0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات

المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية

التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

وظيفة الإنسان إزاء النعم الإلهية

المؤلف:  الشيخ عبد الله الجوادي الآملي

المصدر:  الإسلام والبيئة

الجزء والصفحة:  ص166ــ171

2026-08-03

18

+

-

20

واحدة من مباني حقوق الإنسان في الفكر الإسلامي، علاقة الإنسان الخاصة بالعالم ووظيفته إزاء النعم الإلهية في هذا العالم. والمحور الرئيسي لهذا الفكر هو أن لعمل الإنسان الحسن أو السيء دور مهم في ظهور أو نقيصة نعم العالم. فإن بإمكان الإنسان في أي إقليم ومنطقة وبأي خصوصية جغرافية أن يبلور العالم من خلال عمله وأن يعيّن دائرة نعم الوجود. وبالطبع لا ينبغي إغفال هذه المسألة وهي أن الله قد يغمر المجرمين بنعمه استدراجاً وذلـك مـن باب ابتلاء الناس وامتحانهم: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} [النحل: 112].

يظهر من هذا التمثيل القرآني أن الله قد يغمر قومـاً بكلتا النعمتين الرئيسيتين وهما الاقتصاد السالم والأمن ليبلوهم أنهم هل يستفيدون مـن هـذه النعم للوصول إلى السعادة أم لا: {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].

ونجد اليوم الكثير من بلدان العالم كأغلب الدول الأوروبية يسودهم هـذا الوضع ولو لم يستيقظوا ولم يشكروا نعم الله لتورطوا بمثل هذا المصير.

وهناك آيات أخرى تشير إلى هذه الفكرة أيضاً فيحدثنا القرآن مثلاً عن أرض الحجاز ويقول بأن هذه المنطقة وإن لم تتمتع بموقع جغرافـي مناسب وحالة اجتماعية مستقرة ولكنها ولوجود الكعبة فيها - وهي المركز المهم للدين الإلهي - حظيت بكلتا نعمتي الاقتصاد السالم والأمن: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 1 - 4].

فيتضح بالنظر إلى هذه المسألة أن بيان وظائف الإنسان الحقوقية بحاجة إلى التعرف على علاقة الإنسان مع العالم ووظيفته إزاء نعم الوجود. ويتسنى التعرف على هذه العلاقة والوظيفة من خلال رؤيتين متمايزتين بالكامل.

فالرؤية الأولى التي علمها القرآن الكريم للبشر هي أن السبب لجعل العالم طيعاً للإنسان ومُسخّراً له وصوله إلى الصلاح والفلاح وهما عبارة عن تزكية النفس وتطهيرها: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14].

والرؤية الثانية كذلك من أن السبب لجعل العالم طيعاً للإنسان وصوله إلى الفلاح، ولكن الفلاح هنا هو عبارة عن منطق القوة والاستعلاء: {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} [طه: 64].

ومن الواضح أن علاقة الإنسان بنعم العالم تتحدد على سبيل التناقض بالاستناد إلى أي واحد من هاتين الرؤيتين. فقد قام القرآن الكريم وفق تعريفه للصلاح والفلاح بالدلالة على الهدف وتبيان الأصول والمباني والمسير وعبر عن هذا الإرشاد بـ«الربوبية». ومن أشمل الآيات في هذا المجال القصيرة في عباراتها العالية في مضامينها هي: {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الجاثية: 36].

وقد جعل هذا الرب الإنسان خليفة له ليستفيد من أي نعمة في الوجود في سبيل صلاحه ولذا سخر له العالم بأسره. ومن هنا فحري بالإنسان حين استثمار النعم أن يتذكر الحقيقة وألا ينسى بعد الاعتراف بعجزه حمد ربه. فقد علم القرآن الإنسان على سبيل المثال حين ركوب المركب أن يقول: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: 13، 14].

فتشاهدون في هذا الكلام أن هناك اعتراف بضعف البشر وعجزهم وكذا تذكيرهم باليوم الذي يساقون على المركب (التابوت) إلى حيث الديار الموحشة.

فإن تعليم القرآن للبشر من أن تطويع هذا المركب مسبوق بإرادة الله لا يقتصر على المركب بل يشمل جميع المصاديق وذلك لـ ((عموم التعليل))، فعلى المزارع أيضاً معرفة أن تسخير المطر والتراب والشمس له بأمر من الله. وعلى الناس جميعاً الوقوف على هذه الحقيقة والاعتراف بها لأن كل هذه العمليات إنما يتم إنجازها لئلا ينسى الإنسان أنه عائد إلى ربّه. وإن كان لابد من ذلك فعلى الإنسان أن يعد زاد الطريق وخير الزاد هو التقوى؛ {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197].

وأما بالاستناد إلى الرؤية الثانية فلا يدور الكلام عن ربوبية الله الشاملة. وإن الإنسان يرى بأن العالم كله طيّع أمامه ولكنه لا يعرف لماذا وكيف! ولذلك ينسى تسبيح الله والاعتراف بعجزه وتذكر الرجوع إلى الله، وبالتالي ينسى البحث عن الزاد واكتساب التقوى أيضاً.

ومن نتائج الرؤية القرآنية هي أن الإنسان لا يمكنه حين استثمار العالم ونعمه القيام بما لا يلائم الصلح والسلم. وقد أشار القرآن إلى بعض الصالحين الذين لم تختلج أذهانهم فكرة الهجوم والتخريب قط رغم ما كانوا يتمتعون بـه من مواهب كثيرة وعظيمة كـ «سليمان» و «داود» (عليهما السلام) و «ذو القرنين». فداود (عليه السلام) مثلاً كان يمتلك قوة كبيرة لما كان يتحلى به من السيطرة على الحديد ومن شخصية ثورية ومن قيادة الشعب ولكنه لم يستخدم هذه القوة في طريق الهجوم والتخريب وصناعة الأسلحة الهجومية بل استخدمها في صناعة الدروع: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ} [الأنبياء: 80].

فاستعمل هذه القوة الفريدة الإلهية في طريق الدفاع لا في مسير الهجوم. وكان قائد ثورة منتصرة وخرج من الحرب مع «طالوت» منتصراً، ولكنه لم يسلك سبيل الهجوم والتخريب. وكان ((ذو القرنين)) أيضاً على هذا المنوال حيث حدثنا القرآن الكريم بأنه قد توافرت له جميع إمكانيات عصره بإفاضة الله؛ {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [الكهف: 84].

ولكنه رغم ذلك قبل اقتراح صناعة السد لمواجهة «يأجوج» و «مأجوج» المفسدين ولم ينتهج نهج التخريب والهجوم. وبعد الانتهاء من صناعة السد أيضاً لم يغفل عن قدرة الله وإرادته ولم يسلك سبيل نكران الجميــل بــل قـال: {هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} [الكهف: 98].

فعلّم القرآن البشر أن يختار الطريق الصحيح للاستفادة من نعم الوجود وأن يبحث في تحقيقاته ودراساته عن الإصلاح والنجاة كما لابد أن يكون هدفنا من تصنيع السلاح هو الدفاع وإحلال الأمن أيضاً.

ثم إن التوجه إلى هذه الرؤية القرآنية له آثار قيمة في تربية الناس أيضاً. فعلى أساس الرؤية المادية مثلاً نجد إمكانية الانتفاع بوسائل اللهو والتسلية في تطور يتناسب وتقدم الإمكانيات الصناعية. فقد صنع البشر اليوم لكل طبقة من أفراد المجتمع ألعوبة وتجد لكلّ من الصغار والأطفال والناشئين والشباب والكبار والشيوخ وسائل للتسلية ومن هنا فقد أصبح العالم عالماً يسوده اللهو واللعب. ولكن بالاستناد إلى الرؤية القرآنية حول علاقة الإنسان بالعالم فإن المرء بعد مرحلة النشوء يضع خطاه في عالم البحث وطلب الحق ويجتاز حدود اللهو واللعب.

ففي رواية سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن صاحب هذا الأمر، فقال: «إن صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب» وأقبل أبو الحسن «موسى» (عليه السلام) ومعه عناق مكية وهو يقول لها: «اسجدي لربّك» فأخذه أبو عبد الله (عليه السلام) وضمه إليه وقال: «بأبي وأمي من لا يلهو ولا يلعب»(1).

إذن فكيفية الرؤية إلى علاقة الإنسان بالعالم يعد أساساً مهماً لتعيين حقوقه وتكاليفه ولابد في هذا الخضم من التوجه إلى الفارق الكبير بين الرؤية القرآنية والرؤية المادية.

___________________________

(1) الكافي، ج 1، ص 311. 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد