واحدة من أسباب الحوادث الطبيعية المدمرة كالزلزال والسيل والطوفان وتسونامي وانهيار الجبل والهزة الأرضية وغيرها من الكوارث الفادحة التي تخلّف خسائر بشرية ومالية هي الامتحان الإلهي.
وقد تعرض القرآن الكريم لهذه المسألة وأوصى بالصبر أمام المصائب: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157]، والسرّ من هذا الامتحان وتنوعه هو أن الناس خُلقوا بمواهب مختلفة والباعث على ازدهار هذه المواهب هي الامتحانات المتنوعة.
وإن الصبر والشكر من كمالات الإنسان ولا ينتقل هذا الكمال من القوة إلى الفعل من دون الابتلاءات المختلفة ومن هنا فتارة يختبر الله سبحانه الإنسان بالنعمة والمنحة(1) والعزة وأخرى بالنقمة والمحنة والمهنة ليظهر شكره وصبره الباطنى، ويُعرف الإنسان الصابر في الابتلاء بالضراء والنوائب والظروف العصيبة والمرة، والإنسان الشاكر في الامتحان بالسراء ورفاهية العيش والدعة، وعلى هذا الأساس يرد الابتلاء بالشدائد والصعوبات والصبر عند الحرب وتجييش الجيوش والامتحان بالمسائل الرفاهية بعد الانتصار واكتساب غنائم الحرب.
ويظهر من التأكيد الوارد في هذه الآية وفي آيات أخرى في قوله {ولَنَبْلُونَكُم} أن الابتلاء قضاء إلهي حتمي ولا مفرّ منه لأي أحد فمن طلـب من الله قائلاً: اللهم ارفع عني الابتلاء، لا يستجاب دعاؤه وعليه أن يقول: اللهم اجعل إيماني راسخاً ووفقني لأن أخرج من ابتلائك مرفوع الرأس(2).
الابتلاء بعدم استقرار الأمن والفقر الاقتصادي
المقصود من الابتلاء بـ«الجوع» و «الخوف» في الآية السابقة هو الابتلاء بعدم استقرار الأمن والفقر الاقتصادي وبعبارة أخرى ليس المراد بالجوع هـو خصوص الجوع الذي يقابل العطش بل المراد به أعـم مـن الجـوع والعطش وسائر الأضرار والمصائب البدنية، كما ذكر العطش والتعب في بعض الآيات إلى جانب الجوع بالصراحة: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [التوبة: 120].
فإن التعبير عن النقص في المسائل المالية والاقتصادية بـ«الجوع» كالتعبير عن التصرف في مال الغير بـ«الأكل» أو التعبير عن اقتراف الذنوب بمختلف أعضاء البدن بـ«اقترافه باليد»، فالمراد بالأكل في بعض التعبيرات نظير {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]، {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] هو مطلق التصرف، وقد تم التعبير عن التصرف في أموال الآخرين بالأكل لأنه أبرز مصاديق التصرف، والمقصود أيضاً من {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30]، هو جميع الذنوب لا خصوص التي تُقترف بواسطة اليد، وقد عُبّر بذلك لأن أكثر الأعمال يتم إنجازها عبر اليد، وكذلك الحال في الآية التي نبحث فيها لأن الجوع هو المثال البارز للفقر والضعف ولذا فقد تم التعبير به عن الجوع والفقر في الملبس والمسكن ونظائرها، كما هو الحال في آية {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 4] حيث عبر عن الازدهار الاقتصادي بالإطعام من الجوع.
النقص في المال والنفس والثمر
تارة يتحقق الابتلاء والامتحان الإلهي بالفقر: {بشَيْءٍ مِنَ ... والجوع} فإن الإنسان في هذه الحالة ولو لمدة قصيرة يفتقر وجود أي شيء للأكل وأخـرى بنقص المال: {وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ} [البقرة: 155] و «النقص» غير الزوال، والإنسان المبتلى بنقص المال ليس جائعاً أو عرياناً أو متشرداً بل عليه أن يعيش حياة بسيطة. وبالنظر إلى هذا التنوع في الابتلاءات تبدل سياق الآية من {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} إلى {وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ} [البقرة: 155]، لأن المراد من {ونقص ...} هو «وبنقص» لا «وبشيء من النقص». علماً بأن عبارة {بِشَيْءٍ} تشير إلى قلـة الابتلاءات المذكورة ومحدوديتها زمنياً ويكون معناها «بشىء قليل». والحاصل أن الإنسان المبتلى في هذه الحالة إما أنه لا يحصل على شيء أو إن حصل عليه يُؤخذ منه وكلها من باب الامتحان.
والمراد بـ«نقص الأنفس» الذي يعد من الابتلاءات الإلهية هو القتل في سبيل الله أو أعم منه ومن الموت الطبيعي لأنها بأجمعها مـن مـصاديق «نقـص النفس»، كما أن المقصود من «نقص الثمرات» إما أن يكون الثمر الاقتصادي ولاسيما المحاصيل الزراعية وثمار الأشجار أو الأولاد نظراً إلى ما يقال من أن الأولاد ثمار القلوب وبالإمكان أن يشمل الجميع.
ولعل في ذكر الثمر بعد المال إشارة إلى أن الثمر ليس مالاً باستمرار لأن ثمار أشجار الأراضي التي! لا مالك لها ليست من الأموال الشخصية.
عظمة أجر الصابرين
إن الذين يخرجون من الابتلاء الإلهي المذكور في الآية التي نبحث فيهـا منتصرين يدخلون في عداد الصابرين وتشملهم البشارة الإلهية ولذا قال {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]، وإن عدم ذكر البشرى ومتعلق التبشير إنما هو لإلفات الأنظار إلى أهميتها وسعتها. فلو كانت البشارة بأمر جزئي لقال: بشرهم بالأمر الفلاني، وأما إن كان لأجر الصبر من الأهمية بمكان لا تحده حدود فهو خارج عن نطاق الذكر، وأجر الصابرين كذلك لا يُحدّ ولا يُعد: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].
وإن حذف متعلق التبشير علاوة على الإرشاد إلى عظمته يدل على شموليته أيضاً. فهذه البشارة تشمل نعم الدنيا والآخرة ولا تختص بالنعم الأخروية. فإن الله سبحانه يهب للصابرين في الدنيا من باب البشارة الكثير من النعم والفضائل والملكات الحميدة - التي يتعلق بعضها بالآخرة ـ والسرّ في ذلك هو أن الصبر من عزم الأمور: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17].
وبيان ذلك أنه لا يتم أي عمل من دون تصميم وعزم وإرادة وكل عمل إرادي وإن كان بسيطاً مسبوق بالإرادة بيد أن بعض الأعمال من عزائم الأمور، أي أنها «مما ينبغي أو يجب أن يُعزم عليه» ولا تحقق بإرادة اعتيادية. وعلى الإنسان لتحقق مثل الأمور أن يفكر في عاقبتها ويتدبر ويستشير فيها للوصول إلى الجزم حتى لا يتغلغل إلى إرادته الوهن وفتور الهمة والكراهة والتردد والشك والانزجار ويكون مصمّماً على القيام به. أمـا الإرادة التي تتزلزل بأدنى حدث فهي ليست من الصميم الخالص وما دامت غير خالصة لا يطلق عليها التصميم لأن «الصميم» هو الشيء المحض الخالص ولذا يُطلق على الصخرة المستحكمة التي لا يوجد فيها شق ولا فطور «صخرة صماء» وعلى الصديق الذي لا خلل في صداقته «صدیق صمیم» وعلى الرجل الفاقد لسمعه الذي امتلأت أذنيه ولا سبيل لنفوذ الصوت إليهـا «أصم».
والصبر ليس بعمل طبيعي حتى يستطيع الإنسان أن يصبر من دون تصميم، إذ لابد أن يأخذ زمام نفسه بيده في كل لحظة لئلا يجـر الـتـردد والكراهة وأشباهها مركز عزمه وتصميمه إلى الوهن ويسوقه إلى الجزع، فالإنسان الصابر قد حقق عبر صبره واحدة من عزائم الأمور. علماً بأن «الصابر» يطلق على من يحمل ملكة الصبر في جميع الحوادث وتكون هذه الصفة بالنسبة له ثابتة مستمرة ومن هنا فإن «الصابر» صفة مشبهة، لأن للصفة المشبهة الدالة على الثبات والاستمرار أوزان مختلفة، وإن وزن الفاعل والمفعول أيضاً إن دلّ على الملكة والاستمرار كالصابر والمحمود فهو صفة مشبهة لا اسم فاعل أو اسم مفعول. ومن يصبر في حادثة واحدة لا يدعى بالصابر أو «الصبور» بل يقال فيه بأنه «صَبَرَ»، أو من يجزع في حادثة واحدة لا يوصف بـ«الجزوع» بــل يقال فيه بأنه «جَزَعَ».
وعلى أي تقدير فإن الذي يُبشر بالنعم الإلهية دنيوية كانت أو أخروية هـو من يحمل «ملكة الصبر» و «الصابرون» المتمتعون بالبشارة الإلهية هم أصحاب الملكة والمقام لا المستودع والحال.
___________________________
(1) المنحة: العطاء والهبة (قاموس دهخدا، ذيل كلمة منحة).
(2) راجع وسائل الشيعة، ج 7، ص 137 137، «باب أنه يكره أن يقال اللهم إني أعوذ بك من الفتنة بل يقال من مضلات الفتن».