تفعيل الاتفاقيات من طرف القضاء لفض منازعات الاستثمار
نتطرق إلى دور كل من القضاء الدولي والإقليمي والوطني في تسوية منازعات الاستثمار.
دور القضاء الدولي
يتبين من خلال التطبيقات تفضيل المستثمر الأجنبي اللجوء إلى القضاء الدولي لاعتقاده بأنه يتميز بالحيادية والاستقلالية وتوفير الضمانات القانونية للحفاظ على حقوقه، ودون أن تمانع الدول المضيفة في ذلك طالما أن الاختيار يطمئن المستثمر الأجنبي ويشجعه على توظيف أمواله في الدولة المضيفة للاستثمار.
يتمثل القضاء الدولي في كل من محكمة العدل الدولية التي أنشئت بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وفي محكمة التحكيم الدائمة والتي تتعهد منذ سنة 1962 بمهمة تسوية المنازعات التي تقوم بين الدولة المضيفة للاستثمار والمستثمر الأجنبي.
تدرك معظم الدول بأن اللجوء إلى الوسائل الدولية لتسوية المنازعات تطمئن المستثمر الأجنبي ولذلك فإن أغلب قوانينها الاستثمارية الوطنية تجيز هذا اللجوء فالفصل 67 مثلاً من مجلة تشجيع الاستثمارات في تونس ينص على اختصاص المحاكم التونسية بالنظر في الخلافات التي تطرأ بين المستثمر الأجنبي والدولة التونسية ولكنه يجيز في نفس الوقت الاتفاق على فض النزاعات بالتحكيم سواء عن طريق إجراءات تحكيم خاصة أو تطبيق للإجراءات المنصوص عليها بـ:
• الاتفاقيات الثنائية لحماية الاستثمارات المبرمة بين الدولة التونسية والدولة التي ينتمي إليها المستثمر.
• الاتفاقية المتعلقة بإنشاء المؤسسة العربية لضمان الاستثمارات والمصادق عليها بالمرسوم عدد 4 لسنة 1972 المؤرخة في 17 أكتوبر 1972 والمصادق عليه بالقانون عـدد 71 مدد لسنة 1972 المؤرخ في 11 نوفمبر 1972.
كما يجيز القانون المصري للاستثمار رقم 8 لعام 1997 تسوية منازعات الاستثمار بالطريقة التي يتم الاتفاق عليها مع المستثمر أو في إطار الاتفاقيات السارية بين مصر ودولة المستثمر.
ويؤكد قانون الاستثمار اليميني رقم 22 لسنة 1991 على هذا الاتجاه ومثله قانون تشجيع الاستثمار الأردني رقم 16 لسنة 1995 والمعدل بالقانون رقم 13 لسنة 2000 .
يتمثل القضاء الدولي في كل من محكمة العدل الدولية ومحكمة التحكيم الدائمة.
أولاً: محكمة العدل الدولية:
تعد هذه المحكمة الأداة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة وفق المادة الأولى من نظامها الأساسي ووفق المادة 92 من ميثاق الأمم المتحدة، وتتألف من خمسة عشر قاضياً يمثلون ثقافات قانونية متنوعة ويتم انتخابهم بناء على ترشيح مجلس الأمن وموافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتتمثل وظيفتها وفق المادة 38 من نظامها الأساسي في فصل المنازعات التي ترفع إليها وفقا لأحكام القانون الدولي، وهي تطبق في هذا الشأن:
أ- الاتفاقات الدولية العامة والخاصة..
ب - العادات الدولية المرعية المعتبرة بمثابة قانون دل عليه تواتر الاستعمال.....
ج - مبادئ القانون العام.....
د- أحكام المحاكم ومذاهب كبار المؤلفين..."
ولكن لا يترتب عما ذكر نزع سلطة الفصل في النزاع وفقا لمبادئ العدل والإنصاف متى وافق الأطراف على ذلك.
وفيما يتعلق بدورها في فض منازعات الاستثمار يتبين وفقا للمادة 34 من نظامها الأساسي أن اختصاصها ينحصر في فصل المنازعات التي تنشأ بين الدول فللدول وحدها الحق في أن تكون أطرافاً في الدعاوى التي ترفع للمحكمة" بما يمنع المستثمر الأجنبي الفرد حق المثول مباشرة أمامها باعتباره لا يتمتع بالشخصية الدولية، وبالتالي لا يملك الأهلية القانونية للمطالبة بتعويض ضرره من عمل غير مشروع تسببت فيه الدولة المضيفة للاستثمار.
وتبعاً له فان السبيل الوحيد لإثارة مسؤولية الدولة المضيفة للاستثمار هو طلب المستثمر من الدولة التي يحمل جنسيتها حمايته وهي "الحماية الدبلوماسية" ذلك إن الوسيلة الوحيدة لتعهدي المحكمة المذكورة يكون بقيام دولة المستثمر الأجنبي بعرض النزاع عليها انطلاقاً من حماية حقوق ومصالح رعاياها بما يعطيها الأهلية والصفة في رفع دعوى أمام القضاء الدولي عند حصول اعتداء على هذه الحقوق (1).
يعتبر نظام الحماية الدبلوماسية تبعاً لما ذكر ضماناً مهماً لحماية الاستثمار (2) في حالة تعرضه لأضرار من قبل الدولة المضيفة للاستثمار خاصة إذا كان يتعذر على المستثمر اللجوء إلى القضاء الوطني في تلك الدولة.
يخضع نشر الدعوى أمام محكمة العدل الدولية إلى الشروط التالية:
1/ وجود رابطة قانونية وسياسية بين المستثمر (الفرد أو الشركة) مدعي الضرر وبين الدولة التي تحميه.
2/ أن يكون المستثمر قد استنفذ طرق التقاضي الداخلية المنصوص عليها في قوانين الدولة المطلوبة لجبر ضرره وفق تشريعات الدولة المضيفة للاستثمار (3).
3/ أن لا يكون المستثمر قد ساهم بدوره في إحداث الضرر الذي أصابه (4).
ومن الجدير بالذكر أن استناد المستثمر إلى نظام الحماية الدبلوماسية لا يضمن له أحياناً مصالحه تجاه الدولة المضيفة للاستثمار ولا يعطي نتائج عملية هامة (5) بسبب تداخل الاعتبارات السياسية والاقتصادية وتعارض وتوافق المصالح بين الدول إذ قد تتوقف دولة المستثمر عن متابعة الدعوى القضائية أمام محكمة العدل الدولية، وقد تعقد اتفاق لإنهاء الدعوى وقبول تعويض معين.
كما أن التوسع في استعمال هذا المبدأ قد يتعارض مع مبدأ سيادة الدولة على الأشخاص الذين يمارسون نشاطاً في إقليمها، ويثير المخاوف من تسييس علاقات الاستثمار، وقد يرتب أزمة سياسية بين الدولة المضيفة للاستثمار ودولة المستثمر.
والجدير بالذكر أن الحكم الذي تصدره المحكمة له قوة إلزامية نسبية من جهة أطرافه ومن جهة موضوعه، فلا يكون للحكم وفق المادة 59 "قوة الإلزام إلا بالنسبة لمن صدر بينهم وفي خصوص النزاع الذي فصل فيه" ولا يقبل الطعن بالاستئناف ويرجع للقضاة مهمة تفسير كل نزاع يحصل في معناه أو في مدلوله (المادة 60).
ولئن كان الحكم لا يقبل الطعن بالطرق العادية فانه يقبل التماس إعادة النظر فيه وفق المادة 61 بشرط اكتشاف "واقعة حاسمة في الدعوى كان يجهلها عند صدور الحكم كل من المحكمة والطرف الذي يلتمس إعادة النظر" بقي أن نشير بان للمحكمة دوراً افتائياً فهي تفتي في أية مسالة قانونية بطلب من أية هيئة مرخص لها بميثاق الأمم المتحدة (المادة 65).
ثانياً: محكمة التحكيم الدائمة:
يرجع تاريخ هذه المحكمة إلى مؤتمر السلام الدولي في لاهاي سنة 1899 وإلى مؤتمر السلام الثاني الذي عقد في لاهاي سنة 1907 حيث تم تعديل بعض بنودها. لا ينظر لهذه المحكمة بالمعنى الفني الكلاسيكي الدقيق، لأنها تختص بالنظر في المنازعات بين الدول المتعاقدة دون غيرها.
وقد سبق لهذه المحكمة وأن وافقت على الاحتكام لقواعد التوفيق والتحكيم لتسوية المنازعات التي تقوم بين الدولة واحد أشخاص القانون الخاص وذلك عن طريق محكّمين يختارهم أطراف النزاع، وبذلك أصبح بإمكان المحكمة أن تفصل في المنازعات بين الدولة المضيفة للاستثمار والمستثمرين الأجانب، غير أن دورها يبقى محدوداً فلا يفسح مجالها إلا أمام المستثمر التي تكون دولته طرفا في اتفاقية 1907.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ انظر، فرحات الحرشاني، تقديم وسائل تسوية المنازعات أعمال ورشة عمل وطنية حول تسوية المنازعات في إطار اتفاقيات الاستثمار الثنائية، الأمم المتحدة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا.
2ـ عبد العزيز محمد سرحان، المبادئ العامة للقانون العام، القاهرة، دار النهضة العربية 1968، ص 418.
3 ـ عصام العطية القانون الدولي العام، دار الكتب للطباعة والنشر، بغداد ص 108.
4 ـ إبراهيم محمد العناني، اللجوء إلى التحكيم، دار الفكر العربي، القاهرة 1875، ص54.
5ـ فرحات الحرشاني، مرجع سابق.