تفعيل الدور العلاجي على الصعيد الجزائي:
لم يكتف المشرّع عند تنظيمه للإطار القانوني للاستثمار بإقرار جزاء وحلول مدنية وتجارية بل تجاوزها بإقرار عقوبات جزائية ضد كل مرتكب لأي فعل قد يمس سواء بالقرار الاستثماري أو بالمال المستثمر رغم وجود اتجاه (1) فقهي ينادي بعدم وضع قواعد جنائية خاصة معتبرا أن عالم التجار لا مجال فيه للأخلاقيات السامية حتى يتدخل قانون العقوبات.
لا يتوقف دور القاضي الجزائي في حماية الاستثمار في تكييف الأفعال موضوع التجريم بل بتجاوزه للنظر في تسليط العقوبة المناسبة على مرتكب ذلك الفعل بما يتماشى وروح النص لأن المشرع يمنحه سلطة تقديرية واسعة في تسليط العقوبة المناسبة وذلك من خلال وضع الحد الأدنى والحد الأقصى للعقوبة كما خوله مراعاة ظروف التخفيف المنصوص عليها بالفصل 53 م. ج. خاصة أن هذه الجرائم تعتبر ذات صبغة اقتصادية ويغلب عليها الطابع المالي.
وبذلك فإن دور القضاء الجزائي في حماية الاستثمار يتأكد كلما طبق العقوبة المناسبة ضد مرتكب الفعل المجرم وذلك من شأنه أن يحقق النخاعة المطلوبة خاصة في ظل اقتصاد يقوم على المنافسة، فنشر مضامين الأحكام مثلاً بالصحف أو بالمؤسسات الاقتصادية كعقوبة تكميلية طبق قانون المنافسة والملكية يمكن أن يكون له دور هام وناجع.
يتضح مما سبق أهمية الاستثمار في أنه لا يقتصر على كونه مصدر تمويل ولاسيما للبلدان النامية ولكن أيضا للمنافع التي تترتب عنه كنقل التكنولوجيا، وتوفير فرص العمل المحلية والانفتاح على الأسواق العالمية، وبالتالي تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلدان المضيفة للاستثمار.
ونظراً للطبيعة الخاصة لاتفاقيات الاستثمار وتعدد أطرافها فإنه من الطبيعي أن تنشأ بين أطرافها منازعات حول تطبيقها أو تفسير بنودها مما استوجب توفير وسائل ودية محايدة وفعالة لتسويتها، كالمفاوضات، والتوفيق والتحكيم، إلى جانب الوسائل القضائية كاللجوء إلى القضاء الوطني في الدولة المضيفة للاستثمار، وإلى القضاء الدولي، والاتفاقيات الدولية الخاصة بمنازعات الاستثمار.
وقد تبين من خلال البحث أن اللجوء إلى القضاء الدولي، لا يخلو من صعوبات قانونية، فبالنسبة لمحكمة العدل الدولية تبين لنا تعذر لجوء المستثمر إليها إلا إذا ساندته دولته في قضيته عملاً بمبدأ الحماية الدبلوماسية، أما بالنسبة لمحكمة التحكيم الدائمة فإنه يشترط للجوء المستثمر إليها أن تكون كل من الدولة التي يحمل جنسيتها والدولة المستضيفة للاستثمار طرفاً في اتفاقية تأسيسها.
أما بالنسبة لمحكمة الاستثمار العربية فإن اختصاصاها محدود ويقتصر على المنازعات بين الدول العربية نفسها أو بين دولة عربية وبين المؤسسات التابعة للدول العربية ويحتاج تفعيل دورها إلى توسيع صلاحياتها بحيث تستطيع الفصل في المنازعات الاستثمارية التي يكون أحد أطرافها عربياً، سواء كان هذا الطرف مستثمراً خاصاً أو دولة أو إحدى مؤسساتها العامة، وبذلك تستطيع تسوية المنازعات التي تثور بين مستثمر أجنبي ودولة عربية.
كما انه ينبغي على القضاء لضمان نخاعة الاستثمار وحسن الفصل في المنازعات الناشئة عنه التوفيق بين مصلحتين:
الأولى: تحقيق قيمة إضافية للاقتصاد الوطني للدولة من خلال توظيف رؤوس أموال أجنبية لديها والثانية تحقيق أرباح من قبل المستثمرين بقطع النظر عن مدى القيمة المضافة التي تؤديها هذه الاستثمارات للدولة المضيفة. وقد تلتقي هاتان المصلحتان أو تفترقان، وعند ه تبحث كل مصلحة عن وسائل حمايتها بقطع النظر عن المصلحة الأخرى، وهذا هو مناط النزاع ولذلك يلجأ المستثمرون الأجانب إلى التحكيم التجاري الدولي لأسباب في مقدمتها عدم الاطمئنان لحياد القضاء الوطني من جهة، ولسرعة إجراءات التحكيم مقارنة بالإجراءات القضائية التي تأخذ وقتاً طويلاً من جهة أخرى. ولا يمكن اعتبار اللجوء إلى التحكيم التجاري الدولي انتهاكاً للسيادة الوطنية طالما أن القضاء الوطني يملك دور الرقابة فيتدخل لضمان نجاعة العملية التحكيمية ومطابقتها لأسبابها الإجرائية والموضوعية دون المساس بالعلاقات التعاقدية للأطراف التي هي أساس التحكيم وطالما أنه يسعى لتوفير الضمانات الكافية لسلامة القرار التحكيمي لضمان الموازنة بين المصالح والحقوق. على انه ينبغي للدول المضيفة للاستثمارات الأجنبية حماية مصالحها الوطنية بحسن صياغة عقود الاستثمار وإتقان الاتفاقيات الدولية للاستثمار بصيغ دقيقة بدلاً عن الصياغات العامة التي تشير إلى المبادئ العامة للقانون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - Touffait et JB Herzog, Observation sur l'évolution du droit pénal des sociétés. Revu .Sc. .Crime,p.777.