0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

البحث حول الخلود في العذاب

المؤلف:  السيد عبد الله شبر

المصدر:  مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار (ت: مجتبى المحمودي)

الجزء والصفحة:  ج1، ص 284 ــ 319

2026-09-05

27

+

-

20

الحديث الرابع والثلاثون: [الخلود في العذاب]

ما رويناه عن ثقة الإسلام وعلم الأعلام محمّد بن يعقوب الكلينيّ رحمه الله في (الكافي) عن العدّة، عن أحمد بن أبي عبداللَّه، عن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن سعيد، عن نضر مولى أبي عبد اللَّه (عليه السلام)، عن موفّق مولى أبي الحسن (عليه السلام) قال: كان مولاي أبو الحسن (عليه السلام) إذا أمر بشراء (البَقْل) يأمرني بالإكثار من الجرجير (1) فيشترى له، وكان يقول (عليه السلام): «ما أحمق بعض الناس! يقولون: إنّه نبت في وادي جهنّم، واللَّه (عزّ وجلّ) يقول: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: 24] فكيف تنبت البقل؟» (2).

تحقيق مرام في دفع شكوك وأوهام:

اعلم أنّ هذا الحديث الشريف ردّ على أناس من العامّة العمياء، تركوا التمسّك بكتاب اللَّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبسنّة رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى، واتّبعوا الفلاسفة في الاستناد إلى الأهواء والآراء والاستبداد بالأوهام الفاسدة والآراء الكاسدة، وخالفوا الكتاب المبين وسنّة سيّد المرسلين وإجماع سائر المسلمين، بل ضرورة المذهب والدين، فذهبوا إلى أنّ الكفّار وإن كانوا مخلّدين في النار إلى ما لا نهاية له، إلّا أنّ عذابهم لا بدّ له من انقطاع وزوال، فتكون النار عليهم برداً وسلاماً بعد ما يعذّبون بها مقدار استحقاقهم.

وممّن صرّح بذلك الشيخ محي الدين بن العربيّ في مواضع من مؤلّفاته، فقال في الفصّ اليونسيّ من فصوص الحكم - على ما نقله عنه الفيلسوف صدر الدين الشيرازيّ في أسفاره وتفسيره وغيره - ما لفظه: وأمّا أهل النار فمآلهم إلى النعيم، ولكن في النار؛ إذ لا بدّ لصورة النار بعد انتهاء مدّة العذاب أن تكون برداً وسلاماً على من فيها، وهذه صفتهم (3)، فنعيم أهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل اللَّه (عليه السلام) حين ألقي في النار (4) وقال في الفصّ الإسماعيليّ: الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد، والحضرة الإلهيّة تطلب الثناء المحمود بالذات، فيثنى عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد، بل بالتجاوز، ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: 47]، ولم يقل وعيده، بل قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: 16]، مع أنّه توعّد على ذلك (5).

وقال في الباب الثامن والخمسين: وأمّا كتاب الفجّار لفي سجّين، وفيه أصول السدرة التي فيها شجرة الزقّوم، فهناك [تنتهي] أعمال الفجّار في أسفل السافلين، فإن رحمهم الرحمان من عرش الرحمانيّة بالنظرة التي ذكرناها جعل لهم نعيماً في منزلهم، فلا يموتون فيها ولا يحيون، فهم في نعيم النار دائمون، كنعيم النائم بالرؤيا التي يراها في حال نومه من السرور، وربّما يكون في فراشه مريضاً ذا بؤس وفقر، ويرى نفسه في المنام ذا سلطان ونعمة وملك، فإن نظرت إلى النائم من حيث ما يراه في منامه ويلتذّ به قلت: إنّه في نعيم [وصدقت]، وإن نظرت إليه من حيث ما تراه في فراشه الخشن ومرضه وبؤسه وفقره وكلومه (6) قلت: إنّه في عذاب.

هكذا يكون أهل النار ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: 13] أي لا يستيقظ أبداً من نومته، فتلك الرحمة التي يرحم اللَّه بها أهل النار الذين هم أهلها وأمثالها، فالمحرور منهم ينعّم بالزمهرير، والمقرور منهم يجعل في الحرور، فقد يكون عذابهم يوهم وقوع العذاب بهم، وذلك كلّه بعد قوله تعالى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ــ أي العذاب ــ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: 75] ذلك زمان عذابهم وأخذهم بجرائمهم قبل أن تلحقهم الرحمة التي سبقت الغضب الإلهيّ، فإذا اطّلع أهل الجنان في هذه الحالة على أهل النار ورأوا منازلهم في النار وما أعدّ اللَّه فيها وما هي عليه من قبح المنظر، قالوا: معذّبون، وإذا كوشفوا على الحسن المعنويّ الإلهيّ في حقّ ذلك المسمّى قبحاً ورأوا ما هم فيه من نومهم وعلموا أحوال أمزجتهم، قالوا: منعّمون، فسبحان القادر على ما يشاء لا إله إلّا هو العزيز الحكيم، فقد فهمت قول اللَّه: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: 13]، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: «وأمّا أهل النار الذين هم أهلها فإنّهم لا يموتون فيها ولا يحيون» (7).

وقال في الباب الخامس والثلاثمائة من الفتوحات بعد كلام طويل: لا بدّ من حكم الرحمة على الجميع، أي أهل النار وأهل الجنّة. ثمّ قال: ولا يلزم ممّن كان من أهل النار الذين يعمّرونها أن يكونوا معذّبين بها، فإنّ أهلها وعمّارها وخزنتها - وهم ملائكة - وما فيها من الحشرات والحيّات وغير ذلك من الحيوانات التي تبعث يوم القيامة ولا واحد فيها يكون النار عليه عذاباً، كذلك من يبقى فيها لا يموتون فيها ولا يحيون، وكلّ من ألِف موطنه كان به مسروراً، وأشدّ العذاب مفارقة الوطن، ولو فارق النار أهلها لتعذّبوا باغترابهم عمّا أهّلوا له، وإنّ اللَّه قد خلقهم على نشأة تألف ذلك الوطن، فعمرت الداران، وسبقت الرحمة الغضب. وقد وجدنا في نفوسنا ممّن جبلهم اللَّه على الرحمة أنّهم يرحمون جميع عباد اللَّه حتّى لو حكّمهم اللَّه في خلقه لأزالوا صفة العذاب من العالم بما تمكّن حكم الرحمة من قلوبهم، وصاحب هذه الصفة أنا وأمثالي ونحن مخلوقون أصحاب أهواء وأغراض، وقد قال عن نفسه جلّ علاه أنّه أرحم الراحمين، فلا يشكّ أنّه أرحم منّا بخلقه، ونحن عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في الرحمة، فكيف يتسرمد العذاب عليهم وهو بهذه الصفة العامّة؟ إنّ اللَّه أكرم من ذلك ولا سيّما وقد قام الدليل العقليّ على أنّ الباري لا تنفعه الطاعات ولا تضرّه المخالفات، وأنّ كلّ شيء جارٍ بقضائه وقدره وحكمه، وأنّ الخلق مجبورون في اختيارهم، وقد قام الدليل السمعيّ أنّ اللَّه يقول في الصحيح: «يا عبادي» فأضافهم إلى نفسه، وما أضاف قطّ العباد إلى نفسه إلّا مَن سبقت له الرحمة، والآن يؤبّد (8) عليهم الشقاء؟ [وإن دخلوا النار] فقال: «يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم اجتمع على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً». فقد أخبر بما دلّ عليه العقل أنّ الطاعات والمعاصي ملكه، وأنّه على ما هو عليه لا يتغيّر ولا يزيد ولا ينقص ملكه ممّا طرأ عليه وفيه، فإنّ الكلّ مُلكه ومِلكه. ثمّ قال: من تمام هذا الخبر الصحيح: (يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كلّ واحد منكم مسألته، ما نقص في ملكي شيئاً» الحديث. وما نشكّ أنّه ما من أحد إلّا وهو يكره ما يؤلمه طبعاً، فما من أحد إلّا وقد سأله ألّا يؤلمه وأن يعطيه اللذّة في الأشياء.

ولا يقدح ما أومأنا إليه في الحديث إذا تعلّق به المنازع في هذه المسألة إدخال (لو) في ذلك، فإنّ السؤال من العالم في ذلك قد علم وقوعه بالضرورة من كلّ مخلوق، فإنّ الطبع يقتضيه، والسؤال قد يكون حينئذٍ قولًا وحالًا كبكاء الصغير الرضيع وإن لم يعقل عند وجود الألم الحسّيّ بالألم والوجع النفسيّ لمخالفة الغرض إذا منع من الثدي.

وقد أخذت المسألة حقّها، والأحوال التي ترد على قلوب الرجال لا تحصى كثرة، وقد أعطيناك منها في هذا الباب انموذجاً على هذا الأسلوب (9) انتهى كلامه.

وقال العلّامة القيصريّ في شرح الفصّ الهوديّ من فصوص الحكم - على ما حكاه عنه الفاضل الفيلسوف الشيرازيّ أيضاً - ما لفظه: اعلم أنّ من اكتحل عيناه بنور الحقّ يعلم أنّ العالم بأسره عباد اللَّه، وليس لهم وجود وصفة وفعل إلّا باللَّه وحوله وقوّته، وكلّهم محتاجون إلى رحمته وهو الرحمان الرحيم، ومن شأن مَن هو موصوف بهذه الصفات أن لا يعذّب أحداً عذاباً أبديّاً، وليس ذلك المقدار من العذاب أيضاً إلّا لأجل إيصالهم إلى كمالاتهم المقدّرة لهم، كما يذاب الذهب والفضّة بالنار لأجل الخلاص ممّا يكدّره وينقص عياره، وهو متضمّن لعين اللطف والرحمة، كما قيل: وتعذيبكم عذب وسخطكم رضى * وقطعكم وصل وجوركم عدل (10).

وقال في موضع آخر من شرح الفصوص في ذكر أهل النار، ما لفظه: وعند تسلّط سلطان المنتقم عليهم يتعذّبون بنار الجحيم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29]، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77]، ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: 162] و﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]، ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]، فلمّا مرّت عليهم السنون والأحقاب واعتادوا بالنيران ونسوا نعيم الرضوان، قالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: 21] فعند ذلك تعلّقت الرحمة بهم، ورفع عنهم العذاب، مع أنّ العذاب بالنسبة إلى العارف الذي دخل فيها بسبب الأعمال التي تناسبها عذب من وجهٍ، وإن كان عذاباً من آخر كما قيل: وتعذيبكم عذب، إلى آخره.

ثمّ أيّد ذلك وأتى له بأمثلة ونظائر، ثمّ قال: وأنواع العذاب غير مخلّد على أهله من حيث أنّه عذاب؛ لانقطاعه بشفاعة الشافعين، وآخر من يشفع هو أرحم الراحمين كما جاء في الحديث الصحيح كذلك ينبت الجرجير في قعر جهنّم لانطفاء النار وانقطاع العذاب (11)، وبمقتضى: سبقت رحمتي غضبي، فظاهر الآيات التي جاءت في حقّهم بالتعذيب كلّها حقّ، وكلام الشيخ لا ينافي ذلك؛ لأنّ كون الشيء من وجه عذاباً لا ينافي كونه من وجه آخر عَذباً (12) انتهى.

ثمّ إنّ الفاضل الفيلسوف صدر الدين الشيرازيّ قد ذهب إلى هذا القول واستدلّ بهذه الأدلّة في الأسفار وأيّدها وشيّدها، وقال في تفسير سورة البقرة ما نصّه: فصل: اتّفق أهل الإسلام على أنّه يحسن من اللَّه تعالى تعذيب الكفّار، وقال بعضهم: لا يحسن؛ أمّا الفرقة الأولى فمستندهم أدلّة سمعيّة - كالكتاب والخبر والإجماع - وأمّا الفرقة الثانية فمستندهم دلائل عقليّة:

الأوّل: أنّه سبحانه هو الخالق للدواعي التي توجب المعاصي؛ وذلك لحكمة النظام ومصلحة الخلائق؛ لما مرّ من أنّ الناس كلّهم لو كانوا صلحاء مؤمنين خائفين من عقاب اللَّه لاختلّ نظام الدنيا وبطلت أسباب المعيشة.

ولما بيّنّا أنّ صدور الفعل عن قدرة العبد يتوقّف على انضمام الداعي من العلم والإرادة وغيرهما، وبعد انضمام الداعي يجب صدور الفعل، وحصول الداعي ليس بقدرته وإلّا لكان للداعي داعٍ آخر، ويعود الكلام جزماً (13) فيتسلسل، وهو محال، أو ينتهي إلى داعٍ حصل بخلق اللَّه لا بقدرة العبد.

فإذاً كان اللَّه هو الخالق للدواعي الشيطانيّة التي توجب المعاصي، فيكون هو المُلجئ إليها فيقبح منه أن يعاقب عليها.

وربّما قرّروا هذا بوجه آخر وقالوا: إذا كانت التكاليف الشرعيّة قد جاءت إلى شخصين فقبلها أحدهما فأثيب، وخالفها آخر فعوقب، فإذا سُئل لِمَ أطاع هذا ولِمَ عصى الآخر؟

فيجاب: لأنّ المطيع أحبّ الثواب وحذر العقاب، والعاصي لم يحبّ ولم يحذر، أو لأنّ هذا أصغى إلى مَن وعظه وفهم عنه مقالته فأطاع، وهذا لم يصغ ولم يفهم فعصى.

فيقال: ولم أحبّ الخير هذا وأصغى وفهم، ولم يكن الآخر كذلك؟

فيجاب: لأنّ هذا حازم لبيب فطن، وذلك أخرق جاهل غبيّ.

فيقال: ولم خصّ هذا بالعقل والفطنة دون ذاك، ولا شكّ أنّ الفطنة والبلادة من الأحوال الغريزيّة، فإذا تناهت التعليلات إلى أمور خلقها اللَّه اضطراراً فعلم أنّ السبب للإطاعة والعصيان والتوفيق والحرمان من الأشخاص أمور واقعة عليها بقضاء اللَّه وتقديره.

وعند هذا يقال: أين من العدل والرحمة أن يخلق في عبد من الفظاظة والقساوة والغباوة والطيش والخرق ما يوجب عنه صدور العصيان، ثمّ يعاقب عليه، وهذه ممّا هو مجبول عليها كما جبل على أضدادها الطائع؟

وأين من العدل أن يسخّن قلب العاصي ويقوّي غضبه ويلهب دماغه ويكثر طيشه ولا يرزقه ما يرزقه المطيع من أستاذ سليم، ومؤدِّب عليم، وواعظ مبلّغ، وناصح شفيق، بل يقيّض له أضداد هؤلاء في أفعالهم وأخلاقهم، فيكتسب منهم ما يكتسبه المطيع، ثمّ يؤاخذه بما يؤاخذ به اللبيب الحازم العالم البارد طبيعة الرأس الصبور، المعتدل المزاج، القلب الذكي، اللطيف الروح، الدرّاك يقظان النفس الحازم، ما هذا من العدل والكرم والرحمة. فثبت بهذا القول أنّ العقاب على خلاف قضيّة العقول.

الثاني: أنّ التعذيب في الآخرة ضررٌ خالٍ عن جهات المنفعة: أمّا إنّه ضرر فظاهر، وأمّا إنّه خال عن جهات النفع؛ فلأنّ تلك المنفعة إمّا عائدة إلى اللَّه أو إلى غيره، والأوّل باطل؛ لتعاليه عن وصمة التغيير والانفعال، والثاني أيضاً باطل؛ لأنّها إمّا عائدة إلى المعذَّب أو إلى غيره، أمّا إليه فهو محال؛ لأنّ الإضرار لا يكون عين الانتفاع، وأمّا إلى غيره فهو محال؛ لأنّ دفع الضرر أولى بالرعاية من إيصال النفع، فإيصال الضرر إلى شخص لغرض إيصال النفع إلى آخر ترجيح للمرجوح على الراجح، وهو باطل.

وأيضاً فلا منفعة يريد اللَّه إيصالها إلى أحد إلّا وهو قادر عليها بوجوه شتّى، فالإضرار عديم الفائدة. فثبت أنّ التعذيب ضرر خالٍ من جهات المنفعة، وأنّه معلوم القبح بديهة، بل قبحه في العقول أشدّ من قبح الكذب [الغير الضارّ والجهل الغير الضارّ، بل من قبح الكذب] (14) الضارّ والجهل الضارّ؛ لأنّ الكذب الضارّ وسيلة إلى الضرر، وقبح وسيلة الضرر دون قبح نفس الضرر، وإذا ثبت قبحه امتنع صدوره من اللَّه تعالى؛ لأنّه حكيم، والحكيم لا يفعل القبيح.

الثالث: أنّه لمّا كان عالماً بأنّ الكافر لا يؤمن كما أخبر عنه في الآية السابقة وعنى بها قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 7] فمتى كلّفه لم يظهر منه إلّا العصيان الذي هو سبب للعقاب، فكان ذلك التكليف مستعقباً لاستحقاق العذاب، إمّا لأنّه تمام العلّة، أو لأنّه شطرها، فوجب أن يكون ذلك التكليف قبيحاً؛ لكونه مستعقباً للضرر الخالي عن النفع، والحكيم لا يفعل القبيح، فوجب أحد الأمرين، إمّا عدم التكليف أو عدم العقاب، وعلى أيّهما فالمطلوب حاصل.

الرابع: أنّه سبحانه إنّما كلّفنا لنفع يعود إلينا؛ لأنّه تعالى قال: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7]، فإذا عصينا فقد فوّتنا على أنفسنا تلك المنافع، فهل يحسن في العقول أن يأخذ الحكيم إنساناً ويقول: إنّي أعذّبك العذاب الشديد؛ لأنّك فوّتَّ على نفسك بعض المنافع؟ فإنّه يقول له: إنّ تحصيل النفع مرجوح بالنسبة إلى دفع الضرر، فهب أنّي فوّتُّ على نفسي أدون المطلوبين، فأنت تفوّتُ عليّ لأجل ذلك أعظمهما. أو هل يحسن من السيّد أن يأخذ عبده ويقول إنّك قدرت على أن تكسب ديناراً لنفسك لتنتفع به خاصّة من غير أن يكون لي فيه شيء البتّة، فلمّا لم تفعل فأنا أعذّبك وأقطّع أعضاءك إرباً إرباً؟ لا شكّ أنّ هذه نهاية السفاهة فكيف يليق بأحكم الحاكمين؟ ثمّ قالوا: هب أنّا سلّمنا هذا العقاب، فمن يقول بالدوام؟ وذلك لأنّ أقسى الناس قلباً، وأشدّهم غلظةً وبُعداً عن الخير والرحمة إذا أخذ من بالغ في الإساءة إليه عذّبه يوماً أو شهراً أو سنةً، ثمّ إنّه يشبع منه ويملُّ، ولو بقي مواظباً عليه يلومه كلّ أحد، ويقال: هب أنّه بالغ في الإساءة والإضرار بك ولكن إلى متى هذا التعذيب؟ فإمّا أن تقتله وتريحه، وإمّا أن تخلّصه. فإذا قبح هذا من الإنسان الذي يلتذُّ بالانتقام، فالغنيّ عن الكلّ كيف يلصق به هذا الذمّ؟ مع ما يقال من أنّه تعالى (15) نهى عباده عن استيفاء الزيادة، فقال تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: 33]، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، ثمّ إنّ العبد هب أنّه عصى طول عمره فأين عمره من الأبد؟! فيكون العذاب المؤبّد ظلماً.

الخامس (16): أنّ العبد لو واظب على الكفر طول عمره، فإذا تاب ثمّ مات عفا اللَّه عنه وأجاب دعاءه، وقبل توبته، أترى هذا الكريم العظيم ما بقي كرمه في الآخرة؟ أو عقول أولئك المعذّبين ما بقيت؟ فِلَم [لا يتوبون] (17) عن معاصيهم؟ فإذا تابوا فِلَم لا يقبل اللَّه توبتهم؟ ولِمَ لا يسمع دعاءهم؟ ولِمَ يخيّب رجاءهم؟ ولِمَ كان في الدنيا في الرحمة والكرم إلى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ﴾ [غافر: 60]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62]، وصار في الآخرة بحيث كلّما كان تضرّعهم إليه أشدّ، فإنّه لا يخاطبهم إلّا بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]، قالوا: فهذه الوجوه ممّا يوجب القطع بعدم العقاب.

واعلم أنّ أكثرها مبتنية على أصول المعتزلة من التحسين والتقبيح العقليين، وأنّ الأصلح واجب على اللَّه ولا محيص لهم عنها من جهة العقل.

والأشاعرة أجابوا عن هذه الشُبه بمنع صحّة تلك الأصول، وبما تواتر من الآيات والأخبار المنقولة من الرسول (صلى الله عليه وآله) الواردة في خلود الكفّار في عذاب النار. 

وأمّا على أصولنا الحكميّة الإيمانيّة فالجواب عنها بما مرّ: أنّ العقوبة إنّما لحقت الكفّار لا من جهة انتقام منتقم خارجيّ يفعل الإيلام والتعذيب على سبيل القصد وتحصيل الغرض حتّى يرد السؤال في الفائدة وعدم الفائدة، أو في كون المنفعة عائدة إليه تعالى أو إلى العبد، بل العقوبة إنّما تلحقهم من باب اللوازم والتبعات والنتائج والثمرات.

فهذا هو الجواب بحسب الأصول الحقّة عن الإشكال الوارد على أصل العقاب.

وأمّا الإشكال الوارد على دوام العذاب وأبديّته للكفّار، فوروده من جهة أخرى غير جهة التحسين والتقبيح، فلذلك كان موجب تحيّر الحكماء وتدهّش أفاضل العرفاء، حتّى أنّ الشيخ العارف السبحانيّ، محي الدين بن العربيّ وتلميذه الشيخ صدر الدين القونويّ صرّحا بالقول بانتهاء مدّة العقاب وعدم تسرمد العذاب وتبعهما غيرهما من شرّاح الفصوص، ومن يحذو حذوهم، ثمّ نقل عبارات الفصوص والفتوحات وعبارة القيصريّ بنحو ما ذكرنا.

ثمّ قال بعد نقل كلامهم: وممّا يدلّ على نفي تسرمد العذاب حديث: سيأتي على جهنّم زمان ينبت في قعرها الجرجير، وذكر البغويّ - المشهور بمحيي السنّة - في معالم التنزيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] أنّه قال ابن مسعود: ليأتينّ زمان على جهنّم ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً (18) انتهى ما أوردنا نقله من تفسير الفيلسوف صدر الدين الشيرازيّ.

وقال المحدّث العارف المحقّق الكاشانيّ في كتاب عين اليقين الذي تبجّح في أوّله وقال: هذه رموز ربّانيّة أوتيتها من فضل اللَّه، وكنوز عرفانيّة انتقدتها من نفائس خزائن أهل اللَّه، وأنوار ملكوتيّة اقتبستها من مشكاة المستضيئين بنور اللَّه، وأسرار جبروتيّة التمستها من هدى الراسخين في العلم من أولياء اللَّه، قد صرفت أيّاماً من عمري في مدارستها، متعمّقاً في استكشاف حقائقها، وقضيت أعواماً من دهري في ممارستها، ممعناً في استطلاع دقائقها، بتمرينها مرّة بعد أخرى، وتليينها كرّة غبّ أولى حتّى ازدادت لنفسي إشراقاً واعتباراً، وضياءً واستبصارًا، فكشفت عن كنه (19) أستارها، وتبيّنت لي أعلامها ومنارها ببراهين نورانيّة، وإلهامات روحانيّة، وإشارات فرقانيّة، وأمارات ذوقيّة وجدانيّة، فاطمأنّت نفسي إليها، وسكن قلبي لديها، وانشرح صدري لها، كمن قد وجد ضالّة عزيزة عليه  (20)، مع أنّ جلّه ومعظمه مأخوذ من مؤلّفات أستاذه المشار إليه من الأسفار وغيرها، قال في آخر الكتاب المذكور: ثمّ ليعلم أنّ الألم - عقليّاً كان أو حسّيّاً – لا بدّ وأن يزول يوماً، ويؤول إلى النعيم ولو بعد أحقاب؛ لأنّ العسر لا يدوم، والهيئات المضادّة للحقّ غريبة عن جوهر النفس، فكذا ما يلزمها. قال الشيخ الأعرابيّ في فصوص الحكم: أمّا أهل النار فمآلهم إلى النعيم لكن في النار... إلى آخره. وقال في موضع آخر: الثناء على اللَّه بصدق الوعد لا بصدق الوعيد... إلى آخره. ثمّ قال المحدّث الكاشانيّ بعد ذلك: ويصدّقه ما رواه شيخنا الصدوق في كتاب التوحيد عن مولانا الصادق (عليه السلام) عن آبائه قال: «قال رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله): من وعده اللَّه على عمل ثواباً فهو منجزه له، ومن أوعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار». ثمّ نقل عبارات الفتوحات المتقدّمة، ثمّ قال: وقال المحقّق كمال الدين عبدالرزّاق الكاشيّ في شرحه للفصوص: إنّ أهل النار إذا دخلوها وتسلّط العذاب على ظواهرهم وبواطنهم ملكهم الجزع والاضطراب فيكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً، متخاصمين متقاولين كما ينطق به كلام اللَّه في مواضع، وقد أحاط بهم سرادقها، فطلبوا أن يخفّف عنهم العذاب أو أن يُقضى عليهم، كما حكى اللَّه عنهم بقوله: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أو أن يرجعوا إلى الدنيا فلم يجابوا إلى طلباتهم، بل أجيبوا بقوله: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: 162]، وخوطبوا بمثل قوله: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]، ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]، فلمّا يئسوا ووطّنوا أنفسهم على العذاب والمكث على ممرّ السنين والأحقاب، وتعلّلوا بالأعذار ومالوا إلى الاصطبار، وقالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: 21]، فعند ذلك رفع اللَّه العذاب عن بواطنهم، وخبت نار اللَّه الموقدة التي تطّلع على الأفئدة، ثمّ إذا تعوّدوا بالعذاب بعد مضيّ الأحقاب ألفوه ولم يتعذّبوا بشدّته بعد طول مدّته، ولم يتألّموا به وإن عظم، ثمّ آل أمرهم إلى أن يتلذّذوا به ويستعذبوه، حتّى لو هبّ عليهم نسيم من الجنّة استكرهوه وتعذّبوا به، كالجُعل وتأذّيه برائحة الورد؛ لتألّفه بنتن الأرواث والقاذورات. ثمّ نقل كلام أستاذه، وكلام محي الدين، وكلام القيصريّ، وأيّده وشيّده وقال: وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «أنّ اللَّه خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، فجعل في الأرض منها رحمة، بها تعطف الوالدة على ولدها، والبهائم بعضها على بعض، والطير، وأخّر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة مائة» (21) انتهى كلامه. ونحوه كلامه في المعارف (22) الذي هو ملخّص هذا الكتاب بأخصر ممّا ذكر.

هذا غاية ما شيّدوا به هذا المطلب، ونهاية ما أيّدوا به هذا المذهب من الشبهات التي هي أوهن من بيت العنكبوت، وأنّه لأوهن البيوت، ولم يلتفتوا إلى مخالفة ذلك للآيات القرآنيّة المتظافرة، والأخبار والآثار المعتبرة، وإجماع المسلمين، بل ضرورة المذهب والدين، مع أنّها شبهات فاسدة من وجوه شتّى:

الأوّل: أنّ ما اعتمدوا عليه في هذا الباب من مرسلة الجرجير، ومقطوعة ابن مسعود - مع أنّهما في غاية الضعف ونهاية القصور - لم يوجد منهما عين ولا أثر في كتب الإماميّة، ولا ريب في وضعهما وكذبهما، فكيف يصلح الاعتماد عليهما سيّما في حكم مخالف للضرورة فضلًا عن الكتاب والسنّة؟ وقد تواتر عنه (صلى الله عليه وآله) بين الفريقين وعن أولاده المصطفين: أنّ كلّ حديث لا يوافق كتاب اللَّه فهو مزخرف يضرب به الحائط، فكيف يمكن الاحتجاج بهما؟ على أنّ رواية الجرجير قد عرفت تكذيب الكاظم (عليه السلام) لها.

وحديث ابن مسعود - بعد تسليم صحّته وثبوته - لا حجّة فيه، ولا يخفى ضعف ظاهره وخافيه؛ لأنّه غير مستند إلى نبيّ ولا إلى إمام، ومجرّد قول ابن مسعود كيف يكون حجّة في مثل هذا المقام؟ على أنّه يدلُّ على نفي الخلود وأكثر هؤلاء معترفون بفساده قطعاً. وروى عمران، قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): بلغنا أنّه يأتي على جهنّم حينٌ تصطفق أبوابها؟ فقال: «لا واللَّه، إنّه الخلود». قلت: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107] فقال: «هذه في الذين يخرجون من النار» (23)، واصطفاق الأبواب كناية عن خلوّها عن الناس. وهذا الحديث ردّ على ابن مسعود.

الثاني: أنّ ما استدلّ به من أنّ حال أهل جهنّم ومآلهم إلى النعيم في النار؛ إذ لا بدّ للعذاب من انقطاع، فيكون نعيمهم فيها كنعيم إبراهيم، والثناء على اللَّه بصدق الوعد لا بصدق الوعيد كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: 47] ولم يقل وعيده، بل قال: ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: 16] كلام واضح الفساد:

أمّا أوّلًا: فلأنّه لا دليل على وجوب انقطاع مدّة العذاب وانتهائه، بل الأدلّة القطعيّة على خلافه، واشتمال الآية على عدم خلف الوعد، لا يدلّ على حسن خلف الوعيد؛ إذ إثبات الشيء لا يدلّ على نفي ما عداه بإحدى الدلالات الثلاث.

على أنّه لا وعيد بالنسبة إلى الرسل والأنبياء المعصومين من الزلل، المفطومين من الخلل، وما تضمن ظاهره الوعيد لهم كنحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: 44] وأمثاله، فهو إمّا من باب «إيّاك أعني واسمعي يا جارة» أو على تقدير الصدور الممتنع عليهم عقلًا ونقلًا.

وأمّا ثانياً: فلأنّ الوعيد الذي يحسن خلفه إنّما هو من أقسام الإنشاء، ولكنّ الخلود في العذاب، قد دلّت عليه الآيات والروايات الواردة بطريق الإخبار، وأخبار اللَّه يمتنع فيها الكذب ضرورة.

وأمّا ثالثاً: فلأنّ اللَّه سبحانه وتعالى قد وعد أنبياءه ورسله بالانتقام من أعدائهم في الدنيا والآخرة وخلودهم في العذاب الدائم، فخلود الكفّار في العذاب الدائم وعد من اللَّه وعد به أنبياءه، ويمتنع على اللَّه تعالى خلف وعده ضرورة عقلًا ونقلًا، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: 47]، فيجب وقوعه لا محالة، فتكون الآية الشريفة ردّاً عليهم.

على أنّ الظاهر من سياق الآية: أنّه ليس الغرض وعد الرسل بالثواب، بل وعدهم بالنصر والظفر في الدنيا، والانتقام من أعدائهم وعذابهم في الدنيا والآخرة.

وأمّا رابعاً: فإنّ مقتضى شبهاتهم المذكورة: أنّ الكفّار لا يستحقّون الخلود في العذاب بل لا يجوز ذلك عليهم، ووعيد اللَّه تعالى لهم بالعذاب وبدوامه يدلّ على استحقاقهم لذلك حتّى يحسن ويصدق العفو، فيلزم هؤلاء أن ينكروا أصل الوعيد، وإنكاره تكذيب للقرآن العظيم والنبيّ الكريم، وهو موجب للكفر والخلود في الجحيم.

وأمّا القول بأنّ الغرض من هذا الوعيد الإصلاح والانزجار عن المعاصي، فلو تمّ لقام في أصل العذاب أيضاً، وهم لا يقولون به.

وبقيام هذه الاحتمالات الواهية الركيكة ينسدّ باب التكليف ويرتفع الوثوق بأقوال ربّ العالمين والأنبياء والمرسلين، ويلزم منه الخروج عن زمرة المسلمين، بل عن سائر الملّيّين.

وأمّا خامساً: فإنّ قوله تعالى: ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: 16] مخصوص ببعض أهل المعاصي من فرق المسلمين الذين لا يخلّدون، كما أطبق عليه المفسّرون وتظافرت به الآيات والروايات.

على أنّ التجاوز لا يتحقّق إلّا قبل دخول جهنّم أو بعد الدخول مع الخروج عنها، وأمّا رفع العذاب عنهم وهم فيها بعد عذابهم بقدر ما يستحقّونه فلا يسمّى ذلك تجاوزاً، بل عدلًا كما لا يخفى.

الثالث: أنّ قولهم: قد قام البرهان العقليّ على أنّ الطاعات لا تنفع اللَّه والمعاصي لا تضرُّه، كلام حقّ وصدق، بل نقول: إنّ الطاعات تنفع فاعليها، والمعاصي تضرّهم، ولهذا ترتّب على تلك الثواب وعلى هذه العقاب.

وقولهم: إنّ كلّ شيء بقضاء وقدر، فالخلق مجبورون في حال اختيارهم، فكيف يدوم عذابهم؟ إن أرادوا رفع الاختيار عنهم وأنّهم مجبورون على أفعالهم، فهذا الكلام يقبّح أصل التكليف، ويرفعه فضلًا عن أصل العذاب، بل فضلًا عن دوامه، وبهذا يوجب الخروج عن زمرة المسلمين والمخالفة لضرورة الدين المبين، وكفى به شناعة وفظاعة إلى يوم الدين.

الرابع: أنّ قولهم: إنّ العالم بأسره عباد اللَّه وليس لهم وجود وصفة وفعل إلّا باللَّه وحوله وقوّته، وكلّهم محتاجون إلى رحمته، وهو الرحمان الرحيم، ومِن شأن مَن هو موصوف بهذه الصفات ألّا يُعَذّب أحداً عذاباً أبديّاً، وليس ذلك المقدار من العذاب إلّا لأجل إيصالهم إلى كمالاتهم المعدّة لهم، كما يذاب الذهب والفضّة بالنار لأجل الخلاص ممّا يكدّره وينقص عياره، وهو عين اللطف والرحمة.

وقولهم: إنّ العبد الذي رزق أدنى رحمة يرحم العباد ولا يرضى بدوام عذاب عدوّه، وإن أساء معه ما أساء، فكيف بأرحم الراحمين؟! لا يخفى فساده مضافاً إلى ما مرّ من الوجوه، فإنّ قياس المنتقم الجبّار على الصيرفيّ المذيب للذهب بالنار، وقياس رحمة أرحم الراحمين على رحمة العبد الجاهل المسكين قياس مع الفارق؛ إذ الفرق واضح بين الإيلام بطريق الإصلاح وبين العقوبة بطريق الاستخفاف والاستهانة، وتعذيب الكفّار من الثاني كما قال تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108] ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49]، ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: 30-31] إلى آخر الآيات.

والفرق واضح أيضاً بين حال العبد الضعيف الجاهل العاجز، وبين الربّ الخالق العالم الجبّار القهّار. ألا ترى أنّ أنواع الأمراض والأوجاع والزمانات والبلاء والابتلاء والتعذيبات الواقعات في الدنيا التي ابتلى اللَّه بها خلقه لحِكَم ومصالح - هو أعلم بها - لو فوّضت إلى أقسى العباد قلباً وأجفاهم غلظة لرفعها عن الناس ولم يرضَ بها، سيّما بالنسبة إلى الأطفال والصبيان والرُضَّع والمشايخ والعاجزين، فكيف يقاس فعل ربّ العالمين بحال الجاهل المسكين؟! أو لم يعلموا أنّ أفعال اللَّه تعالى في الدنيا فضلًا عن الآخرة تعجز عن إدراكها العقول القاصرة والأفهام الكاسدة الفاترة كالنظر إلى أنواع العذاب والعقاب بالنسبة إلى الأمم السالفة والفرق الماضية، وأخذهم بأنواع النكال وأشدّ العذاب والوبال؟ ولم يتدبّروا كيف جعل اللَّه تعالى إدخال مقدار الحشفة موجباً للقتل والحرق في اللواط ونحو ذلك من الأحكام التي تعجز عن إدراكها العقول والأفهام؟! على أنّ ذلك إنْ تمّ منع أصل العذاب والعقاب في النار وهم لا يقولون به، مع أنّ اللَّه تعالى يقول في محكم كتابه في شأن أهل النار:

﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28] ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 72] ونحوهما من الآيات والروايات.

وسيّد الساجدين وزين العابدين (عليه السلام) يقول في الصحيفة الكاملة: «إلهي، لو بكيت إليك حتّى تسقط أشفار عيني، وانتحبت حتّى ينقطع صوتي، وقمت لك حتّى تنتشر قدماي، وركعت لك حتّى ينخلع صلبي، وسجدت لك حتّى تتفقّأ حدقتاي، وأكلت تراب الأرض طول عمري، وشربت ماء الرماد آخر دهري، وذكرتك في خلال ذلك حتّى يكلّ لساني، ثمّ لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء؛ استحياءً منك، ما استوجبت بذلك محو سيّئة واحدة من سيّئاتي، وإن كنتَ تغفر لي حين أستوجب مغفرتك، وتعفو عنّي حين استحقُّ عفوك، فإنّ ذلك غير واجب لي باستحقاق، ولا أنا أهل له باستيجاب، إذ كان جزائي منك في أوّل ما عصيتك النار؛ فإن تعذّبني فأنت غير ظالم لي...» (24)، هذا مع أنّهم اعترفوا بأنّ العذاب ليس بفعل منتقم خارجيّ، بل هو من لوازم أفعالهم، ونتائج اعتقاداتهم ومعاصيهم، فإذا كانت العقوبة والعذاب من نتائج الأعمال والمعاصي، فأيّ ضرر في أن تكون الأعمال والاعتقادات نتيجة وثمرة (25) لدوام العقاب؟

وتوضيح المقام: أنّ تكليف اللَّه عباده يجري مجرى تكليف الطبيب والمريض، فإذا غلبت عليه الحرارة أمره بشرب المبرّدات، وهو غنيّ عن شربه، لا يضرّه مخالفته ولا ينفعه موافقته كما يعترف به كلّ ذي لبّ، لكنّ النفع والضرر يرجعان إلى المريض ويلزمان لأفعاله، وإنّما الطبيب مرشد فقط، فإن وفّق المريض حتّى وافق الطبيب شُفي وتخلّص من ألم المرض، وإن لم يوفّق وخالف تمادى به المرض وهلك، وبقاؤُه وهلاكه سيّان عند الطبيب؛ لاستغنائه عن بقائه وفنائه.

فكما أنّ اللَّه تعالى خلق للشقاء سبباً مفضياً إليه، فكذلك للسعادة الأخرويّة سبباً، وهو الطاعة، ونهي النفس عن الهوى بالمجاهدة المزكّية لها عن رذائل الأخلاق، وهذه الرذائل مشقيات للنفس، مهلكات لها في الآخرة، كما أنّ رذائل الأخلاط ممرضات للبدن في الدنيا، والمعاصي بالإضافة إلى حياة الآخرة كالسموم بالإضافة إلى الحياة الدنيا. وللنفوس طبيب كما أنّ للأبدان طبيباً، والأنبياء والأوصياء هم أطبّاء النفوس، يرشدون الخلق إلى طريق الفلاح بتمهيد التكاليف المزكّية للقلوب كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]، ثمّ نقول: إنّ المريض إذا خالف أمر الطبيب وتمادى به المرض فبالحقيقة لم يتمادَ مرض المريض بمخالفة الطبيب لأجل المخالفة، بل لأنّه سلك غير طريق الصحّة الذي أمره الطبيب به، فكذلك التقوى التي أشار إليها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21] هي الحمية التي تنفي عن القلوب أمراضها، وأمراض القلوب تفوّت حياة الآخرة كما تفوّت أمراض الأجساد حياة الدنيا.

وبالجملة، فإنّ الطاعات أدوية نافعة، والمعاصي سموم قاتلة، وتأثيرهما في القلوب كتأثير هاتين في الأبدان، وكما لا ينجو في الآخرة إلّا من أتى اللَّه بقلبٍ سليم، كذلك لا ينجو هنا من المرض إلّا من أتى بمزاج معتدل، وكما يصحّ قول الطبيب للمريض: قد عرّفتك ما يضرّك وما ينفعك، فإن وافقتني فلنفسك، وإن خالفت فعليها، كذلك قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: 108].

وأمّا العقاب على ترك الأوامر وارتكاب الخطيئات فليس ذلك من اللَّه غضباً وانتقاماً على نحو غضبنا وانتقامنا، بل لاقتضاء حكمته الباهرة التي تعجز عنها العقول القاصرة ترتّب المسبّبات على الأسباب، فخلق النفس الإنسانيّة على وجه تنجيها الفضائل وتهلكها الرذائل، واللَّه تعالى غير عاجز عن الإشباع من غير أكل، والإرواء من غير شرب، وإنشاء الولد من غير وقاع، ولكن قدّرها بالأسباب والمسبّبات؛ لحكمة خفيّة لا يعلمها إلّا اللَّه والراسخون في العلم.

الخامس: أنّ تمثيلهم لتنعّم أهل النار بتلذّذ السمند (26) بالنار، و[أنّهم] يتأذّون من الجنّة كما يتأذّى الجُعل برائحة الورد، وأنّ النار دواءٌ لمعاصيهم كما تكون دواء لبعض أهل الدنيا، أو أنّهم كحال النائم ونحو ذلك من هذه المزخرفات التي لم يقم عليها دليل ولا برهان، ويضحك منها الإنس والجان، بل مخالفة للبراهين القطعيّة من الآيات القرآنيّة والأخبار المعصوميّة.

والفرق واضح بين الحيوان الذي يلتذّ بالذات والطبع بالقاذورات، ويتأذّى من الطيّبات، وبين الإنسان الذي اعتاد على التلذّذ بأنواع التنعّمات، ويتأذّى بأنواع الأذيّات، ويتألّم من كلّ مؤذ خصوصاً من نار الجحيم وعذاب الحميم، وكيف يتصوّر فيمن يعذّب بأشدّ العذاب ويعاقب بأعظم أنواع العقاب، ويستغيث فلا يغاث، ويستجير فلا يجار، وينادي بالويل والثبور، ويتمنّى الموت وما هو بميّت، ويريد الخروج وما هو بخارج من النار، ويطلب الخلاص وليس بخالص من عذاب المنتقم الجبّار، أن يصير بعد استيلاء العقاب عليه بقدر زمان عصيانه بلا فاصلة، معتاداً إلفاً إلى تلك النار، متلذّذاً بها مع عدم فصل زمان بين التنعّم والعذاب؟ ما هذا إلّا أمر محال، ومجرّد وهم وخيال، ولا سيّما مع قصر زمن العقاب؛ لقصر عمره ومعصيته وكفره بربّ الأرباب.

السادس: أنّ التهديد والوعيد والتخويف الشديد، والإخبار بوقوع العذاب العظيم والعقاب الجسيم قد تظافر في الآيات وتواتر في الروايات، فإن كان المراد من هذا العذاب والعقاب: الذي ليس فيه ألم ولا نكال، فكيف يحسن التهديد والتخويف به ويقال: إنّه يحسن خلْفه؟ وإن كان المراد به المؤلم المؤذي، فكيف يقال باعتياده والتلذّذ به والإلفة له؟

السابع: أنّ غاية ما يدلّ عليه حسن خلف الوعيد وشمول الرحمة ونحوهما حسن العفو والتجاوز، ومدّعى هؤلاء وجوب العفو وقبح دوام العذاب، فإن كان دوام العذاب والعقاب عدلًا فلا قبح فيه، وإن كان ظلماً وجوراً فلا معنى للتجاوز والعفو عنه، فإنّهما لا يجريان إلّا في المستحقّ.

الثامن: أنّه إذا كانت هذه التهديدات والتخويفات والإخبارات إنّما صدرت لمصلحة الانزجار والارتداع عن المعاصي والسيّئات، وليست على حقيقتها، مع قيام الدليل العقليّ القطعيّ على قبح أصل العذاب بزعم طائفة منهم، وقبح دوامه وعدم جوازه بزعم آخرين، تكون هذه التهديدات والتوعيدات حينئذٍ لا فائدة فيها ولا ثمرة تعتريها، وتجويز صدور مثل ذلك عن الحكيم العليم يؤدّي إلى مفاسد عظيمة، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً.

التاسع: أنّ ما زعموه من انقطاع العقاب أو عدم وقوعه ليس بمكذَّب ولا مناف للآيات والأخبار الدالّة على وقوعه ودوامه؛ إذ يكون حينئذٍ من قبيل العام المخصّص ولا يسمّى ذلك كذباً، فكما أنّ آيات العقاب لغير الكفّار أو لهم مشروطة بعدم التوبة وإن لم تشتمل على الشرط، فكذا آيات العقاب ودوامه مشروطة بعدم العفو، أو تحمل على استحقاق العاصي للعقاب وإن‌ حسن العفو عنه.

ولو سلّم كون ذلك كذباً فلا ضير؛ إذ لا نسلّم قبح كلّ كذب، بل الكذب الضارّ، أمّا الكذب النافع فلا، وأيّ نفع أعظم من ترتّب الانقياد للطاعات والانزجار عن السيّئات؟ واستحقاق الثواب والخلاص من العقاب كلام فاسد متهافت متناقض من وجوه:

أمّا أوّلًا فللفرق الواضح بين ما يقبل التخصيص والصرف عن الظاهر، وبين ما لا يقبله، والعام من أقسام الظاهر القابل لذلك، بخلاف النصّ الذي لا يحتمل فيه غير معناه، والآيات والأخبار الدالّة على وقوع العقاب ودوامه من قبيل الثاني دون الأوّل.

وأمّا ثانياً فلأنّ جواز التخصيص والصرف عن الظاهر إنّما يصحّ إذا دلّ عليه الدليل، والأدلّة هنا على خلاف ذلك، وقد عرفت فساد شبهاتهم الواهية الركيكة.

وأمّا ثالثاً فلأنّ هذا مناقض لما زعموه من عدم جواز استمرار العقاب وقبحه، أو قبح أصله، فإنّ العفو لا يطلق ولا يجدي معناً.

وأمّا رابعاً فلأنّ الكذب النافع إنّما لم يقبح بالنسبة إلى العاجز عن المصلحة بدونه، واللَّه سبحانه على كلّ شيء قدير، ولم نقف على قائل من المسلمين بجواز الكذب على اللَّه تعالى.

العاشر: أنّ ما زعمه الفاضل صدر الدين الشيرازيّ من أنّ التخرّج عن الشبهات الواردة على قبح أصل العذاب لا محيص عنه بناءً على القول بالحسن والقبح العقليّين ووجوب الأصلح على اللَّه تعالى، وأنّ الجواب عنها منحصر بما يوافق أصوله الحكميّة من أنّ العقوبة إنّما لحقت الكفّار من حيث اللوازم والنتائج والثمرات، لا أنّها بفعل منتقم خارجيّ، لا يخفى ما فيه وضعف خارجه وخافيه:

أمّا أوّلًا فلأنّ نفي الحسن والقبح العقليّين ونفي وجوب الأصلح على اللَّه تعالى خروج عن إجماع الإماميّة الاثني عشريّة، ومخالف للأدلّة العقليّة والنقليّة كما حقّق في محلّه.

وأمّا ثانياً فإنّ ما اعتمد عليه في التخرّج عن الإشكال مع أنّه لا يدفع بعض الشبهات التي ذكرها، بل أكثرها كالشبهة الأولى والثانية والثالثة بناءً على ما زعموه من أنّه تعالى هو الخالق للدواعي والعلل التامّة الموجبة للمعاصي، ومن أنّه تعالى لا منفعة يريد إيصالها إلى أحد، ولا مضرّة يريد رفعها عنه، إلّا وهو قادر عليه، ومن أنّه تعالى كان عالماً بأنّ الكافر لا يؤمن، فلِم كلّفه بل أوجده، ونحو ذلك ممّا تقدّم، فإنّ هذا الجواب لا يدفع هذه الإيرادات كما لا يخفى، بل مخالف لنصوص الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة من أنّ التعذيب والعقوبة بفعل اللَّه وأمره كما يأتي بيانها إن شاء اللَّه، ومستلزم لبطلان العفو والشفاعة ونحو ذلك ممّا يستلزم القول به الخروج عن طريقة المسلمين واتّباع غير سبيل المؤمنين.

وما ورد في بعض الأخبار والآثار ممّا يشعر بذلك فإنّما هو على سبيل المجاز والاستعارة كقوله (صلى الله عليه وآله): «قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فأطفئوها بصلاتكم» (27)، وقوله (عليه السلام): «إنّما هي أعمالكم» (28)، ونحو ذلك.

نعم، يمكن أن يقال بأنّ اللَّه سبحانه وتعالى كما اقتضت حكمته البالغة أن يتكوّن من النطفة علقة ثمّ مضغة ثمّ لحماً ثمّ عظاماً ثمّ خلقاً آخر على شكل غريب ونوع عجيب، كلّ ذلك بخلقه وفعله وتدبيره، كذلك اقتضت حكمته البالغة أن يتولّد من الاعتقادات الفاسدة والأعمال السيّئة الكاسدة هذه العقوبات العظيمة وتلك ‌التعذيبات الجسيمة بتقديره وتدبيره، لا أنّه تعالى ليس له مدخل فيها كما يظهر من كلامه.

وأمّا ثالثاً فإنّه إذا أمكن - بناءً على زعمهم وأصولهم - أن يكون العذاب الشديد والعقاب الأكيد من لوازم اعتقادات الكفّار وثمرات أعمالهم، كذلك يمكن أن يكون دوام العذاب والخلود في العقاب من نتائج أعمالهم وثمرات اعتقاداتهم، لا من فعل منتقم خارجيّ حتّى يقبح منه ذلك، ويجب عليه قطع مدّة العذاب وانتهاء زمن العقاب، بناءً على أصولهم التي زعموا صحّتها وقواعدهم التي ادّعوا تنقيحها، فكيف غفلوا عمّا تقتضيه أصولهم وقواعدهم والتزموا مخالفة القرآن المبين وسنّة سيّد المرسلين، والخروج عن إجماع المسلمين بل ضرورة الدين؟

الحادي عشر: أنّ منصوص الآيات وصراح الروايات قد تظافرت وتواترت بدوام العذاب واستمرار العقاب:

فمنها قوله تعالى في سورة البقرة ردّاً على اليهود الذين زعموا أنّ العذاب يصيبهم مدّة أيّام عبادتهم العجل ثمّ ينقطع عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 80-81]، فقد ذكر جمع من المفسّرين أنّ سبب نزول الآية: أنّ اليهود زعموا أنّ النار لا تعذّبهم إلّا أيّاماً قلائل، أو أربعين يوماً عدد الأيّام التي عبدوا فيها العجل، فردّ اللَّه عليهم قولهم، وقال: قل يا محمّد لهم: اتّخذتم عند اللَّه عهداً - أي موثقاً - أن لا يعذّبكم إلّا هذه المدّة؟! فإن كان ذلك فإنّ اللَّه لا ينقض عهده، أم تقولون على اللَّه ما لا تعلمون؟

وفي تفسير الإمام العسكريّ (عليه السلام) ما ملخّصه: إنّ اليهود لمّا قال لهم ذووا أرحامهم لهم: لِمَ تفعلون هذا النفاق الذي تعلمون أنّكم به عند اللَّه مسخوط عليكم معذّبون؟ أجابهم هؤلاء بأنّ مدّة العذاب الذي نعذّب به لهذه الذنوب أيّاماً معدودة، وهي التي عبدنا فيها العجل وهي تنقضي، ثمّ نصير بعده في النعمة في الجنان، ولا نستعجل المكروه في الدنيا للعذاب الذي هو بقدر أيّام ذنوبنا، فإنّها تفنى وتنقضي ونكون قد حصلنا لذّات الحرّية من الخدمة، ولذّات نعمة الدنيا، ثمّ لا نبالي بما يصيبنا بعد، فإنّه إذا لم يكن دائماً فكأنّه قد فنى (29)، الحديث.

وقال اللَّه تعالى في سورة البقرة: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: 85-86].

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 126]، ولو كان لهم تنعّم في النار والتذاذ لما كانت لهم بئس المصير.

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: 161-162].

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: 206]، والتقريب فيها ما تقدّم؛ إذ لو تلذّذ بها لم تكن بئس المهاد، أي الفراش.

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 10-12] والتقريب ما تقدّم.

وقال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: 162]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 91].

وقال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 151].

وقال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 162].

وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 7].

وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10].

وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: 178].

