التوازن بين المصلحة الوطنية والمصلحة الأولية
المؤلف:
زكي عادل عبد العالي الظالمي
المصدر:
تطويع منهج الاسناد في القانون الدولي الخاص
الجزء والصفحة:
ص 54-58
2026-09-28
30
إن القانون الدولي الخاص يحاول الموازنة بين السيادة الوطنية والتعاون الدولي، والعدالة هي العنصر الذي يضمن عدم انحراف هذا التوازن نحو أحد الطرفين، فحين يتوسع المشرع في تطبيق قانونه الوطني على العلاقات الدولية يخرق مبدأ العدالة الأولية وحين يتنازل عن سيادته بالكامل للقوانين الأجنبية يخل بالعدالة الوطنية التي تقتضي حماية المصالح الجوهرية للدولة، لذلك، فأن العدالة في هذا السياق هي عدالة مزدوجة تسعى إلى التوفيق بين العدالة الداخلية التي تحمي قيم المجتمع والعدالة الخارجية التي تضمن الأنصاف في المعاملات الأولية، هذا التوازن ليس سهلاً، بل يتطلب فهماً دقيقاً للبعد الفلسفي للعدالة كقيمة تتجاوز حدود القانون الإيجابي دون أن تنفصل عنه.
كما اتضح لنا، أن من خصائص قاعدة الإسناد أنها قاعدة مزدوجة (1)، أي أنها كما تختار قانون القاضي ليطبق على المسألة محل النزاع، قد تختار أيضاً قانوناً أجنبياً، إذا اتضح أن القانون الأخير يحقق أكثر فعالية للنزاع، فقاعدة الإسناد لا تقرر دائماً تطبيق قانون القاضي على العلاقة الدولية الخاصة، بل أنها تشير إلى تطبيق قانون أجنبي، من خلال الموازنة بينهما واختيار الأفضل والأنسب للعلاقة (2).
وتعد قاعدة الإسناد وسيلة لاختيار أحد القوانين التي تبدي قابليتها لحكم العلاقة ذات العنصر الأجنبي، فهي لا تختار القانون الواجب التطبيق بصورة عشوائية، بل يكون الاختيار مبني على عدة اعتبارات، منها حماية المصالح الوطنية أولا، ويكون ذلك في إعطاء الأولوية في التطبيق لقواعد ذات التطبيق الضروري، إذ يتخذ المشرع من ضابط الجنسية أو ضابط الموطن، ضابطاً لتحديد القانون الواجب التطبيق، ثانيا حماية المصالح الأولية من خلال تسهيل حركة الأفراد عبر الحدود، ونمو عمليات التجارة الدولية، ويتحقق ذلك من خلال إعطاء الأفراد حرية تحديد القانون الواجب التطبيق على عقدهم الدولي، اي اتخاذ الإرادة ضابطا في بناء قواعد الإسناد الخاصة بالعقود الدولية(3)، كذلك وجود قواعد إسناد تخييرية تفسح المجال للأفراد في مجال معاملاتهم المالية كما في قاعدة التنازع التي تخضع شكل التصرف لقانون بلد الإبرام أو لقانون الموطن المشترك، أو لقانون الموضوع(4).
وإن المشرع عند صياغة ضوابط الإسناد يحاول أن يستجيب إلى تلك المصالح المختلفة ويوفق بينها، فمن ناحية الأولى قد يأتي ضابط الإسناد بقصد تحقيق مصالح خاصة للأفراد وخصوصا المتعاملين في نطاق التجارة الدولية وسائر العلاقات الخاصة الدولية، إذ إنّ هذه الروابط تحقق نوع من الأمان القانوني والاستقرار لتلك الروابط والمعاملات، كما في ضابط الإرادة وضابط محل الإبرام، ومن ناحية ثانية قد يأتي ضابط الإسناد بقصد حماية المصالح العليا للمجتمع الوطني وتحقيق أهداف السياسة التشريعية، كما في الدول التي تفيض بالسكان فأنها تأخذ بضابط الجنسية في تحديد القانون الواجب التطبيق في مسائل الأحوال الشخصية، وذلك للمحافظة على ارتباط رعاياها بها ولتوسيع دائرة تطبيق القانون الوطني عليهم حتى وإن كانوا خارج إقليمها، ومن ناحية ثالثة قد يأتي ضابط الإسناد لتلبية المصالح العامة للمجتمع الدولة، وتحقيق التعاون القانوني المنشود بين النظم القانونية للدول المختلفة، كما في ضابط موقع المال، إذ إنّه يستجيب لاعتبارات سيادة كل الدولة على ما يوجد على أراضيها من أموال (5).
فضلاً عما تقدم قد يأتي ضابط الإسناد مشبعاً بروح النظم القانونية الوطنية، كما في مسائل آثار الزواج حيث مال المشرع الوطني إلى إعطاء الأولوية إلى ضابط جنسية الزوج دون الزوجة، وذلك تماشياً مع قوامة الرجل على المرأة في الأسرة الإسلامية، وقد يأتي ضابط الإسناد متشبعاً بتوجهات السياسة التشريعية للمشرع الوطني، حيث يكفل القانون الوطني حماية لمواطنيه والبناء الاجتماعي لمجتمعه كما في نص المادة (19/5) من القانون المدني العراقي في الأحوال المنصوص عليها في هذه المادة إذا كان أحد الزوجين عراقياً وقت انعقاد الزواج يسري القانون العراقي وحدة"
أما على صعيد المصالح الأولية، فأن قواعد العدالة تقتضي ان يحل التنازع بطريقة موضوعية، تتجنب ترجيح ما هو وطني والاتجاه نحو تحقيق التنسيق بين النظم القانونية وأقامه الانسجام بين الحلول، وهذه المصالح فرضت المرونة في بعض القواعد الإقليمية، من ذلك تخلي القضاء عن اختصاصه على الرغم من وجود نص قانوني في قانونه الداخلي يقضي باختصاصه بحجة سبق الادعاء أمام المحاكم الأجنبية أو التلازم مع دعوى عالقة أمام تلك المحاكم، أو إلى التغير في النظرة إلى بعض القواعد الشاملة والعالمية، وذلك بتأثير ضرورات واحتياجات التجارة الدولية وتطورها (6).
وتجدر الإشارة إلى ان التنظيم المثالي للعلاقات الأولية الخاصة يكون من خلال إخضاعها لقواعد دولية موحدة تلزم جميع الدول بتطبيقها (7) ، إلا أن التشريعات الوطنية اتجهت عكس ذلك، إذ استقل كل مشرع بوضع قواعد إسناد على وفق ما يراه مناسباً مع مصالحه الوطنية، لذا فأن صياغة قواعد الإسناد، عملية ذهنية يتأثر فيها المشرع الوطني بمعتقداته وثقافته وبتالي ينحاز إلى تفضيل المصلحة الوطنية، والدليل على ذلك قواعد الإسناد الخاصة بمجال الأحوال الشخصية، حيث مال المشرع إلى تفضيل القانون الوطني على القانون الأجنبي، زد على ذلك انعقاد الاختصاص لقانون القاضي في حلالات لا تستوجب ذلك، كما في الإحالة من الدرجة الأولى أو انعدامها، وتعدد الجنسيات وكانت جنسية القاضي من ضمنها، وفي حالة استبعاد القانون الأجنبي لمخالفته لنظام دولة القاضي، إذاً هذا التوسع يؤدي إلى تفضيل البعد الوطني باعتباره استثناء، وذلك على حساب البعد الدولي، لأن ذلك يؤدي إلى خرق الصفة الازدواجية والصفة الإرشادية لقاعدة الإسناد، مما أثر ذلك على أخلال التوازن بين المصلحة الوطنية والمصلحة الأولية (8)، وبالتالي لا يتحقق عندنا مبدأ التطويع، فالتطويع يحتاج إلى مرونة وعدم الانحياز إلى قانون معين بحيث أن المشرع عندما يضع قاعدة الإسناد يجب ان تكون هذه القاعدة ملاءمة للمراكز القانونية.
ومن الأسباب أيضا التي تؤدي إلى الإخلال بمبدأ التوازن بين المصلحة الوطنية والمصلحة الأولية هي الصياغة المفردة لقاعدة الإسناد، إذ إنّها تحدد فقط حالات اختصاص القانون الوطني مقابل العلاقات الخاصة الدولية ولا شأن لها بتحديد حالات الاختصاص القانون الأجنبي، وإذا تبين أن القانون الوطني غير واجب التطبيق تخرج المسألة من نطاق سريانه، ويحق للقاضي أن يحكم بعدم اختصاصه بنظر الدعوى، ويترك للقانون الأجنبي الذي يرتبط به النزاع تحديد اختصاصه من عدمه، إلا أن هذا التوجه يؤدي إلى تعطيل قاعدة الإسناد، فلا بد من إفساح المجال للقانون الأجنبي إذا كان القانون الوطني غير مختص، كذلك لتحاشي وجود فراغ تشريعي يمكن أن يؤدي إلى نوع من إنكار العدالة، لا سيما إذا كان القانون الوطني غير مختص بحكم العلاقة ووسيلة سد الفراغ التشريعي يكون من خلال الصياغة المزدوجة لقاعدة الإسناد (9) . إذاً فالصياغة المفردة لقاعدة الإسناد تعد تعديا على جوهر العلاقات الخاصة الدولية، إذ تجعل قواعد الإسناد أقرب إلى القواعد الموضوعية الوطنية (الداخلية)، فهي تنسد النزاع للقانون الوطني فقط دون اي اعتبار للقوانين الأجنبية المتزاحمة لحكم العلاقة القانونية ولربما كان القانون الأجنبي أكثر ملاءمة وانسجاماً مع العلاقة القانونية بدل القانون الوطني(10).
كذلك من الأسباب التي تؤدي إلى الإخلال بمبدأ التوازن بين المصلحة الوطنية والمصلحة الدولية هو عملية التكييف، إذ يعد التكييف عملية مفصلية في مسألة تنازع القوانين، لأن نتيجة الحل النهائي مرتبط به كالارتباط الفرع بالصل، لذلك فتطابق قانونين مختلفين من حيث قواعد الإسناد لا يؤدي بالضرورة إلى تطابق الحلول، وذلك بسبب التكييف، فمثلا ضابط الإسناد الخاص بالميراث في العراق هو ضابط الجنسية (11) ، أما في فرنسا فيخضع لقانون موقعه إذا كان الميراث عقارا أو إلى موطن المالك إذا كان منقولا(12)، كذلك في مسألة التقادم بمرور الزمان فأن القانون الأمريكي يكيفه باعتباره مسألة أصولية تخضع لقانون القاضي، بينما في القوانين الدول الأوربية يكيّف التقادم بأنه مسألة موضوعية جوهرية تخضع للقانون الذي يحكم أساس وجوهر النزاع (13) فالتكييف له دور مهم في عملية الإسناد، نصل إلى نتيجة ان التكييف يلعب دور مهم في تحقيق التوازن بين المصلحة الوطنية والمصلحة الدولية.
أيضا يظهر الإخلال بمبدأ التوازن ما بين المصلحة الوطنية والمصلحة الأولية في استعانة العلاقات الخاصة الدولية بالقواعد القانونية التي تنظم العلاقات الداخلية، حيث إن الأخيرة ما وضعت ألا لحل النزاعات الداخلية ولا يمكن تطبيقها على العلاقات الخاصة الدولية، مثال على ذلك محل الإقامة فهو ذاته في القانون الداخلي والقانون الدولي الخاص وأن كانت وظيفته تختلف بين القانونين، أيضا التمييز بين الشكل والأساس، فما يعتبر من الشكل في العلاقات الداخلية يعتبر كذلك في العلاقات الخاصة الدولية (14)، لذلك لا يصح مساواة العلاقات الخاصة الدولية بالعلاقات الداخلية، لأن الأولى لها طابعها التي تتميز به عن العلاقات الداخلية فلا يمكن بأي حال حكم المجتمع الدولي بالقواعد المقررة في المجتمع الداخلي، والا كان من شأن هذا الوضع الإخلال بالأمان القانوني، وعدم صيانة التوقعات المشروعة لأطراف العلاقة، وعدم تحقيق التعايش المشترك بين النظم القانونية، والإخلال أيضا بمبدأ العدالة، وهذه أهم الأهداف المثالية للقانون الدولي الخاص، ومن هنا يرى بعض الفقه ضرورة وجود قانون مستقل ينظم العلاقات الخاصة الدولية(15).
وحتى يتحقق التوازن بين المصلحة الوطنية والمصلحة الأولية، لا بدّ من توفر أحكام ومبادئ تميز العلاقات الأولية عن العلاقات الداخلية، ولن يأتي هذا ألا بتطويع طوائف النظم القانونية الداخلية، وفهما بامتثال الروح الأولية، وما يمليه مبدأ التعايش المشترك بين النظم القانونية في مختلف الدول، وذلك حتى تتمكن قواعد الإسناد من استيعاب المسائل والنظم ذات العنصر الأجنبي، والتي يصعب بحسب الأصل أدراجها ضمن طوائف قانونية داخلية، وذلك التطويع يأتي إذا استقبل القاضي القانون الأجنبي ببصيرة واعية وافق واسع، وخير مثال على ذلك القضاء الإنكليزي قد طوع قواعده، بعد أن كان لا يعترف بنظام تعدد الزوجات أصبح اليوم يعترف بذلك ويرتب عليه نتائج كالاعتراف بشرعية نسب الأولاد من الزواج الثاني وحقهم في الميراث وفي التامين الاجتماعي، وذات التوجه أيضا لدى القضاء الفرنسي زد على ذلك أن القضاء الفرنسي بدأ يعترف بالطلاق بالإرادة المنفردة المقررة في الشريعة الإسلامية (16).
كذلك من الأمور التي تؤدي إلى التوازن، اتجاه المشرع إلى الصفة الثنائية لقاعدة الإسناد، اي ان المشرع عند وضعه لقواعد الإسناد أن يهتم بتحديد القانون الذي يحكم النزاع بمعزل عن تحديد جنسية هذا القانون، مثلا إذا كان القانون الجنسية هو الذي يطبق بالنسبة لمواطني الدولة على علاقات الأحوال الشخصية، فأنه يقتضي أن يخضع الأجنبي إلى قانون جنسيته في مسائل الأحوال الشخصية، إضافة إلى ذلك يجب ان تحلل العلاقة القانونية على أساس موضوعي بهدف معرفة النظام القانوني الأكثر صلة وارتباط بالعلاقة القانونية، وهذه الطريقة تقتضي أن يتحقق التوزيع الموضوعي المتناسق للصلاحيات ولنجاح هذه الطريقة لا بد من الاتفاق على العنصر الأساسي في كل علاقة وعلى تركيزه الموضوعي من خلال إخضاع كل علاقة إلى بيئتها، وهذا ما عبرت عنه النظريات الحديثة .... (17).
يتضح مما تقدم، أن من أهم الأسس التي يقوم عليه التطويع هو التوازن ما بين المصلحة الوطنية والمصلحة الأولية من خلال قيام المشرع بصياغة قواعد إسناد مرنة تؤدي إلى التوازن بين المصلحة الوطنية و الدولية.
___________
1- د. سالم ارجيعة الوجيز في القانون الأولي الخاص الليبي، ط4 ، دار المعارف، 2007، ص37
2- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص 68. حفيظة السيد الحداد القانون الدولي الخاص الكتاب الأول، تنازع القوانين منشورات الحلبي الحقوقية، 2002 ص 260.
3- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا، مصدر سابق، ص30.
4- هبه رحيم عبد الزهرة، دور ضوابط الإسناد التخييرية في تطوير قواعد تنازع القوانين رسالة ماجستير، جامعة القادسية، كلية القانون، 2026، ص 47 .
5 - د. احمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا، مصدر سابق،، ص 69 .
6- د. عز الدين عبد الله القانون الأولي الخاص المصري الجزء الثاني، ط 2 ، مكتبة النهضة المصرية، 1955، ص 11.
7- هنالك توجه فقهي يؤيد توحيد قواعد تنازع القوانين في شكل معاهدات دولية وخصوصا وانها تعد مصدراً مهماً من مصادر القانون الدولي الخاص، حيث تسعى الدول من خلال هذه المعاهدات إلى توحيد قواعد التنازع وإخضاعها لقانون واحد كقانون الجنسية أو قانون الموطن.
8- د. علي معزوز المفاضلة التشريعية بين القانون الوطني والقانون الأجنبي في التنازع المكاني لقوانين الأحوال الشخصية بين مبررات الخصوصيات الوطنية ومبررات الحياة الأولية، بحث منشور في مجلة المعارف، مجلد 17، العدد 2، 2022، 88
9- د. أحمد عبد الكريم سلامة المختصر في قانون العلاقات الخاصة الأولية دار النهضة العربية، القاهرة، 1999، ص 52.
10- د. علي معزوز، مصدر سابق، ص89.
11- المادة (22) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 المعدل.
12- د. سعيد يوسف البستاني، القانون الأولي الخاص، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 2014، ص 130.
13- د . غالب علي الداودي ود. حسن محمد الهداوي، القانون الدولي الخاص، مطبعة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بغداد الجزء الأول، 1980، ص 70 .
14- سامي بديع منصور و د. عبده جميل غصوب و د نصري أنطوان دياب القانون الدولي الخاص، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت، 2009 ، ص169.
15- د. عبد المنعم زمزم الوسيط في القانون الأولي الخاص، دار الثقافة العربية ، مكان النشر: القاهرة، مصر سنة النشر: 2015 ، ص 20.
16- د. أحمد عبد الكريم سلامة علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا ، الطبعة الأولى، مكتبة الجلاء الجديدة، 1996، ص 402 وما بعدها.
17- د. سامي بديع ،منصور، مصدر سابق، ص 170.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدولي الخاص
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة