موقف القضاء من العاجز عن المعاشرة الزوجية في إثبات النسب
المؤلف:
احتفال ثامر احمد العنزي
المصدر:
اثر العجز عن المعاشرة الزوجية في مسائل الأحوال الشخصية
الجزء والصفحة:
ص 124-130
2026-07-15
17
أولاً - موقف القضاء العراقي:
من خلال اطلاعنا على العديد من قرارات محكمة التمييز العراقية، لم نجد قرارات قضائية مباشرة في مسألة إثبات النسب من العاجز عن المعاشرة الزوجية ولكن يمكن أن نلخص موقف القضاء العراقي في مسألة إثبات النسب عن طريق الفحص الطبي للجينات الوراثية سواء أكان الزوج سليماً أم عاجزاً عن المعاشرة الزوجية، من خلال عرض بعض القرارات القضائية، إذ إن الفحص الطبي غالباً ما تأخذ به محكمة التمييز عند التنازع بين طرفين في نسب المولود لإلحاقه بأحد الأطراف وهذا ما ذهبت إليه محكمة التمييز العراقية في حكم لها جاء فيه: [... تبين أن الصفات الوراثية للطفل (ز) لا تمت بأية صلة للصفات الوراثية العائدة للزوج (م) وزوجته المدعى عليها (ك) وأن الصفات الوراثية للطفل المذكور تشابه الصفات الوراثية العائدة للزوج (ن) وزوجته المدعية (س) وأن الطفل زاي لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال أبناً للزوجين ميم وكاف فيتعين القضاء باعتبار الطفل زاي أبناً للمدعية سين وزوجها نون وتسليمه إليها ومنع معارضة المدعي عليها لها في ذلك ](1)، ويؤخذ بنتيجة الفحص الطبي لإثبات النسب في حال تطابق العوامل الوراثية إذ جاء في أحد القرارات القضائية أنه: (إذا كانت العوامل الوراثية للمدعي متطابقة مع المطالبة بإلحاق نسبه إليه وبتقرير رسمي من الطبابة العدلية، فعلى المحكمة الحكم بصحة النسب)(2).
وفي قرار قضائي آخر، إذ ادعت مطلقته أن لها أبنة تدعى ... كانت قد أستولدتها من فراش الزوجية منه واتضح أنه عقيم ولا يمكن أن ينجب أي طفل ... لذا طلب الفحص الطبي لغرض تطابق الأنسجة... فضلاً عن ذلك أن قضاء محكمة التمييز الاتحادية قد استقرت في العديد من قراراتها ... بالنص: "لا يصح نفي نسب الطفل ما لم يعرف أبواه بغية إلحاقه بهما"، أما الفحص الطبي فهو قرينه وليس بدليل يبنى عليه الحكم وهو خبرة تقدم للمحاكم واستشارية غير ملزمة للمحكمة على أن تسبب عدم الأخذ بها .... لذا فإن هذه القرينة إن لم يتبعها اعتراف فلا يبنى عليها الحكم ما دامت الزوجية قائمة فلا يصار إلى الفحص الطبي... عليه ولما تقدم قرر الحكم برد دعوى المدعي (3).
يتضح من هذا القرار أن الزوج عقيم وأثبت الفحص الطبي تعاكس الجينات الوراثية بين المدعي والطفلة ورغم ذلك لم تقض المحكمة بنفي النسب للأسباب الآتية:
1- تحقق شروط إثبات النسب بالفراش.
2- إقرار المدعي بنسب الطفلة في السجلات المدنية.
3- إن الفحص الطبي قرينة قانونية غير ملزمة للمحكمة.
4 - يشترط لنفي النسب من شخص إلحاقه بآخر.
5- حرص الشرع الحنيف على إثبات النسب ولو بأدنى دليل حفاظاً على الولد.
وفيما يخص نسب العاجز عن المعاشرة الزوجية وفقاً لهذا القرار، فإنه يثبت بتحقق شروط الفراش ؛ لأن إثباته من العقيم الذي لا ينجب يجعل إثباته من العاجز الذي يحتمل منه الإنجاب من باب أولى.
كذلك يتضح من قرار أخر، أن الجينات الوراثية تتعاكس بين الولد والزوج كما أن الزوجة أتت به بعد أكثر من ثلاثة عشر شهر وأكدت الطبيبة المختصة أن مثل هذه المدة للحمل لا يمكن أن تحدث ورغم ذلك فإن محكمة التمييز لم تنفي نسب الولد عن الزوج وبررت حكمها بما يلي:
1- إن الزوج أقر ببنوة المولود من خلال قبول تسجيله في السجل المدني.
2- إن مدة الحمل عند جمهور الفقهاء يمكن أن تكون سنتين فاقل من تاريخ الفرقة.
3- أما التقارير الطبية وما توصل إليه العلم فإن ذلك مبني على الظن المرجح وإن قواعد الفقه الشرعي ملزمة حتى لو خالفت تلك القرائن الطبية.
4- إن قواعد الفقه الشرعي تثبت النسب بقيام الزوجية ومضي اقصى مدة الحمل وهي متحققة.
5- إن القاعدة الشرعية التي تنفي نسب المولود فيها هي طلب الزوج اللعان من زوجته والزوج لم يستعمل.
6- إن قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المنافع تستوجب إثبات النسب للولد (4) .
وفيما يتعلق بالعاجز عن المعاشرة فإن النسب ثابت منه ؛ لأن القضاء لم يأخذ بنتيجة الفحص الطبي وإنما أخذ بالقواعد الفقهية وآراء الفقه الإسلامي وأقوال الفقهاء التي تثبت النسب من العاجز عن المعاشرة الزوجية كما رأينا سابقاً إذا كانا على المذهب السني.
كما نود أن نشير إلى أن الفحص الطبي غالباً ما تأخذ به محكمة التمييز عند التنازع بين طرفين في نسب المولود الإلحاقه بأحد الأطراف، بشرط أن لا يناقض التنازع في إثبات النسب القواعد العامة في إثباته وهي الإقرار والفراش، إذ جاء في اجد القرارات لمحكمة التمييز الاتحادية (... أن تقرير البصمة الوراثية يعتبر قرينة فنية لا ترقى إلى مستوى الدليل حيث للقاضي أن يستفيد من وسائل التقدم العلمي في استنباط القرائن القضائية عملاً بأحكام المادة (104) من قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 المعدل وحسب ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز الاتحادية ومنها القرار المرقم 8/ الهيئة العامة / 2018 في 2018/4/29 وبالتالي فإن أدلة إثبات النسب المعتبرة المنصوص عليها في قانون الإثبات ولا موجب يدعو لإجراء فحص البصمة الوراثية وهي قرينة لا يبنى عليها الحكم في مقابل الدليل حيث إن الإقرار حجة قاصرة على المقر ولا يجوز الرجوع عن الإقرار عملاً بأحكام المادتين (67) و (68) ثانياً) من قانون الإثبات ولا يمكن أن يكون فحص البصمة الوراثية بديلاً عن الإقرار وأن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب إثباتاً أو نفياً لا بد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية وتقديم النصوص الشرعية على البصمة الوراثية ولا يجوز شرعاً الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب حسب قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي ولكل ما تقدم شرحه وفق المنوال المتقدم لذا تكون دعوى المدعي (و . س . ع) فاقدة لسندها القانوني وحرية بالرد وهذا ما أنتهى إليه الحكم المميز وجاء تطبيقاً سليماً لأحكام القانون لذا قرر تصديق الحكم المميز ورد الطعن) (5) .
كما يؤخذ بنتيجة الفحص الطبي لأثبات النسب في حال تطابق العوامل الوراثية، إذ جاء في قرار آخر ذهبت محكمة التمييز إلى: (... إن المميزين يطالبان إثبات نسبهما إلى المميز عليهما باعتبارهما والديهما وحيث أنهما أحياء لذا كان المقتضى إكمال المحكمة لتحقيقاتها بأرسال ذوي العلاقة إلى معهد الطب العدلي لإجراء فحص تطابق الأنسجة أو (دي. إن. أي) لبيان فيما إذا كان المميزان من صلب المميز عليهما وعلى ضوء النتيجة أصدر القرار الذي تراه موافقاً للشرع والقانون وقد استقر قضاء محكمة التمييز الاتحادية على ذلك بقرارها الصادر بتاريخ 2011/5/29 و بعدد (159 الهيئة العامة 2010 ، وذهبت محكمة التمييز بقرارها 200 هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية / 2012 في 2012/2/21 إلى: (... كان المقتضى إجراء التحقيقات اللازمة والاستفادة من وسائل التقدم العلمي وإرسال طرفي الدعوى لغرض إجراء الفحوصات الطبية (DNA) وفي ضوء نتيجة ذلك أصدر حكم موافق للشرع والقانون...)(6).
وإذا كان الزوج عاجزاً عن المعاشرة الزوجية واختصم مع آخر لإثبات النسب فللقاضي اللجوء إلى فحص الجينات الوراثية لمعرفة نسبه من العاجز من عدمه بشرط عدم مخالفة القواعد الشرعية لإثبات النسب، كما يؤخذ بنتيجة الفحص إذا طالب العاجز أو الولد أو كل ذي مصلحة بالفحص لإثبات نسب الولد منه وتطابقت الجينات الوراثية.
وفي قرار آخر: ( ادعى المدعي لدى محكمة الأحوال الشخصية أن المدعى عليها زوجته وأنه تزوج لخمس زوجات ولم ينجب طفل، وذلك للضعف الجنسي، وقد ادعت أن لديها طفل يدعى (علي) عليه طلب دعوتها ونفي الطفل منه أصدرت المحكمة حكماً حضورياً يقضي برد الدعوى، ولعدم قناعة المدعي بالقرار المذكور فقد ميزه طالباً نقضه.
القرار: ( لدى عطف النظر على الحكم المميز فقد وجد أنه صحيح وموافق للشرع والقانون ذلك؛ لأن العلاقة الزوجية بين المدعي والمدعى عليها قائمة وأن التقرير الطبي الصادر من معهد الطب العدلي قد تضمن بأن فحص فصائل الدم والبصمة الوراثية لطرفي الدعوى والطفل (علي) لم تنف بنوته منهما) (7).
كما ذهب القضاء العراقي إلى الأخذ بنتيجة الفحص الطبي بنفي نسب المولود إذا كان إثبات النسب في القواعد العامة فيه شبهة الحصول على الميراث، إذ جاء في ملخص أحد القرارات القضائية: ( الحكم بنفي نسب المدعى عليهن جاء تعويلاً على التقرير الطبي العدلي الذي ثبت فيه عدم تطابق البصمة الوراثية للمدعى عليهن مع المتوفاة)(8).
ثانياً - موقف القضاء السعودي:
قدم القضاء السعودي وسيلة إثبات النسب بالفراش والإقرار على فحص البصمة الوراثية إذا تحققت شروط إثبات النسب بالفراش فلا يأخذ بالبصمة الوراثية في إثبات النسب وهو ما قضت به المحكمة العامة بجدة، إذ جاء في حيثيات القرار وبناء على إقرار المدعى عليه باختلائه عدة مرات بالمرأة وإقراره بأنها ولدت وهي على فراشه وأنجبت الطفلة... و ... وقد أجمع أهل العلم على ثبوت النسب والحاقه بصاحب الفراش لقوله (صلى الله عليه واله وسلم )( الولد للفراش وللعاهر الحجر؛ لأن الشارع تشوف إلى اتصال الأنساب وعدم انقطاعها حيث قرر الفقهاء انه لا يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها في نفي النسب فقد صدرت الحكم بثبوت نسب الطفل من المدعى عليه)(9).
ثالثاً - موقف القضاء الأردني:
وعند بحثنا في القرارات القضائية في المحاكم الأردنية فيما يخص النسب وجدنا ما يلي :-
- الولد للفراش وإقرار المرأة بأن الولد من غير زوجها لا يقطع نسبه من فراشه ولا يلحق بمن عاشرها معاشرة محرمة وبما أن النسب فيه حق الله تعالى فعلى المحكمة إجراء المقتضى بالوجه الشرعي لإلحاق نسب الصغير بمن ينسب إليه شرعاً (10).
- وفي قرار آخر رفعت المحكمة الابتدائية بموجب المادة (138) من قانون أصول المحاكمات الشرعية حكمها بثبوت نسب الصغير المولود في 1988/4/15 وإلحاقاً بالمتداعين المدعي والمدعى عليها وأنه ابن المدعي من المدعى عليها بناءً على الإقرار والبينة الخطية المبرزة وعملاً بالمواد المذكورة في الحكم، ولدى التدقيق تبين أنه سبق لهذه المحكمة الاستئنافية أن فسخت بقرارها رقم 29311 تاریخ 1988/9/29 حكم المحكمة الابتدائية الصادر بتاريخ 1988/8/25، إذ لم تحقق المحكمة الابتدائية فيما ورد في وثيقة عقد نكاح الطرفين من أن المدعي عليها مطلقة بائنة بعد الدخول والخلوة، ومن هو المطلق لها، وتأريخ طلاقها، وبعد أن سارت المحكمة الابتدائية في الدعوى مجدداً أصدرت حكمها المشار إليه وتبين أن الصغير قد ولد بتاريخ 4/15/ 1988 على فراش الزوجية الصحيح القائمة بين المدعى عليها وزوجها المدعو ... قبل أن يجري الطلاق بينهما بتاريخ 1988/4/28 بعد ولادة الصغير المذكور، إذ إن الولد للفراش، وإقرار المرأة بأن الولد من غير زوجها لا يقطع نسبه من فراشه، ولا يلحقه بمن عاشرها معاشرة محرمة، فقد كان الحكم بثبوت الصغير المولود في 1988/4/15 للمتداعيين قبل عقد النكاح بينهما بتاريخ 1988/7/28 وأنه أبن المدعي من المدعي عليها على الوجه المذكور في الحكم غير صحيح ومخالفاً للوجه الشرعي فتقرر فسخه ولتوفر أسباب الحكم فإن هذه المحكمة الاستئنافية تحكم برد دعوى المدعي وبما أن النسب فيه حق الله تعالى فإن على المحكمة الابتدائية إجراء المقتضى بوجه شرعي لإلحاق النسب الصغير لمن ينسب إليه شرعاً (11).
____________
1- رقم القرار 248/ موسعة أولى / 86-87 بتاريخ 87/3/31، إبراهيم المشاهدي، المبادئ القانونية في قضاء محكمة التمييز، مطبعة أسعد، بغداد، 1989 ، ص 261.
2- رقم القرار بالعدد 124 / هيئة عامة / 2008 في ،2009/2/10 ، النشرة القضائية، مجلس القضاء الأعلى، العدد الثاني عشر، لسنة 2010؛ في قرار صادر من محكمة التمييز الاتحادية (وجد أنه غير صحيح ومخالف لأحكام الشرع والقانون، إذ كان على المحكمة اتباع ما جاء في التقرير الطبي العدلي... لغرض إجراء الفحص بغية التأكد من نسب الطفلين ( س ص وإذ إن المحكمة قضت بأثبات النسب خلاقاً لما تقدم الأمر الذي أخل بصحة حكمها )، رقم القرار 202/115 الموافق 2025/5/11، (غير منشور)، كذلك عند البحث في القرارات القضائية في محكمة الأحوال الشخصية عثرنا على دعوى إثبات نسب لم يتم الفصل فيها إلا بعد ورود التقرير الطبي لفحص (DNA) من بغداد وكانت الدعوى مؤجلة منذ أربعة أشهر.
3- ربيع محمد الزهاوي، النادر والمهم في قضاء محاكم الأحوال الشخصية، بدون طبعة، مكتبة السنهوري، لبنان بيروت، 2017، ص718-721.
4- ربيع محمد الزهاوي، النادر والمهم في قضاء محاكم الأحوال الشخصية، مصدر سابق، ص709-713.
5- القرار الصادر من محكمة التمييز الاتحادية، رقم القرار 277 / الهيئة الموسعة المدنية /2003، تاريخ إصدار القرار 2023/8/21، قاعدة التشريعات العراقية.
6- بقرارها 5937 الهيئة الشخصية الأولى 2011 في 2011/12/13 وجاء في أحد القرارات القضائية أنه: إذا كانت العوامل الوراثية للمد. رعي . متطابقة مع المطالبة بالحاق نسبه إليه وبتقرير رسمي من الطبابة العدلية فعلى المحكمة الحكم بصحة النسب، رقم القرار بالعدد 124 / هيئة عامة / 2008 في 009/2/10 200، النشرة القضائية، مجلس القضاء الأعلى، العدد الثاني عشر، لسنة 2010.
7- القرار 1585/ الهيئة الشخصية الأولى / 2010 في 2010/7/18 ، مشار إليه عند فوزي كاظم المياحي، صديق المحامي في دعاوى الأحوال الشخصية، دار الكتب والوثائق بغداد 2011 ، ص 350.
8- قرار محكمة التمييز الاتحادية 7051/ هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية /2016 في 11/13/ 2016، مشار إليه عند قاسم فخري الربيعي، مبادئ محكمة التمييز الاتحادية، ج 5، ط1، مطبعة الكتاب، بغداد، 2022م، ص197.
9- رقم قرار التصديق من محكمة الاستئناف، 34201156 :تاریخه 1434/4/29هـ، مجموعة الأحكام القضائية، المجلد الحادي عشر، مركز البحوث في وزارة العدل المملكة العربية السعودية الرياض، 1436هـ، ص 125 .
10- أحمد محمد علي داؤد، القضايا والأحكام في المحاكم الشرعية، ج 2، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2009م، ص 64.
12- قرار رقم 29573 بتاريخ 1988/12/15 ، مشار إليه عند أحمد محمد علي داؤد، القضايا والأحكام في المحاكم الشرعية، ج 2، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2009 ، ص 69.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون الاحوال الشخصية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة