إن وقوع أي حدث سواء كان مفرحاً أم مؤلماً هو من أجل الامتحان، بيـد أن الإنسان المتوسط والضعيف لا يتعامل مع الأحداث المفرحة على أنها امتحان وهو غافل عن هذا الجانب. وإن أغلب عباداته أيضاً تبتني على أساس العادة لا شكر الله. فمثله الغارق في عالم الطبيعة والمنافع المادية لا يؤدي شكر الحق بتاتاً.
ومن أجل أن يتوجه مثل هذا الإنسان إلى ما وراء عالم الطبيعة يبتليـه الله سبحانه بالآلام والمصائب.
ثم إن الله لا يريد تعجيل العذاب لأي أحد حتى الفراعنة، ولكن حينما لم يعد لنصيحة موسى وهارون (عليهما السلام) وهدايتهم ودعوتهم وتذكرتهم من قبل الله : {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] أثر في قلوبهم القاسية أخذهم الله ولسنين متمادية بالمشقة والجفاف وقلة المنافع الزراعية والحيوانات وابتلاهم بها لعلهم يتذكرون: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130]، والسرّ في قوله «لعل» هو أن التذكرة علـى حـد التمهيد ولعلّ خبر عن مقام فعل الله وذلك التمهيد لا أنها خبر عن مقـام الـذات الواجبة، فالترديد ناجم من إمكانية تأثير هذه التذكرة وبالتالي تذكرهم، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى في مقام الذات عالم بتأثير التذكرة أو عدمه وكذا بتأثرهم منها أو عدمه.
إن المشاكل الفردية والجماعية امتحان إلهي وللامتحان الإلهي مراتب ودرجات وكما ورد في الآية التي نبحث فيها فقد كان الابتلاء أولاً شيء مـن الخوف والجوع وقد يصل في مرتبته العالية إلى درجة من القوة والشدة يصاب المؤمنون فيه بزلزال شديد حيث يقول الله في القرآن الكريم بهذا الشأن: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10، 11]. ففي هذا الابتلاء الذي يزلزل الإنسان حتى آل بالمنافقين وضعاف الإيمان أن يتركوا الساحة: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12]، تجد المؤمنين أهل استقامة وصبر وثبات:
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].
وإن مثل هذا الابتلاء لا يختص بأمة وفئة كما يقول الله سبحانه مخاطباً المؤمنين في المدينة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. وإن هذه الآيات تحتاج إلى مزيد من التدبر لأن عبارة {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ...}. تخاطب من كانوا يصلّون الصلوات الخمس في أشرف المساجد بعد المسجد الحرام وهو مسجد النبي وبإمامة أفضل إمام في العالم وهو الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ويسمعون حديثه ومواعظه ويصافحونه. فيقول لهؤلاء: حسبتم أن تدخلوا الجنة بأعمالكم هذه من دون ابتلاء وامتحان.
وهناك آيات أخرى تدلّ على أن المصائب من وسائل الامتحان الإلهي وتتحدث عن مسائل الحرب وصعابه قائلة: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31].
ملاحظة: الابتلاء بالخوف والجوع غير الجزاء والعقوبة بهما وهذا مـا هـو مشهود بالكامل من قوله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} [النحل: 112]، وهناك فرق كبير بين هاتين الآيتين، ففي إحداهما ابتلاء وفي الأخرى جزاء، وفي إحداهما {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ} [البقرة: 155] وفي الأخرى عنوان الخوف والجوع، وفي إحداهما إشارة إلى اللباس وإحاطة العذاب واشتماله وفي الأخـرى التي هي موطن البحث إشارة إلى غير ذلك(1).
________________________
(1) تفسير التحرير والتنوير، ج 2، ص 53، مع شيء من التغيير.