الحديث الثالث والثلاثون: [في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]]
ما رويناه بالأسانيد المتقدّمة عن المحدّث الحرّ العامليّ بإسناده عن الصدوق، بإسناده عن جميل بن درّاج، عن الصادق (عليه السلام) في قول اللَّه (عزّ وجلّ): ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] فقال: «خلقهم للعبادة» قلت: خاصّة أم عامّة؟ قال: «بل عامّة» (1).
تحقيق مقام وتوضيح مرام: [الكفّار مكلّفون بالفروع]
الظاهر أنّ السؤال كان عن كونها عامّة للكفّار أم هي خاصّة بالمؤمنين؟ فأجاب (عليه السلام) بأنّها عامّة للمسلمين والكفّار كما هو ظاهرها، وفيه دلالة على كون الكفّار مكلّفين بالفروع كما هو الأقوى، وقد حرّرنا في هذه المسألة رسالة مستقلّة (2) وخلاصة الكلام فيها: أنّهم اتّفقوا على أنّ الكفّار مكلّفون بالإيمان، واختلفوا في كونهم مكلّفين بالفروع كالصلاة والصيام والزكاة والحجّ أم لا؟ فالمحكيّ عن أكثرهم الأوّل، وعن الحنفيّة والإسفرايينيّ الثاني، ومنهم من فصّل فقال: إنّهم مكلّفون بالنواهي منها دون الأوامر، وربّما بنوا خلافهم هذا على أنّ حصول الشرط الشرعيّ هل هو مشروط (3) في صحّة التكليف أم لا؟ فمن قال بالشرطيّة نفى التكليف، ومن نفاها أثبته، وأنت خبير بأنّ عدم اشتراط الحصول في شرائط الصلاة كالطهارة ونحوها ممّا تشهد به الضرورة والكتاب والسنّة والإجماع، فهو حجّة واضحة على مَن نفى التكليف.
ثمّ إنّ ظاهر الأكثرين أنّ محلّ النزاع في الأحكام الخمسة، وخصّه بعضهم بالوجوب والتحريم متعلّقاً بأنّ ثمرة الخلاف وقوع العقاب، ولا عقاب على غيرهم. وكيف كان، فالحقّ ما عليه الأكثر، ودليلنا: الكتاب والسنّة والإجماع ودليل العقل.
أمّا الأوّل فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21] فإنّه عامّ يشمل المسلمين والكفّار، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: 60-61]، فإنّه خطاب عامّ لبني آدم يشمل الكفّار والمسلمين، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، فإنّها بعمومها تشمل المسلمين والكفّار. وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
وأمّا ما أجاب به المحقّق البحرانيّ عن الآيتين الأوّلتين بتخصيصهما بالأخبار الدالّة على أن لا تكليف إلّا بعد معرفة المكلّف والمبلّغ، وبالدليل العقليّ، وهو: لزوم تكليف ما لا يطاق، على أنّ الآيات العامّة مخصوصة بالآيات الدالّة على الاختصاص بالمؤمنين كما في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بحمل المطلق على المقيّد، والعام على الخاص (4) فهو واضح الفساد، أمّا الأخبار التي أشار إليها فيأتي ما فيها، وأمّا لزوم تكليف ما لا يطاق فجوابه: أنّ الكفر لا يصلح مانعاً من التكليف؛ لتمكّنهم من إزالته كسائر شرائط الصحّة التي ليست موجودة حين التكليف كالطهارة والستر وغيرهما. نعم، لو كان التكليف بالفروع مشروطاً ببقائهم على الكفر لامتنع، وأمّا كون هذه الخطابات العامّة مخصوصة بالمؤمنين ففيه: أوّلًا: أنّه إنّما يحمل المطلق على المقيّد إذا كان بينهما تعارض ومنافاة بحيث لا يمكن اجتماعهما، وهنا لا منافاة بينهما بأن يتوجّه الخطاب تارة للمسلمين، وتارة للمؤمنين، كما يقول القائل: مَن ظاهر فعليه عتق رقبة، ثمّ يقول: إن ظاهرتَ يا زيد فاعتق رقبة.
وثانياً: أنّ تقييد الناس بالمؤمنين إنّما يصحّ أن لو كانت الآية: (يا أيها الذين آمنوا اعبدوا ربكم) و (لله على المؤمنين حج البيت) بحيث يكونان متواردين على محلّ واحد، مع أنّ الآيات التي فيها {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إنّما وردت في محلّ آخر وحكم آخر من إقامة الصلاة ومن السعي إلى الجمعة.
وثالثاً: أنّ تخصيص الخطاب بالمؤمنين ليس للتخصيص كما نصّ عليه المفسّرون، بل لأنّهم هم المتأهّلون للامتثال والمنتفعون بذلك دون غيرهم. ومنها: قوله تعالى في الكفّار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: 42-47]، فإنّها ظاهرة كمال الظهور كالنور على الطور، وظاهرٌ أنّ مرادهم خصوص هذه الأفعال، لا أنّا لم نكُ من المسلمين الذين هذا شأنهم. لا يقال: قد يكونوا كاذبين في هذا القول كما كذبوا في قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23]، ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: 28]؛ لأنّا نقول: لو كانوا كاذبين لما أقرّهم على ذلك، وإقرارهم في الآيتين الأخيرتين لاستقلال العقل بتكذيبهم ووضوحه.
وما ورد في بعض الأخبار أنّ معناها: أنّا لم نقل بوصيّ محمّد، ولم نكن من أتباع السابقين لا ينافي الظاهر؛ لأنّ القرآن له بطون ووجوه، يحمل على أحسنها، على أنّ ذلك لا يدفع الاستدلال بقولهم: {لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ}.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: 68]، فإنّه بعمومه شامل للكفّار. ومنها: قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: 31-32]، حيث ذمّه تعالى على ترك الصلاة ولو كان غير مكلّف بها لما استحقّ الذمّ.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: 6-7]، فإنّه تعالى ذمّهم على عدم إيتاء الزكاة وهي من الفروع.
ومنها: قوله تعالى في ذمّ الكفّار: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]، فقد ورد عنهم (عليهم السلام) في تفسيرها أنّهم ما اتّخذوهم آلهة وإنّما صدّقوهم في كلّ ما قالوا وكلّ ما أفتوا لهم (5).
وأمّا السنّة فهي أخبار كثيرة متفرّقة في كتب الحديث:
منها: ما دلّ على أنّ الإيمان مبثوث على الجوارح، ففي الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال في حديث: «إنّ اللَّه تعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها، وفرّقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلّا وقد وكّلت من الإيمان بغير ما وكّلت أختها» (6).
وعن الصادق (عليه السلام) قال: «ما من موضع قبر إلّا وهو ينطق في كلّ يوم ثلاث مرّات - إلى أن قال -: وإذا دخل الكافر قبره قالت له [يعني الأرض]: لا مرحباً بك ولا أهلًا. إلى أن قال: «ثمّ إنّه يخرج رجل أقبح مَن رُئي قطّ، فيقول: يا عبد اللَّه، من أنت؟ فما رأيت شيئاً أقبح منك. قال: فيقول: أنا عملك السيّئ الذي كنت تعمله ورأيك الخبيث» (7) الخبر.
وعن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) عن رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) قال: «إذا حُمل عدوّ اللَّه إلى قبره نادى حملته: ألا تسمعون يا إخوتاه، إنّي أشكو إليكم ما وقع فيه أخوكم الشقيّ، إنّ عدوّ اللَّه خدعني وأوردني ثمّ لم يصدرني، وأقسم لي أنّه ناصح لي فغشّني، وأشكو إليكم دنيا غرّتني، حتّى إذا اطمأننت إليها صرعتني، وأشكو إليكم أخلّاء الهوى فتنوني ثمّ تبرّأوا منّي وخذلوني، وأشكو إليكم أولاداً حميت عنهم وآثرتُهم على نفسي فأكلوا مالي وأسلموني، وأشكو إليكم مالاً منعت فيه حقّ اللَّه فكان وباله عليّ وكان نفعه لغيري. وساق كلامه وشكواه إلى أن قال: «فمالي من شفيع يُطاع، ولا صديق حميم، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: 58] (8).
وعن الصادق (عليه السلام) قال: «يُسئل الميّت في قبره عن خمس: عن صلاته وزكاته وحجّه وصيامه وولايته إيّانا أهل البيت» (9) الحديث.
وروي في أخبار كثيرة قد عقد لها باب مستقلّ، أنّه لا يُسئل في قبره إلّا من محّض الإيمان أو محّض الكفر (10).
وورد أيضاً في أخبار كثيرة: أنّ الإسلام بُني على هذه الخمس المذكورة (11) فيكون الكافر مكلّفاً بها كما لا يخفى.
وفي أخبار كثيرة: أنّه يُسئل عن الحجّة بين أظهرهم وعن الإمامة (12)، مع أنّ المنكر لتكليف الكفّار بالفروع منّا منكر للتكليف بالإمامة كما سيأتي إن شاء اللَّه.
وعن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) في حديثٍ قال فيه: «إذا كان يوم القيامة بعث اللَّه الناس من حفرهم» - إلى أن قال -: فقال رجل من قريش: يا بن رسول اللَّه، إذا كان للرجل المؤمن عند الرجل الكافر مظلمة، أيّ شيء يأخذ من الكافر وهو من أهل النار؟ قال فقال له عليّ بن الحسين (عليه السلام): «يطرح عن المسلم من سيّئاته بقدر ما له على الكافر، فيعذّب الكافر بها مع عذابه بكفره عذاباً بقدر ما للمسلم من قِبَله من مظلمة» (13) الحديث.
ولا ريب أنّ غير المكلّفين لا يؤاخذون بالمظالم، فلو كان الكفّار غير مكلّفين بالفروع مطلقاً لما كانوا مكلّفين بترك المحرّمات التي منها الظلم للعباد بأقسامه.
وعن الباقر (عليه السلام) قال: «قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): إنّ المؤمن إذا غلب عليه ضعف الكِبَر أمر اللَّه تعالى الملك أن يكتب له في حاله تلك مثل ما كان يعمل وهو شابّ نشيط صحيح، ومثل ذلك إذا مرض وكّل اللَّه به ملكاً فيكتب له في سقمه ما كان يعمل من الخير حتّى يرفعه اللَّه ويضعه، وكذلك الكافر إذا اشتغل بسقم في جسده كتب اللَّه له ما كان يعمل من شرّ في صحّته» (14).
وعن يحيى بن محمّد، قال: سألت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) عن قول اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: 106]، قال: «اللذان منكم مسلمان واللذان من غيركم من أهل الكتاب - إلى أن قال -: وذلك إذا مات الرجل في أرض غربة فلم يجد مسلمين أشهد رجلين من أهل الكتاب، فيحبسان بعد العصر ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: 106] (15) الحديث.
فانظر كيف صرّحا وأقرّهما اللَّه عليه بأنّ كتمان الشهادة التي هي من الفروع إثم.
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): أخبرني الروح الأمين جبرئيل أنّ اللَّه لا إله غيره إذا أوقف الخلائق وجمع الأوّلين والآخرين اتي بجهنّم تقاد بألف زمام - إلى أن قال: - ثمّ يوضع عليها صراط أدقّ من الشعر وأحدُّ من السيف عليه ثلاث قناطر: الأولى: عليها الأمانة والرحمة، والثانية: عليها الصلاة، والثالثة: عليها عدل ربّ العالمين لا إله غيره، فيكلّفون الممرّ عليها فتحبسهم الرحمة والأمانة، فإن نجوا منها حبستهم الصلاة، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى عدل ربّ العالمين، وهو قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14] (16).
وعن الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ العبد إذا كان خلقه اللَّه في الأصل - أصل الخلقة - مؤمناً لم يمت حتّى يكرّه اللَّه إليه الشرّ ويباعده منه. إلى أن قال: «وإنّ العبد إذا كان اللَّه خلقه في الأصل - أصل الخلق - كافراً لم يمت حتّى يحبّب إليه الشرّ ويقرّبه منه، فإذا حبّب إليه الشرّ وقرّبه منه ابتلي بالكبر والجبروتيّة، فقسا قلبه، وساء خلقه، وغلظ وجهه، وظهر فحشه، وقلّ حياؤُه وكشف اللَّه ستره، وركب المحارم فلم ينزع عنها، وركب معاصي اللَّه وأبغض طاعته» (17) الحديث.
وفي العلل عن الباقر (عليه السلام) قال: «نيّة المؤمن [أفضل من عمله] (18)؛ وذلك لأنّه ينوي من الخير ما لا يدركه، ونيّة الكافر شرّ من عمله، وذلك لأنّ الكافر ينوي من الشرّ ويأمل من الشرّ ما لا يدركه» (19).
وروى الكلينيّ بإسناده عن أبي هاشم، قال: قال أبو عبد اللَّه (عليه السلام): «إنّما خلّد أهل النار في النار؛ لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا اللَّه أبداً، وإنّما خلّد أهل الجنّة في الجنّة؛ لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا اللَّه أبداً؛ فبالنيّات خلّد هؤلاء وهؤلاء»، ثمّ تلا (عليه السلام) قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: 84] قال: «على نيّته» (20).
وعن سعيد بن المسيّب، عن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) في موعظته كلّ جمعة في مسجد رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله): «ألا وإنّ أوّل ما يسألانك -يعني الملكين - عن ربّك الذي كنت تعبده، وعن نبيّك الذي أرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولّاه، وعن عمرك فيما أفنيته، ومالك من أين اكتسبته؟ وفيما أنفقته؟» (21).
وهذا الخبر بضميمة الأخبار الدالّة على أنّ الكافر يُسئل في القبر يدلّ على المطلوب.
وعن قثم عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك، أخبرني عن الزكاة كيف صارت من كلّ ألف خمسة وعشرين، لم يكن أقلّ من ذلك ولا أكثر؟ ما وجهها؟ فقال (عليه السلام): «إنّ اللَّه تعالى خلق الخلق كلّهم فعلم صغيرهم وكبيرهم وغنيّهم وفقيرهم، فجعل من كلّ ألف إنسان خمسة عشرين مسكيناً، ولو علم أنّ ذلك لا يسعهم لزادهم؛ لأنّه خالقهم» (22).
وعن الصادق (عليه السلام) قال: «العبد المؤمن إذا أذنب ذنباً أجّله اللَّه سبع ساعات، فإن استغفر لم يكتب عليه شيء، وإن مضت الساعات ولم يستغفر كتبت عليه سيّئة، وإنّ المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتّى يستغفر ربّه فيغفر له، وإنّ الكافر لينساه من ساعته» (23).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «مرّ نبيّ من أنبياء بني إسرائيل برجل بعضه تحت حائط، وبعضه خارج منه، قد شقّته الطير، ومزّقته الكلاب، ثمّ مضى فعرضت له مدينة فدخلها فإذا هو بعظيم من عظمائها ميّت على سرير مسجّى بالديباج، حوله المجامر (24)، فقال: يا ربّ، أشهد أنّك حكيم عدل لا تجور، هذا عبدك لم يشرك بك طرفة عين أمتّه بتلك الميتة، وهذا عبدك لم يؤمن بك طرفة عين أمتّه بهذه الميتة. فقال: عبدي، أنا كما قلت حكم عدل لا أجور، ذلك عبدي كانت له عندي سيّئة أو ذنب أمتّه بتلك الميتة لكي يلقاني ولم يبقَ لي عليه شيء، وهذا عبدي كانت له حسنة فأمّته بهذه الميتة لكي يلقاني وليس له عندي حسنة» (25)، وقد وردت أخبار كثيرة في انتفاع الكافر بما يفعله من أعمال الخير في الدنيا أو في الآخرة وإن كان مخلّداً في النار (26).
وعن أبي عبيدة الحذّاء في الصحيح، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنّ اناساً أتوا رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) بعد ما أسلموا، فقالوا: يا رسول اللَّه، أيؤخذ الرجل منّا بما كان في الجاهليّة بعد إسلامه؟ فقال لهم النبيّ (صلى الله عليه وآله): مَن حسن إسلامه وصحّ يقين إيمانه لم يأخذه اللَّه تعالى بما عمل في الجاهليّة، ومن سخف إسلامه ولم يصحّ يقين إيمانه أخذه اللَّه تعالى بالأوّل والآخر» (27).
وعن الفضيل بن عياض، قال: سألت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) عن الرجل أحسن (28) في الإسلام، أيؤخذ بما عمل في الجاهليّة؟ فقال: «قال رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله): من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهليّة، ومن أساء في الإسلام اخذ بالأوّل والآخر» (29).
وعن محمّد بن مسلم في الصحيح، قال: سألت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) عن صدقات أهل الذمّة وما يؤخذ من جزيتهم من ثمن خمورهم ولحم خنازيرهم وميّتهم، قال: «عليهم الجزية في أموالهم، يؤخذ [منهم] من ثمن لحم الخنزير أو الخمر، فكلّ ما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك عليهم، وثمنه للمسلمين حلال يأخذونه في جزيتهم» (30).
وعن عليّ بن عقبة في الصحيح عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: «إنّ المؤمن ليذنب الذنب فيذكر بعد عشرين سنة، فيستغفر اللَّه تعالى، فيغفر له، وإنّ الكافر ليذنب الذنب فينساه من ساعته» (31).
ويدلّ على ذلك أيضاً ما ورد في الأحكام الشرعيّة من الخطابات الشاملة للمسلمين والكفّار. وقوله (صلى الله عليه وآله): «الإسلام يجبّ ما قبله» (32)، فإنّ الكافر لو لم يكن مكلّفاً لما كان للجبّ معنى، فتأمّل.
وأمّا الإجماع فقد حكاه جمع من الأصحاب إلى أن وصلت النوبة إلى المحدّث الاستراباديّ والمحقّق الكاشانيّ ونسج على منوالهما المحقّق البحرانيّ.
[احتجاج القائلين بأنّ الكفّار غير مكلّفين بالفروع]
احتجّ القائلون بأنّ الكفّار غير مكلّفين بالفروع بوجوه:
الأوّل: أنّ الفروع لو كانت واجبة على الكافر فإمّا أن يكون وجوبها عليه حال كفره، أو حال الإسلام، وكلاهما باطل، أمّا الأوّل فلامتناعها منه حال الكفر؛ لأنّها مشروطة بالقربة، وهي ممتنعة من الكافر. وأيضاً لا تصحّ منه حال الكفر إجماعاً، وأمّا الثاني فلسقوطها عنه بالإسلام؛ لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله.
وأجيب أوّلًا بأنّ الكفر لا يصلح مانعاً للتكليف؛ لتمكّنهم من إزالته كسائر شرائط الصحّة التي ليست موجودة حين التكليف كالطهارة والستر وغيرهما. نعم، لو كان التكليف بالفروع مشروطاً ببقائهم على الكفر لامتنع.
وثانياً: أنّ مراتب الإيمان مختلفة متفاوتة كمراتب العبادة، وأقلّها ما هو حاصل لكلّ أحد بالفطرة الأولى التي فطر الناس عليها، وذلك يكفي لتوجّه الخطاب، وورود التكليف، وقيام الحجّة، فالأمر التكليفيّ بالعبادة متوجّه إلى الكفّار مشروطاً بتقديم المعرفة المستأنفة، كاشتراط الصلاة للمحدث بتقديم الطهارة، واشتراط أداء الدين للمدين بالسعي إليه، فكما أنّ الطهارة والسعي واجبان على من وجبت عليه الصلاة محدثاً، وأداء الدين ساكناً، فكذا الكافر يصحّ أن يجب عليه العبادة بهذا التكليف، وشرط الإتيان بها الإيمان أوّلًا، ثمّ الإتيان بها.
وباقي الأدلّة التي نذكرها لصاحب الحدائق:
الثاني: لزوم تكليف ما لا يطاق؛ إذ تكليف الجاهل بما هو جاهل به تصوّراً أو تصديقاً عين تكليف ما لا يطاق، وهو باطل.
والجواب: أنّ الجاهل غير معذور، بل هو كالعامد؛ للأخبار المستفيضة الدالّة على وجوب طلب العلم، وأنّه لا يسع الناس البقاء على الجهالة، وغير ذلك ممّا استقصيناه في مقدّمة «شرح المفاتيح» و«منية المحصّلين» و«بغية الطالبين» إلّا إذا كان غافلًا بالكلّيّة، فالأوجه عدم توجّه التكليف إليه، والكفّار بأسرهم ليسوا كذلك. نعم، لو فرض جهلهم ببعض المسائل بذلك المعنى فالأمر كذلك.
الثالث: عدم الدليل، وهو دليل العدم. وفيه: أنّ الأدلّة على ذلك كثيرة كما عرفت من الآيات والروايات والإجماع والاعتبار، وهذه الدعوى غفلة عظيمة.
الرابع: الأخبار الدالّة على وجوب طلب العلم، فإنّ موردها للمسلم دون الكافر.
وفيه: أوّلًا: أنّ مفهوم الوصف - بعد تسليم حجّيّته - لا يعارض المنطوقات الصريحة والأدلّة الصحيحة.
وثانياً: أنّ مفهوم الوصف حجّة إذا لم تظهر للوصف فائدة سواه، وهنا الفائدة في التخصيص بالمسلم أنّه هو الذي ينتفع بالعلم دون غيره، كما تقدّم في وجه تخصيص بعض الخطابات بالمؤمنين.
الخامس: أنّه كما لم يُعلم منه (صلى الله عليه وآله) أنّه أمر أحداً ممّن دخل في الإسلام بقضاء صلاته، كذلك لم يعلم منه (صلى الله عليه وآله) أنّه أمر أحداً دخل في الإسلام بغسل الجنابة، ولو أمر بذلك لنقل، وما رواه في المنتهى عن قيس بن عاصم وأسيد بن حضير ممّا يدلّ على أمر النبيّ بالغسل لمن أراد الدخول في الإسلام فخبر عامّي لا ينهض حجّة.
والجواب: أنّ عدم أمره (صلى الله عليه وآله) بقضاء الصلاة لكون الإسلام يجبّ ما قبله وعدم أمره (صلى الله عليه وآله) بغسل الجنابة ممنوع، سيّما مع الخبر الذي نقله، وضعف إسناده لا يضرّ بعد عموم الأدلّة الدالّة على تكليفهم بذلك.
السادس: اختصاص الخطابات القرآنيّة بالذين آمنوا، وورود «يا أيّها الناس» يُحمل على المؤمنين حمل المطلق على المقيّد. أقول: قد عرفت الجواب سابقاً فلا نعيده.
السابع: الأخبار الدالّة على توقّف التكليف على الإقرار والتصديق بالشهادتين:
ومنها: ما رواه في الكافي عن زرارة في الصحيح، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟ فقال: «إنّ اللَّه تعالى بعث محمّداً (صلى الله عليه وآله) إلى الناس أجمعين رسولًا وحجّة للَّه على خلقه في أرضه؛ فمن آمن باللَّه تعالى وبمحمّد رسول اللَّه واتّبعه وصدّقه، فإنّ معرفة الإمام منّا واجبة عليه، ومن لم يؤمن باللَّه ورسوله ولم يتّبعه ولم يصدّقه ويعرف حقّهما، فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن باللَّه ورسوله ويعرف حقّهما؟» الحديث.
قال: وهو كما ترى صريح الدلالة على خلاف ما ذكروه، فإنّه متى لم تجب معرفة الإمام قبل الإيمان باللَّه وبرسوله (صلى الله عليه وآله) فبطريق أولى معرفة سائر الفروع التي هي متلقّاة من الإمام.
ومنها: ما رواه أحمد بن أبي طالب الطبرسيّ في كتاب الاحتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الزنديق لمّا جاءه بآيات من القرآن قد اشتبهت عليه، قال (عليه السلام): «فكان أوّل ما قيّدهم به الإقرار بالوحدانيّة والربوبيّة، وشهادة أن لا إله إلّا اللَّه، فلمّا أقرّوا بذلك تلاه بالإقرار لنبيّه بالنبوّة، والشهادة بالرسالة، فلمّا انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة ثمّ الصوم ثمّ الحجّ»، الحديث.
ومنها: ما رواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره في قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: 6-7] حيث قال (عليه السلام): أترى أنّ اللَّه (عزّ وجلّ) طلب من المشركين زكاة أموالهم وهم يشركون به، حيث يقول: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} الآية، إنّما دعى اللَّه العباد للإيمان، فإذا آمنوا باللَّه ورسوله افترض عليهم [الفرائض]» (33). (34)
ومنها: ما روي عن الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] حيث قال: «كيف يأمر بطاعتهم، ويرخصّ في منازعتهم؟ إنّما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول» (35).
والجواب عن هذه الأخبار إجمالًا: أنّها لا تكافئ الأخبار المتقدّمة سنداً وعدداً ودلالةً. وثانياً: أنّه مع التسليم للتكافؤ يجب الترجيح، والمرجّحات المنصوصة والاعتباريّة موجودة في الأخبار المتقدّمة؛ لموافقتها للقرآن الكريم، ومخالفة هذه له كما عرفت، ولموافقة هذه للتقيّة كما عرفت، والرشد في خلافهم، إلى غير ذلك من المرجّحات من حيث السند والعدد والدلالة
وأمّا تفصيلًا: فأمّا صحيحة زرراة فلا بدّ من حملها على غير ظاهرها؛ إذ ظاهرها عدم تكليف الكفّار بالأصول والفروع، حيث إنّ ظاهرها أنّ معرفة الإمام غير واجبة على من لم يعرف النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل ظاهرها أنّ معرفة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ليست بواجبة على من لم يعرف اللَّه تعالى، وهذا ممّا لم يلتزمه أحد من المسلمين، وغاية ما فيها من الدلالة بالمفهوم، وهو لا يعارض المنطوق، بل المنطوقات الصريحة من الكتاب والسنّة على أنّ مثل هذه الأولويّة - التي لا ترجع إلى المفهوم العرفيّ بل إلى الاعتبار الظنّيّ - لا حجّيّة فيها. وبالجملة، فالمستدلّ المذكور يمنع حجّيّة الأولويّة والخصم أوّلًا: يمنع الاستدلال بمثلها، وثانياً: أنّها لا تعارض المنطوقات الصريحة. وأمّا خبر الاحتجاج فيمكن الجواب عنه بوجوه:
الأوّل: أنّه لا دلالة فيه على كون الكفّار غير مكلّفين بالفروع أصلًا، وذلك أنّ غاية ما فيه أنّ اللَّه سبحانه كلّف عباده أوّلًا بربوبيّته ووحدانيّته، ثمّ كلّفهم ثانياً بالرسالة، ثمّ كلّفهم ثالثاً بالفروع، وهذا لا يقتضي أن لا يكونوا مكلّفين بالفروع أصلًا. ألا ترى أنّ المسلمين مكلّفون بجميع الفروع مع أنّهم في أوّل الإسلام لم تنزل عليهم التكاليف جميعاً دفعة، بل كانت تكاليفهم تنزل شيئاً فشيئاً، وذلك لم يستلزم كون تكليفهم بالتأخير موقوفاً على امتثالهم التكليف الأوّل، وذلك واضح.
الثاني: أنّ هذا الخبر لو صحّ الاستدلال به على ما فهم منه للزم كون الكفّار باللَّه غير مكلّفين بالرسالة وبمعرفة الرسول التي هي من أصول الدين، ولم يذهب أحد من المسلمين إليه، وفيه من الفساد ما لا يخفى، فيتعيّن كون معناه أنّهم لم يكلّفوا دفعة بل كانت تكاليفهم تنزل شيئاً فشيئاً.
وأمّا الخبر الثالث - وهو خبر عليّ بن إبراهيم - فهو من المتشابهات التي لا يظهر لها معنى ينطبق على ما يقولون، ويمكن توجيهه بما ينطبق على كون الكفّار مكلّفين بالفروع بأنّ قوله (عليه السلام): أترى أنّ اللَّه (عزّ وجلّ) طلب من المشركين... إلى آخره استفهام إنكاريّ، وقوله (عليه السلام): «وهم يشركون به» جملة حالية من الضمير في أموالهم، والمعنى: أنّ اللَّه لم يطلب من المشركين أداء الزكاة حال كونهم مشركين؛ لأنّها لا تصحّ منهم في حال الشرك؛ لاشتراطها بالقربة الممتنعة منهم، وإنّما طلبها منهم بعد إسلامهم.
فأمّا قوله (عليه السلام): «إنّما دعى اللَّه العباد للإيمان به، فإذا آمنوا به افترض عليهم الفرض» فيمكن حمله على المعنى المتقدّم في سابقه، أي أنّ التكاليف وقعت على التدريج ولم تقع دفعة واحدة.
وأمّا ما روي عن الباقر (عليه السلام) فلا يخفى ما فيه من الإجمال، وغاية ما يمكن توجيهه من جانب الخصم بأنّه لا يمكن أن يكون الأمر بقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول} والخطاب والأمر في قوله تعالى: {فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} الآية، أن يكون عامّاً للكفّار والمسلمين؛ لأنّ الخطاب في قوله تعالى: (أطيعوا) للذين آمنوا كما في صدر الآية، والخطاب في قوله: {فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه} للذين آمنوا أيضاً، مع أنّ الإمام قد فسّر الآية بأنّ المأمورين بالردّ مع المنازعة إنّما هم المأمورون بالطاعة لا غيرهم، وهم الذين آمنوا فلا يكون عامّاً، وفيه ما لا يخفى من التكلّف، وغاية ما فيه حينئذٍ أنّ هذه الآية لا تعمّ الكفّار والمسلمين، وذلك لا ينافي كون الكفّار مخاطبين بذلك من دليل خارجيّ.
ويمكن أن يكون الحصر في قوله (عليه السلام): «إنّما قال ذلك للمأمورين» حصرٌ إضافيّ بالنسبة إلى منازعة الأئمّة، يعني أنّ الخطاب في قوله: «فإن تنازعتم» خاصّ بما عدا الأئمّة (عليهم السلام) من الذين يجب عليهم إطاعة الأئمّة، لا أنّه عامّ للأئمّة حتّى يكون المعنى: أنّه إذا وقع النزاع بين الأئمّة وبين غيرهم يجب عليهم الردّ إلى اللَّه ورسوله.
وبالجملة، فهذه الأخبار المتشابهة لا تصلح حجّة في هذا المطلب في مخالفة الآيات المتظافرة والروايات المتواترة.
وممّا يقطع على مقالتهم بالبطلان أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) كان يدعو الكفّار إلى هذا الدين وهو مركّب من كلمتين، الشهادة وسائر ما يتعبّدُ اللَّه به عباده من صلاة وزكاة وحجّ وجهاد وتحريم سحر ورياء وغيرهما من المحرّمات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشيعة، ج 1، ص 84، ح 196؛ علل الشرائع، ج 1، ص 14، ح 12؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 314، ح 7.
(2) أثبتها في الذريعة، ج 4، ص 407 بعنوان «تكليف الكفّار بالفروع»، وقد فرغ منها في 18 جمادي الثانية 1214 هـ.
(3) كذا، والأنسب: «شرطٌ».
(4) انظر: الدرر النجفيّة، ج 2، ص 40.
(5) الكافي، ج 1، ص 53، باب التقليد، ح 1 و3.
(6) الكافي، ج 2، ص 34، باب في أن الإيمان مبثوث...، ح 1؛ وسائل الشيعة، ج 15، ص 164، ح 20218.
(7) الكافي، ج 3، ص 241 - 242، باب ما ينطق به موضع القبر، ح 1؛ بحار الأنوار، ج 6، ص 267، ح 114.
(8) الكافي، ج 3، ص 233، باب أنّ الميّت يمثل له ماله...، ح 2.
(9) الكافي، ج 3، ص 241، باب المسألة في القبر...، ح 15.
(10) الكافي، ج 3، ص 235، باب المسألة في القبر....
(11) المحاسن، ج 1، ص 286؛ الكافي، ج 2، ص 18، باب دعائم الإسلام؛ الأمالي (للصدوق)، ص 340؛ الخصال، ص 278؛ تهذيب الأحكام، ج 4، ص 151، 418؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 13 - 28، ح 1 و2 و5 و10 و11 و15 و18 و24 و29 و31 و32 و33.
(12) بحار الأنوار، ج 26، ص 240 - 262.
(13) الكافي، ج 8، ص 106، ح 79؛ بحار الأنوار، ج 7، ص 269، ح 35.
(14) الكافي، ج 3، ص 113، باب ثواب المرض، ح 2؛ الدعوات (للراوندي)، ص 163؛ بحار الأنوار، ج 6، ص 120، ح 8؛ جامع أحاديث الشيعة، ج 3، ص 80، ح 3367.
(15) الكافي، ج 7، ص 4، باب الإشهاد على الوصيّة، ح 6؛ تهذيب الأحكام، ج 6، ص 253، ح 60؛ تفسير العيّاشي، ج 1، ص 348، ح 218؛ بحار الأنوار، ج 101، ح 318.
(16) الكافي، ج 8، ص 313، ح 486؛ الأمالي للصدوق، ص 241؛ بحار الأنوار، ج 7، ص 125، ح 1.
(17) الكافي، ج 8، ص 12، ح 1؛ تحف العقول، ص 314؛ وسائل الشيعة، ج 16، ص 45، ح 20935؛ بحار الأنوار، ج 70، ص 396، ح 1.
(18) أثبتناه من المصدر، وفي الأصل: «خير من العمل».
(19) علل الشرائع، ج 2، ص 524.
(20) الكافي، ج 2، ص 85، باب النيّة، ح 5.
(21) الكافي، ج 8، ص 73، ح 29.
(22) المحاسن، ج 2، ص 327، ح 80؛ الكافي، ج 3، ص 508، باب العلّة في وضع الزكاة...، ح 2، علل الشرائع، ج 2، ص 369، ح 1؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 147، ح 11714.
(23) الكافي، ج 2، ص 437، باب الاستغفار من الذنب، ح 3؛ وسائل الشيعة، ج 16، ص 66، ح 20995؛ بحار الأنوار، ج 6، ص 41، ح 77.
(24) المجامر: جمع المجمرة والمجمر، وهو الشيء الذي يجعل فيه الجمر؛ الصحاح، ج 2، ص 616 (جمر).
(25) كتاب المؤمن، ص 18، ح 13؛ الكافي، ج 2، ص 446، باب تعجيل عقوبة الذنب، ح 11.
(26) لم نعثر عليه.
(27) المحاسن، ج 1، ص 250، ح 264؛ الكافي، ج 2، ص 461، باب أنّه لا يؤاخذ المسلم...، ح 1؛ مستدرك الوسائل، ج 11، ص 195، ح 12725.
(28) في المصدر: «يحسن».
(29) الكافي، ج 2، ص 461، باب أنّه لا يؤاخذ المسلم...، ح 2.
(30) الكافي، ج 3، ص 568، باب صدقة أهل الجزية، ح 5؛ من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 52، ح 1673؛ تهذيب الأحكام، ج 4، ص 114، ح 333؛ وسائل الشيعة، ج 15، ص 154، ح 20195.
(31) الكافي، ج 2، ص 438، باب الاستغفار من الذنب، ح 6، وسائل الشيعة، ج 16، ص 81، ح 21039.
(32). المجازات النبويّة، ص 54، ح 32؛ عوالي اللآلي، ج 2، ص 54، ح 145؛ بحار الأنوار، ج 6، ص 22، ح 24؛ وج 9، ص 222؛ وج 21، ص 114، ح 8؛ مستدرك الوسائل، ج 7، ص 448، ح 8625.
(33) في الأصل: «الغرض»، وما أثبت من المصدر.
(34) تفسير القمّي، ج 2، ص 262؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 9، ص 233 - 234، ح 128.
(35) راجع: الدرر النجفيّة، ج 2، ص 34 - 40.