أماكنها وحلت محلها لآلئ براقة وأصبحت المدينة تغمر الكون ألقا وضياء. هذا ما تقوله الكتب والرواة والأساطير عن (جالوق) حين تفسر نشأة المبادئ والقيم الروحية والأخلاقية السامية في المدينة. وهي مبادئ تتمسك بها المدينة وتعتز بها أيما اعتزاز. في مطلع القرن الخامس عشر الميلادي يغزو التتار بقيادة تيمورلنك الشام. وتدخل جماعة منهم (جالوق) بحثا عن كنوزها اذ يتناهى إليهم ما تقوله الكتب والاساطير عن لألي المدينة. وهم أثناء محاولتهم العثور على الكنوز. يسمعون عنها كل عجيب وغريب فلا أحد يعرف مكانها. لكنها موجودة في مكان ما. ترقب الغزاة وترصد حركاتهم. وهي تسيل دما في وجوه أهل المدينة ونسغا في ضلوع أبوابها. وقد سرقت كل عين فيها منها بريقا ونسل كل قلب منها فرحة. وانطوى كل حجر عليها ليحميها من أعين الغرباء.
يظل هؤلاء باحثين عن الكنز. فيطرقون جميع الأبواب. ويسألون كل الوجوه. ويلجون كل قبو حتى يعلموا من أمره شيئاً ثم يستدعون أعيان المدينة وبينهم كبير تجار المدينة الذي يريهم بطريقة مثيرة حقيقة الكنز فيقع عليهم ذلك وقع الصاعقة. وتكون فيه هزيمتهم وخذلانهم.
تقع المسرحية في ثلاثة فصول يجري كل منها في يوم واحد من هنا جاء عنوان المسرحية حكاية الأيام الثلاثة. والحدث يجري كله في مكان واحد هو مدينة (جالوق) وتتوافر في الحدث أيضا الوحدة. لأنه يتكون أساسا من واقعة واحدة تبدأ ببداية معينة ثم تنمو وتتطور حتى تصل الذروة فالحل. ان كل ذلك. أعني توافر الوحدات الثلاث. وحدة الزمان والمكان والفعل. أضفى على حبكة المسرحية شيئا من التماسك وجعلها أقرب الى المسرح الكلاسي منه الى المسارح الأخرى. تبدأ أزمة المسرحية في الفصل الأول حيث نلقى كبار التتار في قصر أمير جالوق. وهم يتشاورون في أمر كنز جالوق ويفكرون في وسيلة يعثرون بها على الكنز. فيطلبون بعض أعيان المدينة لهذا الغرض. غير أن هؤلاء لا يفيدونهم في ذلك. بل يملأون نفوسهم قلقا وحيرة بأحاديثهم الغامضة عن الكنز واخيرا يوافق ابن وهب. كبير تجار المدينة. على ان يدلهم على الكنز. في الوقت الذي تزيد فيه مخاوف الجماعة وقلقهم. أما في الفصل الثاني حيث تنمو الأزمة فنجد في الساحة الكبرى للمدينة منصة في وسطها صندوق خشبي مهتري عليه قفل معدني صدي. يصعد قادة التتار الى المنصة ومعهم ابن وهب. وتحضر جموع غفيرة الى الساحة لترقب ما يجري على المنصة. ويبدو ان التتار يريدون مقاضاة ابن وهب. يبدأ الحوار بين التتار وابن وهب وبعض الأهالي عن جالوق. ولم وقع عليها الغزو المغولي وكيف قابلته. ثم يبدأ سؤال بعض الأهالي عن الكنز فتسمع أجوبة متناقضة عنه. بعد ذلك يفتح الصندوق فاذا به حجر كبير مصبوغ بدم. كان هذا حجرا سحق به ميران أحد قادة المغول رأس صبية امتنعت عليه. حين هم باغتصابها. في حن جامع اقتحمته جموع التتار. وأضرمت فيه النار أثناء غزوهم دمشق يواجه ميران بهدا ويحاول انكاره. لكنه سرعان ما يعترف بفعلته الشنيعة هذه. وآنذاك يقتله تاميش القائد الأكبر للمغول. وأما في الفصل الثالث والأخير فنلقى تأميش وقد استيقظ ضميره وهزته جالوق