الحديث الثالث والثمانون:
ما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «علماء أمّتي أنبياء بني إسرائيل» أو «كأنبياء بني إسرائيل»، أو «أفضل من أنبياء بني إسرائيل» (1).
وهذا الحديث لم نقف عليه في أصولنا وأخبارنا بعد الفحص والتتبّع، والظاهر أنّه من موضوعات العامّة، وممّن صرّح بوضعه من علمائنا المحدّث الحرّ العامليّ في الفوائد الطوسيّة (2)، والمحدّث الشريف الجزائريّ (3)، وكيف كان، فيمكن توجيهه بوجهين:
الأوّل: أنّ المراد بالعلماء الأئمّة، ووجه الشبه العصمة أو الحجّيّة على الخلق أو الفضل عند اللَّه، وذلك لا ينافي ما ثبت من كون كلّ من الأئمّة أفضل من كلّ واحد من أنبياء بني إسرائيل؛ لأنّ المراد التشبيه بالمجموع، ولو سلّم يكون من عكس التشبيه، وهو شائع.
ويؤيّد هذا الوجه ما تظافر من الأخبار الواردة عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) ومن قولهم (عليهم السلام): «نحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون وسائر الناس غثاء» (4).
الثاني: أن يكون المراد بالعلماء: علماء الأمّة من الفرقة المحقّة والطائفة الحقّة، سيّما الذين أتوا في الغيبة الكبرى، ولم يروا النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولم يدركوا الوصيّ، وثبتوا على الإيمان كما ورد مدحهم في القرآن بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3] على ما استفاضت به الأخبار (5).
ووجه الشبه إمّا في قرب المرتبة عند اللَّه تعالى، أو في وجوب العمل بأقوالهم والرجوع إلى أحكامهم، أو الكثرة والانتشار في الأقطار والأمصار، أو وجودهم في كلّ عصر وزمان، أو تحمّلهم للمشاق العظيمة الكثيرة من الظلم والخوف أو نحو ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أوائل المقالات للشيخ المفيد، ص 178؛ المزار للمفيد، ص 6؛ عوالي اللآلي، ج 4، ص 77، ح 67؛ بحار الأنوار، ج 24، ص 307، ح 6.
(2) الفوائد الطوسيّة، ص 376 وأورد فيه اثنا عشر وجهاً في توجيه الحديث.
(3) لم نقف على مقالة المحدّث الجزائري.
(4) بصائر الدرجات، ص 8، ح 1 - 6؛ الكافي، ج 1، ص 34، باب أصناف الناس، ح 4؛ الخصال، ج 1، ص 123، ح 115؛ وسائل الشيعة، ج 27، ص 18، ح 33094، وص 68، ح 33220. والغثاء: الزبد والهالك والبالي من ورق الشجر المخالط زبد السيل. القاموس المحيط، ج 2، ص 1726 (غثا).
(5) راجع: كنز الدقائق، ج 1، ص 86.