الثاني والثمانون: [من عرف الحق لم يعبد الحق]
ما رويناه عن المحدّث الحرّ العامليّ، قال: في بعض الروايات غير المعتمدة: «من عرف الحقّ لم يعبد الحقّ» (1).
ثمّ وجّهه على تقدير صحّته باثني عشر وجهاً:
الأوّل: أن يكون المراد بالعبادة في قوله: «لم يعبد الحقّ» الجحود والإنكار، ويكون المعنى: من عرف الحقّ لم يجحده ولم ينكره، وهذا المعنى صرّح به أهل اللغة كصاحب القاموس، وبه فسّر قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81] أي الجاحدين (2).
الثاني: أن يكون يُعبّد بالتشديد بمعنى يذلّل، أي من عرف الحقّ لم يذلّل الحقّ، بأن يستخفّ بالطاعات ويرتكب المحرّمات.
الثالث: أن يكون المراد من عرف الحقّ، أي حقّ المعرفة لم يعبد الحقّ؛ لأنّ حقّ المعرفة إنّما تحصل يوم القيامة، وفي ذلك اليوم ينقطع التكليف فلم يعبد الحقّ.
الرابع: أن يكون المعنى من عرف الحقّ، أي حقّ المعرفة التي تمكّن في الدنيا لم يعبد حقّ العبادة، فكيف مَن دونه في المعرفة والعبادة.
الخامس: أن يكون المعنى من عرف الحقّ، أي من عرف اللَّه لم يعبد حقّ العبادة، وبين هذا الوجه وما قبله فرق يظهر بالتأمّل.
السادس: أن يكون «مَن» اسم استفهام إنكاريّ بمعنى النفي، فيكون المعنى: أيّ شخص يعرف الحقّ ولم يعبده، وحذف الواو في هذا المقام غير مضرّ فهو كقول المتنبّي:
أيّ يوم سررتني بوصال *** لم ترعني ثلاثة بصدود
أي ولم ترعني.
السابع: أن يكون «من» اسم موصول بمعنى الذي، ويراد بها اللَّه سبحانه، والمراد بالحقّ حقائق الأشياء، فيكون المعنى: الذي عرف حقائق الأشياء لم يعبد؛ لأنّه معبود لا عابد.
الثامن: أن يكون المعنى كما تقدّم و«يُعبد» بالبناء للمجهول، أي من عرف حقائق الأشياء الذي هو اللَّه لم يعبد حقّ العبادة.
التاسع: أن يكون المعنى الذي عرف الحقّ، أي اللَّه سبحانه لم يُعبد - بالبناء للمجهول - بالحقّ؛ لامتناع كونه ربّاً مربوباً وإلهاً مألوهاً.
العاشر: أن يكون المراد ب «الحقّ» الحقّ الواجب للمؤمنين على هذا العارف، و «لم يعبّد» بالتشديد بالبناء للمعلوم، أي من عرف الواجب عليه لم يذّلل ذلك الحقّ الواجب، عليه فيكون يُعبَّد بمعنى يذلّل.
الحادي عشر: أن يكون «عرّف» بالتشديد و«يعبّد» مشدّداً مبنيّاً للمفعول، أو للفاعل، ثمّ يجري عليه بعض الوجوه السابقة.
الثاني عشر: أن يراد ب «الحقّ» الثابت كما ذكر سابقاً ويخصُّ بغيره تعالى، حيث أنّ كنه ذاته تعالى لا تعرف، وإنّما تتعلّق المعرفة بصفاته تعالى وأسمائه وأفعاله وأنبيائه وحججه ونحوهما (3) ممّا لا يجوز عبادته؛ فمن عرف علم أنّه غير مستحقّ للعبادة فلم يعبده، ومن عبده لم يكن عرف اللَّه ولا عبده.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإثنا عشريّة، ص 91.
(2) مجمع البحرين، ج 3، ص 94 (عبد). ولم نجده في القاموس.
(3) كذا في الأصل، ولعلّ الأنسب: «ونحوها».