هزا. فأصبح أسيرها. فنراه يصدر أوامره الى جنوده بالرحيل عن المدينة. في حين يظل هو وحده ينتظر مقدم الأمير داود الذي يجيء على رأس جيش لتحرير المدينة ليستسلم له. والإطار العام للحبكة مستمد من التاريخ. ويتمثل في وقائع الغزو المغولي الثاني للشام في مطلع القرن الخامس عشر. لكن الواقعة الرئيسة التي تتكون منها الحبكة. أعنى واقعة بحث التتار عن كنوز جالوق. لم أعثر عليها في المصادر التاريخية التي تناولت هذه المرحلة وربما تكون من نسج خيال المؤلف نسجها من الجو العام الذي ساد الشام أثناء الغزو المغولي وما غرف عن المغول من تكالب ونهب الثروات المدن العربية التي استولوا عليها. وثمة وقائع يرد ذكرها في المسرحية. أخذها المؤلف من تاريخ ابن تغري بردي. مثال ذلك ما جرى لدمشق يوم دخلها التتار:
میران ... لقد دخلنا دمشق وسيوفنا مسلولة فنهبنا ما قدرنا عليه من الدور وسقنا نساء دمشق وأولادنا ورجالها مربوطين بالحبال. ثم طرحنا النار في المنازل والمساجد والدور. وكان يوما عاصف الريح فعم الحريق جميع البلد حتى كاد لهيب النار ان يرتفع إلى السحاب. وعملت النار في المدينة ثلاثة أيام بليالها حتى احترقت كلها. ولا يرد بعض هذه الوقائع مبررا. بل حشوا يمكن حذفه دون ان يختل بناء الحبكة.
ان المحور الذي تدور عليه المسرحية هو البحث عن كنز جالوق. وهذا الكنز ليس في الحقيقة الا كنزا معنويا يتمثل في القيم والمبادئ الروحية السامية التي تشكل أعظم ميزة لجالوق. ميزة لا يمكن ان تدانيها ميزة أخرى. فالكنز هو ضمير جالوق ووجد انها ومواصفاتها الأخلاقية السمحة التي تتمسك بها:
تامیش: تحمين الكنز الذي يختبئ في صدر المدينة.
ريحانة الكنز اؤكد لك ان عيني لم تقع عليه يوما.
تاميش ولكنك تعلمين عنه أشياء كثيرة. أليس كذلك؟
ريحانة لقد ولدت في هذه المدينة فنبت الكنز في صدري. كما نبت في صدر كل انسان فيها.
تاميش أهذا كل ما تعلمينه؟ ألم تعرفي كم يزن؟ كم قطعة هو؟ أين يوجد؟
ريحانة لو عرفت عنه كل ما تقول لما كان كنزا.
من هذا نجد بونا كبيرا بين التتار وسكان جالوق في نظرتهم الى هذا الكنز والصورة التي يحملونها عنه:
ظهير الدين وماذا تريد ان تفعل بالكنز؟
تاميش نأخذه. أهذا سؤال يليق بعالم مثلك ان يسأله.
ظهير الدين ولكن المشكلة هي اننا نحن لا نسأل مثل هذه الأسئلة.
تاميش: هذا يدل على انكم لا تفيدون منه فلماذا لا تسلمونه الينا؟
ظهير الدين: لم يقع في يدنا بعد حتى نسلمه اليكم.
فالتتار لهذا حين يعرفون حقيقة الكنز ويعيشون هذه الحقيقة أثناء مكوثهم في جالوق. يتغيرون. اذ يكشف الكنز عن حقيقتهم ويعري نفوسهم فاذا بهم وجها لوجه أمام آثامهم وذنوبهم. وهو ما يوقع فيهم الهزيمة والخذلان. لكن جالوق. على الرغم من هذه الأخلاق والقيم الروحية السامية التي تمتلكها. كانت تفتقر إلى فضائل أخرى فقد كانت مدينة ذات نزعة مثالية تبعدها عن النظر الى كل جوانب الواقع والحياة. لذلك صارت غافلة عن جوانب مهمة من الواقع المحيط بها. فهي لكونها مدينة خيرة ظنت الجميع أخيارا. فأحسنت الظن. وفتحت صدرها لكل غريب. لهذا لم تحسب جالوق حسابا للقوة التي بها تصان الحكمة والمبادئ أحيانا. وبها تحيا البسمات على شفاه الأطفال. ويظل الألق في العيون. يقول ظهير الدين أمام جالوق مفسرا المصيبة التي حلت في جالوق. ظهير الدين: لكل أمر غاية. هذه حقيقة لا أرى ضرورة في مناقشتها. ولكن قدرتنا على كشف هذه الحقيقة محدودة. ان ثمة شيئا نعرفه جميعا. شيئا كنا نحس به إحساسا مبهما ولكننا كنا نخاف ان نفكر فيه لئلا يخرج الى الهواء فيتنفس في رئاتنا ويرهق ضمائرنا كنا نحس ان شيئا ما في جالوق كان مفقودا. شيئا كان يستطيع ان يجعلها اقوى على مقاومة الشر واشد قدرة على الخلاص منه. لقد كانت جالوق مذنبة كان الدين صلاة على لسانها ودفئاً في قلبها ولكنها لم تجعله درعا. لم ترفعه سدا. كانت تؤمن بالحب والاخاء ولكنها لم تحمها بسيفها لم تصنهما بعزيمتها. كان الذنب جلياً لكل ذي عينين. ولكننا كنا نؤثر ان نغمض أجفاننا حتى لا نراه. كانت جالوق تظن ان جمالها يدفع عنها كل مكروه. فعاشت أمنة مطمئنة. تضطرب الأحداث من حولها فلا تثير فيها قلقاً ولا تزيدها إلا طمأنينة وأمنا. كانت مدينة جميلة ترى الدمامة كلها حولها فلا تكاد ترفع أصبعا لازالتها. مدينة صادقة ترى الأباطيل تقيم حولها سداً فتقع في داخل صدقها وأمانتها من غير ان تمديدا تحيل تلك الأباطيل الى هباء. وتستفيق ذات يوم فاذا حفنة من التتار تنتهك حرماتها وتطمس جمالها فلا تستطيع صدهم عنها.
وتبدو الأحداث في المسرحية سائرة في جو من القدرية والعبث واللا معقول. اذ ان الشخصيات لا تستطيع ان تعي ما يقع لها من أحداث ولا تفهم أسبابها ومبرراتها. فالتتار لا يعرفون كيف دخلوا جالوق ويحسون كأن يدا خفية قادتهم اليها. فكان لا بد من دخولها لأن ذلك كان شيئاً أكبر منهم جميعا. ان الجميع يسألون اسئلة ثم لا يجدون لها جوابا. وهذه ريحانة ابنة أمير جالوق لا تقتنع بالتبريرات التي تطرح في تبرير المصيبة التي تحل في جالوق، وهي بعض ذنوب اهلها فتقول: ريحانة: ولكن المشكلة ليست في ذنوبنا نحن فقط ولكن في القضية كلها. ان هذا الشر أكبر منا.. أكبر من ذنوبنا ... أكبر من العقوبة التي نستحقها. أنا لا أرى في ماقلت الا حقا - ولكن قل لي هل ترى في أهل المدائن الأخرى فضائل لا تجدها فينا؟ هل ترى في عيون أطفالها شموسا ساطعة وترى في عيون اطفالنا رجوما؟ وهذه القدريه والشعور بالعبث سبق ان عبرت عنهما مسرحية النص الأولى شهريار حيث جعل بطلها شهريار يؤمن بأن القدرية هي جوهر الحياة فلا حريه اختيار للانسان. وكل شيء مرسوم له في لوح القدر. وهو يسعى الى البحث عن معنى وغاية حياته لكنه يعجز عن ايجاد هذه الغاية، لأنه يجد الوجود غير قابل للفهم ويسأل اسئلة لكنه لا يجد لها جوابا. تلقى شهريار يقول. شهريار ... أردت أن أعلم لم جئت الى الدنيا.. ولم أحببت ولم أبغضت ... ولم آمنت ثم كفرت.. ولم ضغنت فسفكت من الدم ما سفكت. أجل أردت أن أعلم هذا كله وفوق هذا أيضا ولكن عقلي لم يقدر على اسعافي .....
في المسرحية عدة شخصيات من التتار والعرب. لكن العناية تنصب على تاميش وميران وابن وهب أكثر من الشخصيات الأخرى.
لا تعنى المسرحية برسم ملامح شخصياتها رسماً واضحاً، ولا تسعى الى سبر أغوارها والتغلغل إلى أعماقها وذلك لانتمائها الى المسرح الفكري حيث تنصب العناية أساسا على تجسيد الأفكار وتوضيحها. من هنا لا نجد هنا شخصيات من لحم
ودم. بل أفكار منسقة ومنظمة يسعى مؤلف المسرحية الى تجسيدها بوساطة هذه الشخصيات. ولو أن المسرحية تميل احيانا الى ابراز البعد الاجتماعي والنفسي لبعض الشخصيات فتلقي الضوء مثلا على نشأة ميران وطفولته وكيف نشأ في بيئة فقيرة قاسية. كلها بؤس وشقاء وعذاب وخشونة. لاحنان فيها ولا شفقة. أحب ميران فتاة مسكينة لكن أحد الجنود يقتلها حين تقاومه اثناء محاولته اغتصابها. الأمر الذي يدفعه الى تعلم القسوة والقتل للانتقام من هذا الجندي. حتى يصبح قاتلا محترفا ويصير ذبح انسان أهون عليه من شربة ماء. ولا يصحو الا حين يرى حقيقة الكنز فيغدو وجها لوجه مع ماضيه. مع ذنوبه. أما شخصية تاميش فتأتي نامية نتيجة للأحداث التي يمر بها فجالوق تغيره اذ تكشف النقاب عن سرائره. وتفضح خواءه الروحي وتعيد اليه الاحساس بانسانيته انها تأسره: تاميش: أنا أسير هذه المدينة. هذا أمر لاسبيل الى نكرانه بعد الآن. هناك مدن تقتلك تسحقك سحقا. تنهب نقاءك ذرة. ذرة. تضيعك. تهتك أسرارك ثم تحيلك حجرا. أما هنا فان المرء يجد له ذاتا. يكتشف طريقا. يستعيد رؤية ظن انه أضاعها. قد تكون جالوق مدينة كغيرها من المدن. ولكن روحها ولكن هواءها وأرضها تعيد للانسان احساسه بأنه انسان.. بات له غاية. من أجل ذلك يقتل تاميش ميران لأنه يرى فيه صورة مجسدة للانسان القاتل الذي صار يكرهه. لقد كان ميران أنموذجا نادرا لا يتورع عن حرام ولا يعف عن شيء. وكان صورة مثلى للماضي الأسود الذي أراد تاميش أن يقطع كل صلاته به بعد أن هزته جالوق هزا. تاميش: - ... وأحست بيدي تمتد مرتجفة.. مهزوزة ... لتستل خنجري ... لتستقدم عزمي. لتنقض على ذلك الأمس الماثل أمامي.. على البهيمة التي كانت شناعتها تجرح عيني ... أجل. أجل. كان ذلك هروبا. كان محاولة لقطع كل طريق.. لهدم كل جسر.. كان انعتاقا مطلقا من كل تبعة.
أجل كانت إغفاءه تنأى بي عن أمسي. عن يومي. عن مستقبلي كنت لا أسمع شيئا.. لا ارى شيئا. لا أريد شيئا. كانت عيناي مغلقتين ... وكانت ارادتي غافية. يدي وحدها كانت يقظه تضرب. كانت تثأر.. كأن قوة خفية كانت تسيرها.
وهكذا تجعل جالوق تاميش يستعيد شعوره انسانا. وترجع اليه الروح التي اضاعتها سنوات القتال الطويلة، فيصبح انسانا كله رقة وهو ما يدفعه الى ان يأمر جنده بأن ينظروا هل خدش سهم من سهامهم أحد جدران المدينة فيعيدوه كما كان. ويجولوا في الحدائق ليروا هل اقتطع أحدهم زهرة من زهراتها فيعيدوا غرسها. ويطلب اليهمان يكنسوا الدروب. حتى تعود نظيفة نقية. ويربتوا على شعر كل طفلة ويقبلوا جبينها حتى تطمئن. وهو اذ. ينقلب على هذا النحو. لا يستطيع الفرار من ماضيه المليء بالمخازي والآثام. وينظر أمامه فلا يرى الا فراغا وخواء يعوي في صدره عواء. لذلك لا يرى مفرا من الانتحار. فبالموت وحده يستطيع أن يصل الى غايته المنشودة. أن يمتلك جالوق التي امتلكته وهو حي: تاميش: لم تريدني أن أخرج من المدينة يا ابن وهب؟ ابن وهب: لا نقذ حياتك من الموت. تاميش ولماذا تريد ان تنقذني؟ ألم أغز هذه المدينة؟ ألم أطأ أرضها؟ ألم أنتهك كرامتها؟ ابن وهب: بلى ولكنك حاولت امتلاكها فامتلكتك ولم تمتلكها لقد صغرت أمامها فجعلتك كبيرا. وحنوت على ترابها ففتحت لك سماءها. ألم تقتل صديقك ميران حبابها؟ تامیش: صدقت یا ابن وهب. لقد أردت امتلاك جالوق ولكنني لم أفلح. ابن وهب: فلماذا لا تتركها اذن يا تاميش؟ لماذا لا تنساها؟ تامیش: لأنني سأحاول مرة اخرى. سأمتلكها بموتي .... ومن شخصيات المسرحية بهلول وهو مجذوب يعمل في قصر أمير جالوق. وتجمع هذه الشخصية بين الغفلة والحكمة لكن الحكمة أغلب وفيها خصائص مستمدة من شخصية المهرج الشعبي الشائعة في التراث العربي الشعبي. أما دور بهلول فيشبه دور الكورس في المسرح القديم. أي التعليق على أحداث المسرحية والأخبار ببعض الأمور التي تعمل على تطوير حدث المسرحية. وفي الوقت نفسه. ينطق بجمل فكهة تسهم في الترويح عن النفس. وهو يظهر في مطالع الفصول. ليلقي الضوء على ما يجري. ففي مطلع الفصل الثاني نراه يوضح لنا جو الأحداث ودلالاتها بحوار يجمع بين الحكمة والطرافة: بهلول - بهلول. هذا هو اسمي بل لعله لم يكن اسمي ولكن الصق بي الصاقا. ولكن .... ماذا يضيرني أن يقال عني بهلول؟ أليست الأسماء أحابيل يخدع بها بعضنا بعضا؟ أن هناك أشياء أصل إلى فهمها وإن هناك أشياء لا أصل الى 157 فهمها. فأنا لا أفهم مثلا لم لا يكون للأشجار عيون في رؤوسها. وأنا لا أفهم لم لا يكون للعناكب أسنان كأسنان الحوت ولكن هذا لا يعني أنني أجد في الناس من هو أكثر مني ادراكا. بهلول. هكذا يقال عني ولكن الأسماء لا تعني شيئا. أما هذه المنصة هنا فلا ريب في انها تعني شيئا ترى ام أقيمت.
وللحلم في المسرحية دور واضح يتجلى في التمهيد للأحداث والتنبؤ بها والتأكيد ان الاحداث مرسومة ولا بد ان تقع. ففي بداية المسرحية وقد صار التتار في جالوق. يقص تاميش على جماعته حلما مزعجا يراه: تاميش: - خيل الي انني كنت في أتون معمعة ضارية أتمايل على ظهر جوادي يمنة ويسرة كأنني أسد مختال وبغتة طالعت عيناي نجما في السماء يبسم لي فشددت على زمام جوادي حتى وقف. فرأيت النجم يلوح لي بيد من نور ويشير الى فنكزت جوادي أريد أن أتبعه. فجعل النجم يقترب مني وجعلت أقترب منه فكان يزداد ضخامة وكنت أنا أزداد ضؤولة حتى إذا ما صرت على مقربة منه. مد النجم يده الى صندوق مهتري ففتح غطاءه ثم أشار الي فنزلت عن جوادي ثم دخلت الصندوق وأحست بالغطاء يطبق علي. وبالصندوق يطير بي في الهواء. وأنشأت أنفاسي تتلاحق متعبة مخنوقة. فقلت في نفسي لا شك في أن النجم يريد قتلي. وازداد خوفي عندما سمعت صليل سيوف يقرع غطاء صندوقي. وعندها أدركت ان ساعتي قد أزفت وان النجوم تدبر الموتى. وسألت نفسي: ترى لم تحاول النجوم ان تثار مني؟ هل خدشت ضياءها؟ هل أذيت سكانها؟ هل بصقت على معابدها؟ وظلت هذه الاسئلة تقرع رأسي قرعا. ولكن الصندوق ما لبث ان فتح. ماكدت أرفع بصري حتى غشيه نور لماح لم أر له في حياتي شبها. ثم رأيتني في قصر منيف تكاد كل صخرة فيه تضيء كأنها لؤلؤة. وخيل الي أول الأمر انني تركت وحدي. ولكن ألوف الوجوه ما لبث ان أطلت من كل نافذة فحاولت ان أمد يدي اليها أن أسألها اسمها. ان أعرف منها أين أنا. ولكن شيئا ما في جعلني أرتعد. لقد كنت عاريا. عاريا كما جئت الى الدنيا يوم ولدتني أمي. فوضعت يدي حيث يجب أن أضعهما وأردت الرجوع الى الصندوق كي أستر فيه عربي. ولكن الصندوق كان قد اختفى. وهذا ما يقع فعلا لتاميش. بعدما تجعله جالوق يصحو ويرجع اليه شعوره الانساني فيفكر في ماضيه وما اقترفته يداه من جرائم فيرى نفسه أمام ذنوب كبيرة. لا يمكن نسيانها أو الهرب منها الا بالموت. ومن الحلم يتعلم أيضا ابن وهب. فهو حين كان طفلا. يترك مع أحد أصدقاء أبيه جالوق بحثاً عن اللآلئ والجواهر في بحار الهند والصين وذات ليلة وهو على ظهر مركب. يستسلم لغفوة فيرى فيما يرى النائم انه مقبل على مدينة عظيمة. بنيت جدرانها وبيوتها من اللؤلؤ.. وهناك يرى بيتهم في أحد منعطفات المدينة. فيعرف ان المدينة لم تكن الا مدينتهم. ولما أفاق سأل صديق أبيه ان يعيده الى جالوق حيث أخذ يعمل فيها ينحت من حجارتها فاذا بها تنقلب الى لآلئ أما حوار المسرحية فيأتي حافلا بالمعاني والافكار العميقة والتلميحات الذكية. لكن هذه المعاني والتلميحات تغدو احيانا هدفا وغاية في ذاتها. اذ تتحول الى مناقشات فكرية طويلة تضعف الحركة في المسرحية وتعطل سير حدثها.. واللغة التي صيغ بها الحوار لغة فصحى وذات خصائص توفر فيها شيئا من المتانة والجزالة. وهي في الوقت عينه لغة أدبية وليست لغة درامية حتى يخيل الينا ان المؤلف كتب المسرحية للقراءة وليست للتمثيل. فاللغة عامة لغة بيانية وتصويرية تعتمد على التشبيه والاستعارة والمجاز:
تامیش: ومن ريحانة هذه؟
میران: ابنة الأمير داود.
تاميش: أهي صبية يافعة؟ أهي امرأة كهلة؟
میران بل فتاة في ريعانها. كأن الربيع هجر مكانه ليقيم بين أضلاعها.
تامیش وماذا تعرف عنها؟
ميران إنها ذكية حليمة تكاد لا تتكلم الا همسا. لها رقة الندى على شفاه الزهر وقلب أسد في أهاب ملاك. لذلك نرى الحوار في بعض مواضع المسرحية يكاد يكون شعرا. تاميش: ألم تسألني ماذا كنت أريد أن أفعل بالكنز؟ أريد أن أبني به مدينة لا يعيش فيها الا الأطفال .... مدينة لا رعب فيها ولا سلاح. مدينة لا تشرب الضغائن ولا تغمس أناملها في الدماء. جميلة كوجه ... طفل ... بريئة كوجه طفل.. سماؤها دائمة الزرقة وينابيعها لا تعرف النضوب. حتى أشجارها لا تحمل الا اللآلئ .... منها: وعلى الرغم من تمكن المؤلف في اللغة. ظهرت بعض الاغلاط في لغة المسرحية ريحانة: كلا يا عماه. ولكن هناك أشياء لا أصل الى فهمها وكلما ازددت بحثا عن أسبابها وغاياتها كلما ازددت ايمانا بأنني أمام باب موصد .... والصحيح حذف (كلما) الثانية. ومن ذلك ... بهلول: سأبوح لكما بسر. لقد نصع الامام الى الأمير داود ... والصحيح (لقد نصح الإمام للأمير) ولأن المسرحية تنتمي إلى المسرح الفكري. أصبحت لغة شخصيات المسرحية من العرب والتتار واحدة. فلم يظهر فيها اي اختلاف باختلاف جنس الشخصية او مستواها الثقافي والاجتماعي.
تضعف الدراما في بعض أجزاء المسرحية حيث لا يكون ثمة فعل. بل قص وحكاية يشيعان في الحوار. الأمر الذي يجعل هذا الأثر الأدبي أقرب الى القصة منه إلى المسرحية. مثال ذلك: ميران: كانت طريقي الى سمرقند تمر بكوخها. كانت تعيش مع امها العجوز أما أبوها فقد مات. وكانت تسمع وقع حوافر حماري فتخرج من كوخها فأرسي في يدها شيئاً مما أرسلت به.. ابن وهب: ألم تكن تلتقي بها عند عودتك من السوق؟ میران بلى. كنت أمر بكوخها مرة اخرى عند الأصيل فتخرج الي ثم تنطلق الى غيضه قريبة فنجلس فيها صامتين كأننا كنا نجهل ان هناك كلمات يمكن أن تقولها.
الاكثر قراءة في النقد الحديث
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)