وقال تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: 181].

وقال تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 188]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 197].

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 14].

وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: 37].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 56].

وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97].

وقال تعالى: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].

وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: 121].

وقال تعالى: ﴿نَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: 36 ـ 37]، فقد وصفهم اللَّه بإرادة الخروج من النار من شدّة العذاب وأنّ لهم عذاباً مقيماً.

وهؤلاء العرفاء يزعمون أنّهم يتلذّذون بها ولا يريدون الخروج منها، وأنّه لو هبّت عليهم ريح من الجنّة لتأذّوا بها كما يتأذّى الجعل برائحة الورد، واللَّه سبحانه يخبر عنهم بما ذكر، فتخيَّر أيّها الناظر بين تصديق قول اللَّه ورسوله، وقول هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون حديثاً.

وقال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73].

وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: 68].

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: 52].

وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: 15-17].

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: 28-29].

وقال تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: 29]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [النحل: 85].

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: 88].

وقال تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: 97].

وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29].

وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 68-72].

وهؤلاء العرفاء يقولون: ننجّي الذين في جهنّم من الكفّار نجاة خلافاً لقول اللَّه تعالى.

وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: 19-22].

وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: 72].

وقال تعالى: ﴿مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 103-104].

وقال تعالى في سورة النور: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور: 57].

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 34].

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: 65-66].

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 68-69].

وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: 68].

وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: 24].

وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 13-14].

وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: 20].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: 64-66].

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: 36-37].

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 49].

وقال تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: 29]. وقال تعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: 27-28].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 74-77] أي لابثون دائمون في العذاب كما ذكره المفسّرون. وعن ابن عبّاس والسدّي إنّما يجيبهم بذلك مالك بعد ألف سنة.

وقال تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: 16].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].

وقال تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 6-10].

وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: 15].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا *وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 21-30].

 لا يقال: إنّ قوله تعالى: «أَحْقاباً» يدلّ على انتهاء مدّة العذاب؛ لأنّه قد ذكر بعض المفسّرين أنّ الحقب ثمانون سنة من سنين الآخرة.

وعن بعضهم أنّ الأحقاب ثلاثة وأربعون حقباً، كلّ حقب سبعون خريفاً، كلّ خريف سبعمائة سنة، كلّ سنة ثلاثمائة وستّون يوماً، كلّ يوم ألف سنة.

وعن مجاهد قيل: إنّ الحقب الواحد سبعون ألف سنة، كلّ يوم من تلك السنين ألف سنة ممّا تعدّون (30)؛ لأنّا نقول: إنّ هذه الأقوال شاذّة نادرة ومعارضة بأقوال اخر أصحّ منها، فقد ذكر كثير من المفسّرين أنّ المعنى: أحقاباً لا انقطاع لها، يعني كلّما مضى حقب جاء بعده حقب آخر.

وقيل: إنّ المعنى لابثين فيها أحقاباً لا يذوقون في تلك الأحقاب برداً ولا شراباً، ثمّ يلبثون فيها لا يذوقون غير الحميم والغسّاق من أنواع العذاب، فهو توقيت لأنواع العذاب لا لمكثهم في النار.

وقال في مجمع البيان: وروى العيّاشيّ بإسناده عن حمران، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الآية، فقال: «هذه في الذين يخرجون من النار»، وروي عن الأحول مثله (31) انتهى.

أقول: وروى عليّ بن إبراهيم في تفسيره مثله (32) هذا ما حضرنا من الآيات المتعلّقة بتأبيد العذاب ودوامه، وأمّا الآيات المتعلّقة بأصل العذاب فهي كثيرة، ولا يخفى ما في هذه الآيات من الدلالة الصريحة والمقالة الفصيحة بوجه واضح قطعيّ وطريق يقينيّ لا يقبل التأويل، ولو جاز تأويل مثل هذه الآيات التي هي نصّ في الباب لزم بطلان الكتاب والسنّة والخروج عن الدين وزمرة المسلمين، وكفى بذلك شنعة.

وأمّا الروايات الواردة في الباب فهي أكثر من أن تحصى، وأوسع من أن تستقصى، وقد ذكرنا جملة منها في رسالتي تسلية الفؤاد وتسلية الحزين، وقد ذكر شطراً وافراً منها العلّامة المجلسيّ في مجلّد المعاد من البحار، ونحن نذكر بعضها على سبيل الإيجاز والاختصار؛ ففي أمالي الصدوق بإسناده عن الباقر (عليه السلام) قال: «إنّ أهل النار يتعاوون فيها كما تتعاوى الكلاب والذئاب ممّا يلقون من أليم العذاب، ما ظنّك - يا عمرو - بقوم لا يُقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفّف عنهم من عذابها؛ عطاش فيها جياع، كليلة أبصارهم، صمّ بكم عمي، مسودّة وجوههم، خاسئين فيها نادمين، مغضوب عليهم فلا يُرحمون من العذاب ولا يخفّف عنهم، وفي النار يسجرون، ومن الحميم يشربون، ومن الزقّوم يأكلون، وبكلاليب النار يخطمون، وبالمقامع يضربون، فهم في النار يُسحبون على وجوههم، ومع الشياطين يقرنون، إن دعوا لم يستجب لهم، وإن سألوا حاجة لم تُقضَ لهم» (33).

وفي الخصال عن الصادق (عليه السلام) في حديث وصف أبواب النار، قال: «وباب تدخل منه بنو أميّة - إلى أن قال -: وهو باب الهاوية، تهوي بهم سبعين خريفاً، فكلّما هوى بهم سبعين خريفاً فارت بهم فورة قذفت بهم في أعلاها سبعين خريفاً، ثمّ هوى بهم كذلك سبعين خريفاً، فلا يزالون هكذا أبداً خالدين مخلّدين» (34) الحديث.

وفي أمالي الشيخ عن عليّ (عليه السلام) في وصف النار، قال: «قعرها بعيد، وحرّها شديد، وشرابها صديد، وعقابها جديد، ومقامعها حديد، لا يُفَتَّر عذابها، ولا يموت ساكنها، دار ليس فيها رحمة، ولا يسمع لأهلها دعوة» (35).

وفي تفسير القمّيّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «وأمّا أهل المعصية فخذلهم في النار، وأوثق منهم الأقدام، وغلّ منهم الأيدي إلى الأعناق، وألبس أجسادهم سرابيل من قطران، وقُطّعت لهم مقطّعات من النار، هم في عذاب قد اشتدّ حرَّه، ونار قد أطبق على أهلها، فلا يُفَتَّر (36) عنهم أبداً، ولا يدخل عليهم ريح أبداً، ولا ينقضي منهم عمر العذاب أبداً شديداً، والعذاب أبداً جديداً، لا الدار زائلة فتفنى، ولا آجال القوم تقضى» (37).

وروى العيّاشيّ بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إنّ أهل النار لمّا غلا الزقّوم والضريع في بطونهم - كغلي الحميم - سألوا الشراب فاتوا بشراب غسّاق وصديد يتجرّعه ولا يكاد يسيغه، ويأتيه الموت من كلّ مكان وما هو بميّت، ومن ورائه عذاب غليظ، وحميم يغلي في جهنّم منذ خلقت كالمهل يشوي الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقاً (38).

وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه كان يبكي ويقول: «وا بعد سفراه! وا قلّة زاداه! في سفر القيامة يذهبون، وفي النار يتردّدون، وبكلاليب النار يتخطّفون، مرضى لا يعاد سقيمهم، وجرحى لا يداوى جريحهم، وأسرى لا يفكّ أسيرهم، من النار يأكلون، ومنها يشربون، وبين أطباقها يتقلّبون» (39) الحديث.

وروي أنّ أهل النار إذا دخلوها ورأوا نكالها وأهوالها عرفوا أنّ أهل الجنّة في ثواب عظيم ونعيم مقيم، فأمّلوا أن يطعموهم أو يسقوهم ليخفّف عنهم بعض العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 50]، قال: فيحبس الجواب عنهم أربعين سنة، ثمّ يجيبونهم بلسان الاحتقار: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، قال: فيمرّ الخزنة بهم وهم يشاهدون ما نزل بهم من المصائب، فيأملون أن يخفّفوا عنهم كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 49]، فيحبس عنهم الجواب أربعين سنة، ثمّ يجيبونهم: ﴿قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 50]، فإذا يئسوا منهم رجعوا إلى مالك مقدّمهم وأمّلوا منه الخلاص كما حكى اللَّه عنهم: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]، فيحبس عنهم الجواب أربعين سنة وهم في العذاب، ثمّ يجييبهم كما حكى اللَّه عنهم: «قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ»

ثمّ يقولون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 106-107]، فيقفون أربعين سنة في ذلّ الهوان، ثمّ يجيبهم اللَّه تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]؛ فعند ذلك ييأسون من كلّ فرج وراحة، وتغلق أبواب جهنّم عليهم ويدوم لديهم الهلاك والشهيق والزفير والصراخ (40).

وفي الاختصاص عن الباقر (عليه السلام) - في حديث طويل في وصف الكفّار في عذاب النار - قال: «ثمّ تطبق عليهم أبوابها، ثمّ يجعل كلّ رجل منهم في ثلاثة توابيت من حديد من نار، فلا يسمع لهم كلام أبداً إلّا أنّ لهم فيها شهيقاً كشهيق البغال، وزفيراً مثل نهيق الحمار، وعواءً كعواء الكلاب، صمّ بكم عمي، فليس لهم فيها كلام إلّا أنين، فيطبق عليهم أبوابها، ويمدد عليهم عمدها، فلا يدخل عليهم روح أبداً، ولا يخرج منهم الغمّ أبداً، فهي عليهم مؤصدة، - يعني مطبقة - ليس لهم من الملائكة شافعون، ولا من أهل الجنّة صديق حميم، وينساهم الربّ ويمحو ذكرهم من قلوب العباد، فلا يذكرون أبداً» (41).

وفي الصحيفة السجّاديّة: «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من نار تغلّظتَ بها على من عصاك - إلى قوله: - ومن نار نورها ظلمة، وهيّنها أليم، وبعيدها قريب، ومن نار يأكل بعضها بعضاً، ويصول بعضها على بعض، ومن نار تذر العظام رميماً، وتسقي أهلها حميماً، ومن نار لا تبقي على من تضرّع إليها، ولا ترحم من استعطفها، ولا تقدر على التخفيف عمّن خشع لها واستسلم إليها، تلقى سكّانها بأحرّ ما لديها من أليم النكال، وشديد الوبال...» (42).

وفي نهج البلاغة: «واحذروا ناراً قعرها بعيد، وحرّها شديد، وعذابها جديد، دار ليس فيها رحمة، ولا تُسمع فيها دعوة، ولا تفرّج فيها كربة» (43) إلى غير ذلك من الأخبار والآثار التي يفضي فيها التفصيل إلى التطويل.

وروى القمّيّ في تفسيره عن أبي بصير في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال في حديث: «إنّ أهل النار يعظّمون النار، وإنّ أهل الجنّة يعظّمون الجنّة، وإنّ جهنّم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاماً، فإذا بلغوا أعلاها قُمعوا بمقامع الحديد، فهذه حالهم، وهو قول اللَّه (عزّ وجلّ): ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: 22] (44) الحديث.

وعن أبي جعفر (عليه السلام) في بيان طبقات النار، قال: «والرابعة: «الحطمة»، ومنها يثور شرر كالقصر ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: 33] تدقّ كلّ من صار إليها مثل الكحل، فلا يموت الروح، كلّما صاروا مثل الكحل عادوا. والخامسة: «الهاوية» فيها ملأ يدعون: يا مالك، أغثنا، فإذا أغاثهم جعل لهم آنية من صفر من نار فيها صديد ماء يسيل من جلودهم كأنّه مُهلٌ، فإذا رفعوه ليشربوا منه تساقط لحم وجوههم فيها من شدّة حرّها، وهو قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]، ومن هوى فيها هوى سبعين عاماً في النار، كلّما احترق جلده بدّل جلداً غيره» (45)، وفيه أيضاً قال: «إنّ جهنّم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاماً، فإذا بلغوا أسفلها زفرت بهم جهنّم، فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد، فهذه حالهم» (46).

وعن الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ في النار لنارًا يتعوّذ منها أهل النار، وما خلقت إلّا لكلّ متكبّر جبّار عنيد، ولكلّ شيطان مريد، ولكلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب، ولكلّ ناصب لآل محمّد (صلى الله عليه وآله)» وقال: «إنّ أهون الناس عذاباً يوم القيامة لرجل في ضحضاح من نار، عليه نعلان من نار، وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي قدر الرجل، ما يرى أنّ في النار أحداً أشدّ عذاباً منه، وما في النار أحد أهون عذاباً منه» (47)، والأخبار في ذلك كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، واللَّه الكفيل بالهداية.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجرجير: بقلة حادّة الطعم تنبت في المناطق المعتدلة، وهي بالفارسيّة تسمّى: «شاهي». انظر كتاب‌ العين، ج 6، ص 15؛ لسان العرب، ج 4، ص 132 (جرجر).

(2) الكافي، ج 6، ص 368، باب الجرجير، ح 4؛ وسائل الشيعة، ج 25، ص 197، ح 31655؛ بحار الأنوار، ج 8، ص 306، ح 65.

(3) في المصدر: «وهذا نعيمهم».

(4) شرح القيصري على فصوص الحكم، ص 385 - 386.

(5) شرح القيصري على فصوص الحكم، ص 211.

(6) الكلوم: جمع الكلْم بمعنى الجرح.

(7) الفتوحات المكّيّة، ج 1، ص 364، والزيادات أو موارد الخلاف بين المعقوفتين أثبتناها منه، طبع دار إحياء التراث العربي.

(8) في المصدر: «أن لا يؤبّد عليهم الشقاء».

(9) الفتوحات المكّية، ج 3، ص 27 - 28 مع اختلاف يسير، وبعض الزيادات أضفناها من المصدر.

(10) شرح القيصري على الفصوص، ص 351.

(11) في شرح الفصوص: «لانقطاع النار وارتفاع العذاب».

(12) الأسفار الأربعة، ج 9، ص 349 - 362 مع تلخيص وتغيير في العبائر وتفسير القرآن الكريم، ج 1، ص 365 - 375. وراجع: شرح الفصوص، ص 213 - 214 (الفصّ الإسماعيلي).

(13) في المصدر: جزعاً.

(14) الزيادة أثبتناها من المصدر.

(15) في المصدر: «الخامس: إنّه تعالى نهى عباده».

(16) في المصدر: «السادس».

(17) في نسخ الكتاب ومطبوعه: «فلم يتوبوا عن معاصيهم».

(18) تفسير القرآن الكريم، ج 1 ص 361 - 365 و375.

(19) في المصدر: «فكشفت عنّي أكنّة أستارها».

(20) عين اليقين، ج 1، ص 20.

(21) عين اليقين، ج 2، ص 454 - 463.

(22) أصول المعارف، ص 176 - 177.

(23) الفصول المهمّة، ج 1، ص 373.

(24) الصحيفة السجاديّة، ص 89.

(25) كذا، والأنسب: «منتجة ومثمرة».

(26) السمند: طائر يكثر وجوده في الهند، يقال: إنّه لا يحترق بالنار. انظر: حياة الحيوان، ج 2، ص 45 - 46.

(27) من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 208، ح 624؛ تهذيب الأحكام، ج 2، ص 238، ح 13؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 120، ح 4678.

(28) توحيد المفضّل، ص 92؛ الحكايات، ص 85؛ بحار الأنوار، ج 3، ص 90.

(29) التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام)، ص 303 - 304.

(30) مجمع البيان، ج 1، ص 243 وفيه: «عن الحسن» لا «مجاهد»؛ بحار الأنوار، ج 8، ص 275؛ جامع البيان، ج 30، ص 15.

(31) مجمع البيان، ج 10، ص 244؛ تفسير العيّاشي، ج 2، ص 160.

(32) تفسير القمّي، ج 2، ص 402.

(33) الأمالي للصدوق، ص 557، المجلس 82، ح 14؛ روضة الواعظين، ص 508.

(34) الخصال، ص 361؛ بحار الأنوار، ح 8، ص 285، ح 11.

(35) الأمالي للطوسي، ص 29، المجلس 1، ح 31؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 8، ص 286، ح 16.

(36) في المصدر: «فلا يفتح».

(37) تفسير القمّي، ج 2، ص 289؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 8، ص 292، ح 34.

(38)  تفسير العياشي، ج 2، ص 223، ح 7؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 8، ص 302، ح 58.

(39) الدروع الواقية، ص 276؛ بحار الأنوار، ج 43، ص 88.

(40) الدروع الواقية، ص 276 - 279؛ بحار الأنوار، ج 7، ص 304 - 306 مع تلخيص واختلاف في العبارة.

(41) الحديث بكامله في الاختصاص، ص 359 – 365؛ وعنه في بحار الأنوار، ح 8، ص 317 - 323، ح 99.

(42) الصحيفة السجّاديّة، ص 152؛ مصباح الكفعمي، ص 57؛ مفتاح الفلاح، ص 353.

(43) نهج البلاغة، ص 383، الكتاب 27؛ الأمالي للطوسي، ص 29؛ بحار الأنوار، ج 7، ص 104، ح 16.

(44) تفسير القمّي، ج 2، ص 81؛ التفسير الصافي، ج 3، ص 369.

(45) تفسير القمّي، ج 1، ص 376؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 8، ص 289، ح 27.

(46) تفسير القمّي، ج 2، ص 170؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 8، ص 280، ح 1.

(47) تفسير القمّي، ج 2، ص 257 – 258؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 8، ص 295، ح 44.

 

 

 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

الاكثر قراءة في أحاديث وروايات مختارة

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد