القضاء الإقليمي: محكمة الاستثمار العربية أنموذجاً:
أنشئت محكمة الاستثمار العربية بموجب الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية عام 1980 وتختص بتسوية المنازعات المتعلقة بتطبيق أحكام الاتفاقيات الاستثمار في البلدان العربية. فما هو موقعها المحكمة في فض منازعات الاستثمار ؟ وما هي المبادئ التي يمكن استخلاصها من فقه قضاءها؟
1- موقع المحكمة في فض منازعات الاستثمار:
يندرج صنف هذه المحكمة ضمن القضاء الإقليمي المتخصص في مادة أنشئت الاستثمارات وهي بموجب الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية عام 1980، وهي التي تمثل هيكلاً قضائياً إقليمياً مختصاً- وقد وضع نظامها الأساسي من قبل الهيئة العربية للاستثمار عام 1985 وتم تشكيلها بموجب قرار المجلس الاقتصادي في سنة 1991. تتشكل المحكمة من خمسة قضاة أصليين وعدد من الاحتياطيين ينتمون إلى جنسيات عربية مختلفة، وهي تختص بتسوية المنازعات الناشئة عن تطبيق أحكام الاتفاقية الموحدة.
كما تنص بعض الاتفاقيات العربية على اللجوء إلى محكمة الاستثمار العربية قولاً بأنه تتم تسوية الخلافات المتعلقة بمختلف أوجه الاستثمار عن طريق التوفيق أو التحكيم أو القضاء المتخصص فى البلد المضيف للاستثمار أو اللجوء إلى محكمة الاستثمار العربية المشكلة وفق الفصل 6 من الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية التي وافق عليها المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي بقراره عدد 841 بتاريخ 1970 /9/10 .
تتمتع المحكمة بصلاحيات واسعة في مرحلتي الإجراءات الكتابية والشفاهية، ولكل طرف في الدعوى إبداء دفعاته شفاهياً أو كتابياً، وتجرى المرافعات في المبدأ عمومية إلا إذا رأت المحكمة خلاف ذلك بطلب من الأطراف أو أحدهم أو بدونه فإنها تكون سرية.
وبموجب هذه الاتفاقية يمكن للمستثمر العربي اللجوء إلى القضاء الوطني أو إلى هذه المحكمة دون إقامة الدعوى في نفس الوقت أمام كل منهما وذلك استنادا إلى المادة 31 من الاتفاقية الموحدة، وعليه إذا أقام الدعوى أمام جهة معينة فإنه لا يستطيع إقامتها أمام الجهة الأخرى.
تصدر أحكام هذه المحكمة نهائياً بأغلبية الأصوات وهي غير قابلة للطعن ولا تقبل إلا تصحيح الخطأ المادي في الحساب أو الأسماء ،أو طلب شرح يعتريه بعض الغموض، أو طلب التماس إعادة النظر في حالات مضبوطة، وتنفذ في الدول العربية الأعضاء في الاتفاقية ولها حكم الأحكام الصادرة من محاكمها الوطنية، إلا أنه استناداً على المادة 35 من الاتفاقية الموحدة فإن المحكمة تستطيع إعادة النظر في الأحكام التي تصدرها إذا ما تضمنت انتهاكاً جسيماً وخطيراً لقاعدة أساسية في الاتفاقية الموحدة أو لإجراءات التقاضي أو عند اكتشاف وقائع جديدة، ويمكنها وقف تنفيذ حكمها لحين البت في التماس إعادة النظر وذلك وفق المادة 60 من الاتفاقية الموحدة. أما فيما يتعلق بالطبيعة القانونية لاختصاص المحكمة فنلاحظ وفق المادة 36 من الاتفاقية الموحدة أنها تختص في جانب بالنظر كهيئة قضائية في المنازعات الاستثمارية الخاصة بتطبيق أحكام الاتفاقية، وتنص صراحة على اختصاص المحكمة بالفصل فيما يعرضه عليها أحد طرفي الاستثمار من النزاعات المتعلقة بتطبيق أحكام الاتفاقية أو الناتجة عنها، وفي جانب آخر فهي تقدم الاستشارات القانونية بناء على طلب إحدى الدول الأعضاء في الاتفاقية، أو بناء على طلب الأمين العام لجامعة الدول العربية، أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة. والمهم هنا أن المستثمر العربي يمكنه اللجوء مباشرة إلى هذه المحكمة وبصفته الشخصية لفض النزاع بينه وبين الدولة المضيفة للاستثمار وهو أمر يعتبره بعض الفقهاء في القانون تطوراً ملموساً في المجتمع العربي في حسم منازعات الاستثمار ومنح المستثمر العربي والاطمئنان وبالتالي تشجيعه في توظيف أمواله في أعمال استثمارية (1).
وقد تبين أن المحكمة لم تقدم الإضافات المرجوة في فض منازعات الاستثمار، فرغم إحداثها منذ سنة 1985 فإنها تعهدت بأول منازعة في سنة 2004 (2)، وهي حسب المعطيات المستخرجة من الموقع الالكتروني للجامعة العربية لم تفصل إلى حد شهر ابريل من سنة 2011 إلا عدد 9 قضايا تناولت فيها مسائل قانونية بشأن اختصاص المحكمة وبشأن مبدأ الحق في التقاضي وغيرها من المواضيع التي تؤكد أهمية دور القضاء في تفسير مضمون الاتفاقيات وكيفية تجسيمها وإنفاذها بصفة عملية.
ولكي تقوم بدورها بكل نخاعة وفاعلية لابد من توسيع اختصاصها لتنظر في مختلف منازعات الاستثمار التي يكون أحد أطرافها عربياً بقطع النظر إن كان مستثمراً خاصاً أو دولة أو إحدى مؤسساتها لان ذلك يخول المحكمة حسم النزاعات التي تطرأ بين مستثمر أجنبي ودولة عربية أو تلك التي تقوم بين مستثمر عربي ودولة أجنبية. وربما يكون من المستحسن أن تتضمن الاتفاقات الاستثمارية التي تبرم بين الدول العربية إسناد الاختصاص لحل المنازعات المتعلقة بالاستثمار إلى محكمة الاستثمار العربية وذلك لمزيد تفعيل دورها (3).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ انظر الدكتور كامران الصالحي، دور القضاء الدولي والاتفاقيات الدولية والإقليمية في تسوية المنازعات الاستثمارية، دراسة في إطار كلية القانون جامعة الإمارات العربية المتحدة.
2 ـ فرحات الحرشاني، المرجع المذكور.
3 ـ انظر الدكتور كامران الصالحي، مرجع سابق، ص112.