الحديث الخامس والسبعون: [في تشبيه الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وآله بالصلاة على إبراهيم عليه السلام]
ما رويناه بالأسانيد عن الصدوق في (العيون) بإسناده عن الرضا (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه: «إنّه لمّا نزلت هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] قيل: يا رسول اللَّه، قد عرفنا التسليم عليك، فكيف الصلاة؟ قال: تقولون: اللّهُمّ صلّ على محمّد وآل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد» (1) الحديث.
تحقيق:
الصلاة بهذا اللفظ مستفيضة في طرق العامّة والخاصّة، وهاهنا إشكال مشهور، وهو أنّ أرباب فنّ البيان صرّحوا بأنّ المشبّه به ينبغي أن يكون أقوى من المشبّه، كما تقول: زيد كالأسد، وهاهنا ليس كذلك؛ لأنّ نبيّنا (صلى الله عليه وآله) أشرف من إبراهيم (عليه السلام) وغيره بالإجماع.
وقد تعرّض علماء الإسلام لدفع هذا الإشكال بوجوه نذكرها على سبيل الإجمال:
الأوّل: أنّ أشدّيّة المشبّه به وأغلبيّته ليست أمراً لازماً (2)، بل قد يتحقّق التشبيه بدونها كما يقول أحد الأخوين لأبيه: أعطني ديناراً كما أعطيت أخي، وقد يعدّ منه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]، والحاصل: أنّ التشبيه لأصل الفعل بالفعل لا القدر بالقدر.
الثاني: ما يحكى عن ابن حجر، وهو: أنّ هذه الصلاة إنّما وقعت قبل أن يُعلم أنّ نبيّنا أفضل من إبراهيم (3) ولا يخفى ضعفه.
الثالث: ما حكي عنه أيضاً، وهو: أنّه (صلى الله عليه وآله) قال ذلك تواضعاً، وشرّع ذلك لأمّته ليكسبوا بذلك فضيلة (4)، وهو كسابقه.
الرابع: أنّ الكاف للتعليل كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو﴾ [البقرة: 151] وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 198].
الخامس: أنّ إبراهيم لمّا كان أفضل من الأنبياء قبله كانت الصلاة عليه أفضل من الصلاة على جميع من قبله، من الأنبياء وغيرهم، فكذا الصلاة على نبيّنا أفضل من الصلاة على من قبله، ومنهم إبراهيم وآل إبراهيم.
واعترض بأنّ هذا لا يحسم مادّة الإشكال إلّا إذا ثبت أنّ فضل الصلاة على إبراهيم على مَن قبله أفضل من فضل الصلاة على نبيّنا على من قبله، وإثباته متعسّر أو متعذّر (5)، وأجيب بأن ليس على المجيب عن الشبهة إثبات، بل يكفيه الاحتمال.
السادس: ما ذكره جملة من العامّة، وهو أنّ المشبّه إنّما هو الصلاة على آل محمّد، فقولنا: «اللّهُمّ صلّ على محمّد»، كلام تامّ غير متّصل بما بعده، وقولنا: «وآل محمّد كما صلّيت» كأنّه ابتداء كلام.
وفيه: أنّه - مع ركاكته وعدم انتظام الكلام عليه - إنّما يتمشّى على قواعدهم من أفضليّة الأنبياء على الأئمّة (عليهم السلام)، وأمّا على أصولنا فلا يستقيم.
على أنّه قد ورد في رواياتهم في التشهّد هكذا: اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، وبارك على محمّد وآل محمّد، وسلّم على محمّد وآل محمّد، وترحّم على محمّد وآل محمّد، كما صلّيت وباركت وسلّمت وترحّمت على إبراهيم وآل إبراهيم (6)، ولا ريب في أنّ تعاطف هذه الجمل يمنع الجواب.
نعم، يمكن أن يقال: إنّ المشبَّه هو الصلاة على إبراهيم وآل إبراهيم، وآله إنّما هم فيهم أنبياء كثيرون، والمستفاد من الأخبار إنّما هو تفضيل كلّ واحد من الأئمّة على كلّ واحد من الأنبياء السابقين، لا فضل كلّ واحد منهم على جميع الأنبياء، أو على أكثرهم.
السابع: ما ذكره بعضهم، وهو أنّ المشبَّه به المجموع المركّب من الصلاة على إبراهيم وآله، ومعظم الأنبياء هم من آل إبراهيم، والمشبَّه مجموع الصلاة على نبيّنا وآله، فإذا قوبل جميعهم بآله (صلى الله عليه وآله) رجحت الصلاة عليهم على الصلاة على آله، فيكون الفاضل من الصلاة على إبراهيم لمحمّد صلى الله عليه وآله فيزيد به على إبراهيم. ولا يخفى ركاكته، مع أنّ ظاهر اللفظ تشبيه الصلاة على محمّد بالصلاة على إبراهيم، وعلى آله بالصلاة على آل إبراهيم (عليه السلام).
الثامن: ما يحكى عن الشهيد في قواعده عند بيان أنّه لا يتعلّق الأمر والنهي، والدعاء والإباحة، والشرط والجزاء، والوعد والوعيد، والترجّي والتمنّي، إلّا بالمستقبل، فمتى وقع تشبيه بين لفظي دعاء، أو أمر، أو نهي، أو واحد مع الآخر فإنّما يقع بالمستقبل.
قال رحمه الله: وعلى هذا خرّج بعضهم الجواب عن السؤال المشهور في الصلاة بأنّ الدعاء إنّما يتعلّق بالمستقبل، ونبيّنا كان الواقع قبل هذا الدعاء أنّه أفضل من إبراهيم، وهذا الدعاء يطلب فيه زيادة على هذا الفضل مساوية لصلاته على إبراهيم، فهما وإن تساويا في الزيادة، إلّا أنّ الأصل المحفوظ خالٍ عن معارضة الزيادة (7).
التاسع: أنّه لا يلزم أن يكون المشبَّه به أقوى من كلّ وجه، بل يلزم أن يكون شيئاً ظاهراً واضحاً كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا﴾ [النور: 35]، وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى، لكن لمّا كانت المشكاة أمراً واضحاً ظاهراً في نظر السامع شبّه بها نوره.
ولمّا كان تعظيم إبراهيم وآله أمراً ظاهراً في العالمين، فلذا شبّه به، ويؤيّده ما في بعض الدعوات من ضمّ الطلب المذكور بكونه في العالمين.
ولعلّ هذا معنى ما حكي عن الطيّبي أنّه قال: ليس التشبيه المذكور من باب إلحاق الناقص بالكامل، بل من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر (8).
العاشر: ما ذكره بعض العامّة وهو: أنّ سبب هذا التشبيه أنّ الملائكة قالت: في بيت إبراهيم: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: 73]، وقد علم أنّ محمّداً وآل محمّد من أهل بيت إبراهيم، فكأنّه قال: أجب دعاء الملائكة إذ قالوا ذلك في محمّد وآل محمّد كما أجبته عندما قالوه في آل إبراهيم الموجودين حينئذٍ، ولذلك ختمها بما ختمت به الآية، وهو قوله: «إنّك حميد مجيد» (9).
الحادي عشر: أنّ المشبّه به هو الصلاة على إبراهيم وآله من لدن خلق الدنيا أو من لدن خلق إبراهيم إلى هذا الآن، والصلاة على نبيّنا في كلّ آن وإن كان أفضل من الصلاة على إبراهيم أيضاً في هذا الآن، لكن لا يبعد أن يقال: لمّا كان ظرف الصلاة على النبيّ هذا الآن الجزئيّ، وظرف الصلاة على إبراهيم مجموع الزمان الممتدّ الطويل الذي هذا الآن جزء صغير منه، كانت الصلاة على إبراهيم في كلّ الزمان أفضل من الصلاة على نبيّنا في هذا الآن (10).
الثاني عشر: أنّ الصلاة بهذا اللفظ جارية في كلّ صلاة على لسان كلّ مصلٍّ إلى انقضاء التكليف، فيكون الحاصل لمحمّد (صلى الله عليه وآله) بالنسبة إلى مجموع الصلوات أضعافاً مضاعفة (11)، وفيه نظر.
الثالث عشر: أنّ المعلوم من مذهب الإماميّة إنّما هو فضل كلّ واحد من الأئمّة على كلّ واحد من الأنبياء لا فضل كلّ واحد على جميع الأنبياء، ولكون إبراهيم وآله مشتملين على ثلاثة من أولي العزم وآلاف من غير أولي العزم، لا ينافي فضل هؤلاء بأجمعهم إذا جمعت فضائلهم وثوابهم على نبيّنا وآله (عليهم السلام)، وإن كان فضل كلّ واحد منهم على كلّ واحد من هؤلاء أضعافاً مضاعفة، إلّا أنّه إنّما يفهم من بعض الأخبار فضلهم على الجميع.
الرابع عشر: ما اختاره أكثر محقّقي الخاصّة والعامّة، وهو أنّه لمّا كان نبيّنا من جملة آل إبراهيم كما أنّ جماعة من الأنبياء كذلك كانت الصلاة على نبيّنا وآله حاصلة في ضمن الصلاة على إبراهيم على الوجه الأتمّ الأكمل، والمطلوب بقولنا: اللّهُمّ صلّ على محمّد وآل محمّد (إلى آخره) أن يُخصّوا من اللَّه سبحانه بصلاة أخرى على حِدة مماثلة للصلاة التي عمّتهم وغيرهم، والصلاة العامّة للكلّ من حيث العموم أقوى من الخاصّة بالبعض (12).
وقد أجري هذا الجواب في حلّ خبر الذي روي عن الرضا (عليه السلام) أنّ المراد بالفداء العظيم في قوله تعالى في إسماعيل: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107] «الحسين (عليه السلام)» (13)، فما يتوهّم من الإشكال بأنّ الفداء يكون أحطّ مرتبة من المفدّى عنه.
فحاصل جوابه: أنّه لمّا كان نبيّنا (صلى الله عليه وآله) والحسين وفاطمة وسائر الأئمّة أجمعين من أولاد إسماعيل (عليه السلام) فلو تحقّق ذبح إسماعيل في ذلك الوقت لم يوجد نبيّنا (صلى الله عليه وآله) ولا واحد من الأئمّة، فكأنّه (عليه السلام) صار فداءً لنفسه وجدّه وأبيه وأمّه وأخيه وأولاده المعصومين جميعاً ولإسماعيل، ولا شكّ في أنّ مرتبة كلّ السلسلة أعظم من مرتبة الجزء الواحد، وهو الحسين (عليه السلام).
وأورد على أصل الجواب: أنّه مبنيّ على أن يكون عطف قوله: وآل إبراهيم على إبراهيم مقدّماً على التشبيه حتّى يكون المقصود تشبيه الصلاة على نبيّنا وآله جميعاً بالصلاة على إبراهيم وآله جميعاً فيتمّ التشبيه؛ إذ لو فرضنا تقدّم الحكم - أعني التشبيه - على العطف لعاد المحذور كما كان؛ إذ مرجع التشبيه حينئذٍ بالنسبة إلى الصلاة على نبيّنا وآله في هذا الكلام إلى تشبيهين: أحدهما: تشبيهها بالصلاة على إبراهيم، وثانيهما: تشبيهها بالصلاة على آل إبراهيم، والمحذور باق في التشبيه الأوّل دون الثاني، ولكن في تقدّم الحكم على العطف وفي عكسه مشاجرة طويلة بين أهل العربيّة.
تكملة: [الكلام في الفصل بين النبيّ وآله في الصلاة عليهم]
قال العلّامة المجلسيّ رحمه الله في (الأربعين): اشتهر بين الناس عدم جواز الفصل بين النبيّ وبين آله ب «على» مستدلّين بالخبر المشهور بينهم، ولم يثبت عندنا هذا الخبر، وهو غير موجود في كتبنا، ويروى عن شيخنا البهائيّ رحمه الله أنّ هذا من أخبار الإسماعيليّة، لكن لم نجد في الدعوات المأثورة عن أرباب العصمة (عليهم السلام) الفصل بها إلّا شاذّاً وتركه أولى وأحوط (14). انتهى.
أقول: بل الفصل بها موجود في كثير من الأدعية والأذكار سيّما في الصحيفة السجّاديّة (15)، ولولا خوف الإطالة لتلوت عليك من ذلك شطراً وافراً.
تنوير: [الكلام في وجوب الصلاة على النبيّ وآله واستحبابها]
قد اختلف في أنّ الصلاة على النبيّ (صلى الله عليه وآله) وآله هل هي واجبة أو مستحبّة؟ وعلى الأوّل فهل تجب في العمر مرّة أو كلّما ذكر؟
والخلاف في ذلك واقع بين العامّة وبين الخاصّة:
فالعامّة منهم من قال باستحبابها مطلقاً، ومنهم من قال بوجوبها في الجملة، ويصحّ الامتثال بالإتيان بها في العمر مرّة في الصلاة وفي غيرها، وبعضهم قال: إنّها واجبة في تشهّد آخر الصلاة من غير تعيين المحلّ. وقيل: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، وقيل: إنّها تجب كلّما ذكر النبيّ، وقيل: إنّها تجب في كلّ مجلس مرّة ولو تكرّر ذكره، وبعضهم: إنّها تجب في كلّ دعاء (16).
وأمّا الإماميّة فالمشهور بينهم - بل حكي عليه الإجماع - وجوبها في التشهّد (17)، وعن الصدوق وجوبها كلّما ذكر النبيّ، وهو المحكيّ عن صاحب كنز العرفان (18) أيضاً، وإليه يميل جملة من متأخّري المتأخّرين؛ لما استفاض من طرق العامّة والخاصّة عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «من ذكرت عنده ولم يصلّ عليّ فدخل النار فأبعده اللَّه» (19)، وقال: «من ذكرت عنده فنسي الصلاة عليّ خُطِئ به طريق الجنّة» (20)، ونحوها.
ويستفاد من جملة منها تكرارها كلّما تكرّر الذكر، كتعدّد الكفّارة بتعدّد الموجب.
وهل حكم الضمير والكنية واللقب كالاسم أم لا؟ وجهان، أحوطهما الأوّل.
واحتجّ لعدم الوجوب بالأصل والشهرة وعدم تعليمهم (عليهم السلام) للمؤذّنين وتركهم ذلك مع عدم وقوع نكير لهم كما يفعلون الآن، ولو كان لنقل إلينا.
وفيه: أنّ الأصل لا يجدي مع وجود النصوص، وكذا الشهرة مع عدم نصّ معارض.
وأمّا عدم النكير على المؤذّنين فلم يثبت أنّهم كانوا يتركون في زمن النبيّ ومن يقدر على نهيهم من الأئمّة (عليهم السلام)، بل لا حجّة في عدم إنكار العلماء أيضاً؛ لأنّ أزمنتهم كانت أزمنة تقيّة وخوف.
وعدم تعليم المؤذّنين أيضاً غير معلوم، بل هذه الأخبار العامّة المشهورة تعليم لهم ولغيرهم.
سبك وتحقيق: [هل الصلاة على محمّد وآله نافعة لهم؟]
اختلف في أنّ الصلاة على محمّد وآله هل تنفعهم شيئاً بأن تكون باعثة لمزيد كمالاتهم ومرتبتهم وأجرهم، أم لا، بل هي سبب لحصول الثواب لنا والأجر؟
فذهب الأكثر إلى أنّهم (عليهم السلام) قد بلغوا في مرتبة الكمال والفضل مرتبة لا يمكن الزيادة عليها ولا الترقّي عنها، فإنّهم (عليهم السلام) قد جمعوا الكمالات النفسانيّة وجميع الفضائل الربّانيّة، فلم يبق كمال إلّا حازوه، ولا فضل إلّا جمعوه، بل هم قد بلغوا مرتبة لا يمكن لأحد من البشر الوصول إليها؛ فصلواتنا عليهم لا تزيدهم شيئاً وإنّما هي باعثة لمزيد أجرنا وثوابنا، كما أنّك إذا أردت التقرّب لشخص تظهر له موالاة أحبّائه والثناء عليهم حتّى تتقرّب بذلك إليه.
وذهب جملة من محقّقي متأخّري المتأخّرين - ومنهم العلّامة المجلسيّ (21) وتلميذه المحدّث الشريف الجزائريّ (22) - إلى أنّ صلواتنا عليهم سبب لمزيد قربهم وكمالاتهم، ولم يدلّ دليل على عدم ترقّيهم (عليهم السلام) في الكمالات في النشأة الأخرى، بل بعض الأخبار يدلّ على خلافه كما ورد في بعض أخبار التفويض أنّه إذا أفيض شيء على إمام العصر يفاض أوّلًا على رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) ثمّ على إمام إمام حتّى ينتهي إلى إمام العصر، حتّى لا يكون آخرنا أعلم من أوّلنا، بل مراتب قربه وارتباطه ورحماته غير متناهية، ولا يبعد أن يكونوا دائماً متصاعدين على مدارج القرب والكمال.
ويمكن أن تكون الصلاة سبباً لزيادة المثوبات الاخرويّة وإن لم تصر سبباً لحصول كمالهم، وكيف يمنع ذلك عنهم وقد ورد في الأخبار الكثيرة وصول آثار الصدقات الجارية والأولاد والمصحف وغيرها إلى الميّت. وأيّ دليل دلّ على استثنائهم عن تلك الأحكام؟ بل هم آباء هذه الامّة المرحومة والأمّة أولادهم، وكلّما صدر عن الأمّة من خير وطاعة يصل إليهم نفعها وبركتها.
ويمكن أيضاً أن تكون صلواتنا عليهم سبباً لأمور تنسب إليهم من رواج دينهم وكثرة أمّتهم واستيلاء قائمهم، بل تعظيمهم وتبجيلهم وذكرهم في الملأ الأعلى بالجميل والثناء عليهم، كما ذكر بعض في تفسير الصلاة عليه: أنّ المراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمّته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود.
وقد ورد في بعض الأخبار في معنى السلام عليهم: أنّ المراد سلامتهم وسلامة دينهم وشيعتهم في زمان القائم (عليه السلام) (23).
تتمّة: [هل لعن أعداء محمّد وآله يزيد في عقابهم؟]
ونظير هذا ما يقال في اللعن على أعدائهم أنّه هل يصير سبباً لزيادة عقابهم أم لا؟ وعلى الثاني يلزم أن يكون لغواً، وعلى الأوّل يلزم أن يقاسوا من الشدائد والعذاب بفعل غيرهم ما لا يستحقّونه، ويمكن التخرّج عن ذلك بوجوه:
الأوّل: أن نختار الشقّ الثاني، ويقال: الفائدة فيه إظهار بغض أعداء اللَّه، وليس الغرض منه طلب العذاب بل محض إظهار عداوتهم، فنستحقّ بذلك المثوبات العظيمة، كما في ذكر كلمة التوحيد المخبر عمّا في الضمير من الاعتقاد الحقّ.
الثاني: أن نختار الشقّ الأوّل ونقول: إنّ مقادير العقوبات ليس إلّا بتقدير الشارع، مثلًا: الشارع قرّر على ترك الصلاة عقاب ألف سنة، وقال لعبده: لا تتركها وإلّا أعاقبك كذا وكذا، فيجد العقل حسن العقاب في تلك المدّة على تركها لأمره بها وتحذيره عن تركها، وإعلامه كون ذلك العقاب بإزاء تركها، فكذا هاهنا قرّر الشارع لهؤلاء الأشقياء على قبائح أعمالهم عقاباً في نفسه وعقاباً متوقّفاً على لعن من يلعنهم، فهم يستحقّون كلّ عقاب يترتّب على كلّ لعن.
الثالث: أن يقال: إنّ اللَّه تعالى لا يعاقبهم على قدر استحقاقهم، فكلّما لعنهم لاعنٌ زِيد بسببه في عقابهم لا يزيد على ما يستحقّونه من العقوبات.
الرابع: أن يقال: إنّ لأعمال هؤلاء قبحاً في نفسه من مخالفة أمر اللَّه تعالى وقبحاً آخر من جهة ظلمهم لغيرهم، ومنع الفوائد التي كانت تترتّب على اقتدار المعصوم واستيلائه وظهوره من المنافع الدنيويّة والاخرويّة، ورفع الظلم وكشف الحيرة والجهالات، ولا يوجد أحد لم يصل إليه من ثمرة تلك الأشجار الملعونات شيء، بل في كلّ آنٍ يصل إليهم من آثار ظلمهم مضارّ كثيرة، كما ورد في الأخبار المتظافرة أنّه ما زال حجر عن حجر ولا أريقت محجمة دم إلّا وهو في أعناقهما (24)، يعني الأوّل والثاني، فكلّ الشيعة مظلومون طالبوا حقوق، وكلّ لعن طلب حقّ واستعداء عن ظلم، فيزيد عقابهم على قدر لعن من يلعنهم، واللَّه العالم (25).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عيون الأخبار، ج 1، ص 236، قطعة من ح 1؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 25، ص 228، قطعة من ح 20.
(2) في لوامع الأنوار، ص 195: «أنّ أشدّيّة المشبّه به أغلبيّة وليست أمراً لازماً».
(3) فتح الباري، ج 8، ص 410، ونسب الرأي هنا إلى غيره.
(4) فتح الباري، ج 6، ص 294.
(5) حكى المحدّث الجزائري هذا الاعتراض عن الشيخ البهائي، لوامع الأنوار، ص 195.
(6) السنن الكبرى للبيهقي، ج 2، ص 379؛ الشرح الكبير لابن قدامة، ج 1، ص 580.
(7) القواعد والفوائد، ج 2، ص 92.
(8) فتح الباري، ج 11، ص 137.
(9) فتح الباري، ج 11، ص 138 نقلًا عن الحليمي.
(10) حكى المحدّث الجزائري هذا الجواب عن بعض معاصريه، وقال فيه أخيراً: «وهذا الجواب فيه ما فيه». لوامع الأنوار، ص 197.
(11) نسب المحدّث الجزائري هذا الوجه إلى الشهيد «قدّس سرّه». لوامع الأنوار، ص 197.
(12) راجع: الأنوار النعمانيّة، ج 1، ص 134 - 137؛ لوامع الأنوار، ص 195 - 197.
(13) عيون الأخبار، ج 2، ص 187.
(14) الأربعين، ص 591.
(15) راجع: الصحيفة السجاديّة، ص 105، 221، 245، 255، 292، 303، 349، 446.
(16) راجع: فتح العزيز، ج 3، ص 503؛ فتح الوهّاب، ج 1، ص 80، مغني المحتاج، ج 1، ص 7.
(17) انظر: تذكرة الفقهاء، ج 3، ص 227.
(18) انظر: كنز العرفان، ج 1، ص 133؛ زبدة البيان، ص 84.
(19) الكافي، ج 2، ص 495، باب الصلاة على النبيّ محمّد وأهل بيته، ح 19؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 408، ح 8299؛ بحار الأنوار، ج 82، ص 279.
(20) الكافي، ج 2، ص 495، باب الصلاة على النبيّ محمّد وأهل بيته، ح 19؛ وسائل الشيعة، ج 6، ص 408، ح 8299؛ بحار الأنوار، ج 17، ص 31، ح 12 مع تفاوت يسير.
(21) الأربعين، ص 585.
(22) الأنوار النعمانيّة، ج 1، ص 138.
(23) الأربعين للمجلسي، ص 586.
(24) انظر: الكافي، ج 8، ص 102 - 103، ح 75.
(25) راجع: الأربعين للمجلسي، ص 586 - 587.