0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين

اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة

العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات

الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور

العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون

احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام

مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة

التاريخ الاسلامي

السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام

الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان

علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)

الدولة الاموية

الدولة الاموية *

الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد

الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية

الدولة العباسية

الدولة العباسية *

خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل

خلفاء بني العباس المرحلة الثانية

عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله

عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله

عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية

التاريخ الحديث والمعاصر

التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا

تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر

تاريخ حضارات شرق اسيا

تاريح الحضارة الصينية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

سجل جاو الثالث (لمَّا قامت دولة تشين بحصار العاصمة)

المؤلف:  ليو شيانغ

المصدر:  سياسات الدول المتحاربة

الجزء والصفحة:  ص 418 ــ 424

2026-07-04

39

+

-

20

قامت قوات دولة تشين بحصار «هاندان» عاصمة دولة جاو، فأرسل الملك «آنشي» (حاكم دولة وي)، قائد الجيش «جين بي» على رأس قوة عسكرية لإنقاذ دولة جاو، إلا أن القائد المذكور لم يكد يصل إلى منطقة «طانين» [على الحدود بين وي، وجاو] حتى رابط هناك بقواته وقد أحجم عن التقدُّم قيد أنملة، لما كان يخشاه من قوة وصوْلة قوات تشين، فأسرع حاكم وي بإيفاد أحد القادة الأجانب المُقيمين في بلده، ويدعى «شين يوانيان» الذي انتهز فرصة تهاون القوات القائمة على حصار المدينة، وتسلل من إحدى الثغرات إلى داخل هاندان واستطاع أن يلتقي بالملك شياوشين حاكم جاو، عن طريق الترتيبات التي وضعها له بينيوان، فلما قابل ملك جاو، قال له: إن السبب في محاولة ملك تشين القيام بحصار بلادكم بهذه السرعة يكمن في أن ملوك كلٍّ من تشين وتشي [تحديدًا: الملك تشاو حاكم تشي والملك «مين» حاكم تشي] كانوا يتنافسون على الفوز باللقب الإمبراطوري، فلما صرف ملك تشي النظر عن هذا الموضوع حذا ملك تشين حذوه وأسقط من اعتباره مسألة اللقب بالاسم الإمبراطوري هو الآخر، غير أن دولة تشي راحت تضعف مع الأيام حتى وصلت الآن، إلى أضعف حالاتها، ولم يعد يحتفظ بالقوة سوى دولة تشين التي تسعى الآن لفرض سيادتها فوق الممالك. والجدير بالملاحظة الآن، أن تحركات تشين لا تهدف — في حقيقتها — إلى ضرب هاندان بحد ذاتها وإنما تتطلع إلى تحقيق السيادة المطلقة بصفتها إمبراطورية عظمى، فإذا أوفدت دولة جاو مبعوثًا إلى تشين لتُعرب له عن عظيم تقديرها واحترامها لجلالته، فسيقع هذا التصرُّف موقعًا طيبًا من نفسه، وسيبادر على الفور، إلى فك الحصار المضروب حول العاصمة هاندان.» غير أن بينيوان، بعد أن سمع هذا الكلام، تردَّدت الحيرة في قلبه ولم يتَّخذ أي قرار حاسم (بشأن هذا الموضوع).

وتصادف أن كان العالم المشهور «لوجونليان» [أحد كبار علماء دولة تشي، ممن اشتهروا بنشاطهم في الأعمال الخيرية والإنسانية] يجوب دولة جاو في رحلة يطوف فيها بأرجاء البلاد فإذا به يشهد بنفسه قوات تشين وهي تضرب الحصار حول العاصمة هاندان، وبلغه مسعى دولة تشي في حث دولة جاو على إظهار دلالات التعظيم لدولة تشين والتصرف إزاءها بوصفها إمبراطورية كبرى، فذهب من فوره للقاء بينيوان، وقال له: «كيف ستتصرف في هذا الشأن وما هي ترتيباتك التي أعددتها لتنفيذ ما عزمتم عليه (من تضخيم دور ومكانة تشين)؟» فأجابه بينيوان: «لا أدري كيف ستواتيني الشجاعة على مناقشة هذا الموضوع وقد حضر ما ترى من المقتلة العظيمة التي أطاحت بالقوات المحاربة في ساحات القتال، بل قد ولغ ملك تشين في أرضنا وعاث فيها وحاصر مدينة هاندان، دون أن نملك القدرة على رد اعتدائه وإجباره على سحب قواته، فمن ثم أرسلت دولة وي إلينا القائد العسكري شين يوانيان يحثنا على التسليم بسيادة ونفوذ تشين، ومخاطبة حاكمها باللقب الإمبراطوري، وما زال المبعوث مقيمًا عندنا حتى اللحظة، لكني أؤكد لك بأني لا أدري كيف أفتح النقاش في هذا الأمر؟» وقال لوجونليان: «كنت أعتبرك أحكم رجل في الممالك وأنبل كريم فوق الأرض، لكني أدركت اليوم أنك لست كذلك، وكم أود أن تُخبرني بالمكان الذي يقيم فيه ضيف «ليانغ» [يقصد القائد المرسل من طرف «ليانغ» أي: دولة وي وكانت سميت بهذا الاسم إذ اتخذت عاصمتها «ليانغ» حاضرة الدولة القديمة، عاصمة كبرى لبلاطها الحاكم، وحيثما يرد اسم «ليانغ» فيقصد به دولة وي دائمًا!] فأريد، بعد إذنك، أن ألتقي به لأُلقنه درسًا لا ينساه، ثم آمُره بالعودة من حيث أتى.» فقال له بينيوان: «دعني، إذن، آتيك به ها هنا.» فلما ذهب بينيوان وقابل شين يوانيان، ابتدره بقوله: «قد حل علينا الآن ضيف من دولة تشي، يُدعى لوجنليان، فاسمح لي بدعوته للقاء سيادتك.» فقال شين يوانيان: «أعرف أن لوجونليان هذا من أعظم الناس خلقًا وسجايا في دولة تشي قاطبة، أما بالنسبة لي، فلست إلا ضيفًا لدى سيدي حاكم البلاد، ولم أحضر إليكم إلا مبعوثًا من قبله في مهمة عُهد إليَّ بأدائها، ولا أريد أن ألتقي بهذا اﻟ «لوجونليان».» فرد عليه بينيوان قائلًا: «لكني حدثته بما كان من أمر مُهمتك وأطلعته على التفاصيل.» وعندئذٍ وافق شين يوانيان على عقد اللقاء.

فلمَّا التقى لوجونليان مع شين يوانيان، ظل صامتًا دون أن يفتح فمه بكلمة، فبادره شين يوانيان، بقوله: «لاحظت أن المُحاصرين داخل المدينة يرفعون طلباتهم وتوسُّلاتهم إلى الأمير بينيوان، لكني إذ أتطلع إليك وأتفحَّص ملامح وجهك جيدًا، يبدو لي أنك عازف عن أن ترجوه أو أن تطلب منه إنجاز وعدٍ ما، أو قضاء أمر يشغلك، ففيمَ بقاؤك طوال هذه المدة داخل العاصمة المحاصرة دون أن ترحل عنها (كما فعل الكثيرون)؟» فأجابه لوجونليان: «قد أخطأ الذين ظنوا أن النُّسَّاك والزُّهَّاد الذين تركوا العيش ولجئوا إلى الحياة المُتقشفة مجرد مجموعة من المُنتحرين، فالواقع أن الكثيرين لا يفهمون تمامًا سِر مسلك أولئك الزُّهَّاد؛ إذ يظنون بأنهم يقتلون أنفسهم لأسبابٍ شخصية تتعلق بظروفهم الذاتية. وانظر إلى دولة تشين، مثلًا فهي قد تخلَّت عن قواعد الأخلاق والآداب داعية إلى القتل وسفك الدماء، بين الدويلات، وتجند الجنود وتُعبئ الجيوش بأساليب أقرب إلى الغش والخداع، بل تحكم شعبها وتسوس أمره بوصفه كتلة من الأسرى والعبيد، وهي إذ تبغي التسلط فوق الأمم بدعوى الحلم الإمبراطوري وتأسيس دولة كبرى، بكل وحشية، دون أدنى وازع من أخلاق أو ضمير، في محاولة لفرض أحكامها الجائرة فوق كل الدول، فلست أملك — أنا نفسي — إلا أن أُلقي بنفسي في البحر منتحرًا؛ وذلك لأني لن أتحمل أن أكون واحدًا من رعايا تلك الدولة، أما الهدف الأساسي من لقائي بك اليوم فهو انتهاز الفرصة للعمل على مساندة دولة جاو.» فقال له مُحدِّثه: «لكن، قل لي، كيف يمكن أن تساندها؟» فأجابه: «أفكر في أن أحث دولتي وي ويان على تقديم العون لها، أما تشو، وتشي فقد سبق أن قدَّمتا لها المساعدة فيما سبق.» فقال له شين يوانيان: «أما دولة يان فقد استجابت لدعوة دولة وي إيَّاها تعظيم دور دولة تشين والإقرار لها بمكانة الدولة الإمبراطورية، وبالنسبة لدولة وي، فأنا واحد من أهلها، فقل لي كيف يمكن لدولة وي أن تساعد جاو؟» فأجابه لوجونليان قائلًا: «ربما كان الواقع يشهد بأن دولة وي نفسها ما زالت لم تنتبه بالقدر الكافي لخطورة تعاظم دور ومكانة دولة تشين، فإذا استطعنا أن نُبرز له وجه الخطر في ذلك، فستقدم بالتأكيد على مساندة جاو.» فجادله شین یوانیان قائلًا: «لكن هلَّا أخبرتني بالخطورة الكامنة في تلقُّب ملك تشين باللقب الإمبراطوري؟» فأجابه: «حدث فيما مضى (من وقائع التاريخ القديم) أن سار الملك وي حاكم تشي، في بلاده بالعدل والرحمة، بل قاد أمراء الممالك والدويلات جميعًا، وذهب بهم لمقابلة ملك جو، وكانت بلاده، وقتذاك ضعيفة الشأن، تُعاني الفقر والحرمان فلم يعبأ أحد من الأمراء بزيارة الحاكم فيها، سوى حاكم تشي، هو الوحيد الذي وصل متأخرًا، مما أحنق عليه الأمير «شيان» حاكم جو الجديد، الذي راح ينعي الملك للضيف القادم متأخرًا، بقوله … «قد كانت وفاة جلالته حدثًا وفجيعة ومصيبة نكباء، دونها زلزلة الأرض وانهيار السماء، حتى إننا، ونحن الحاكم الجديد فوق البلاد قد عز علينا (النهوض إلى أعباء العمل) فظللنا إلى جوار جثمان الفقيد المُسجَّى في تابوته فوق حشيش الأرض، بينما يتهادى بطيئًا ركب أمير دويلتنا التابعة في الشرق حتى وصلنا متأخرًا عن موعده ومخالفًا ميعاده، فليس أقل من الإطاحة برأس المتأخِّر عن جمع الناس.» فغضب ملك تشي وأخذته العزة، وصاح فيه مزمجرًا: «خسئتَ … فإنما أنت عبد من نسل العبيد!» وانتهى أمر ملك تشي إلى أن صار هزأة بين القوم فسخروا منه بعد أن عابوا عليه سبه وقذفه للملك الراحل، بعد أن كان أول وأكبر الحافظين لمكانته إبان حياته، هذا على الرغم من أنه ما كان ليقدم على تلك الإساءة لولا ما أبداه له الأمير شيان من الغلظة والشطط. وبعد، فلا عجب أن يسلك الأمراء على نمط ومثال الأمير شيان.»

وهنالك قال له شين يونانيان: «أرأيت ما كان من أمر ابن العبيد إذن؟ أرأيت وهم يتخذونه زعيمًا لهم وهم فوق العشرة من الأمراء يقبضون على مصاير الحكم ومراكز القوة التي لم يكن لدَيه، وقتئذٍ ما يُدانيها، أرأيت هل كانوا يعجزون عن معاداته؟ أو هل كانوا أقل منه دهاءً وحكمة؟ كلَّا، بل كانوا يرهبونه ويخشون بأسه.» فقال له لوجونليان: «فهل توافقني، إذا جاريتك في هذا الطرح، بأن نعتبر دولة تشين تُشبه دولة وي فيما صار سمةً وعلامة عليها من أخلاق وطابع العبيد؟» فرد عليه شين يونانيان بالإيجاب والموافقة على هذا الاستنتاج. فعاد لوجونليان يقول له: «فما دام الأمر كذلك، فسوف أجعل ملك تشين يدق عظام ملك تشي ويقطع أشلاءه إربًا، ويطرحها في القِدر فيطبخ منها وليمةً هنيئة للطاعِمين.» فغضب شين يونانيان، واكفهر وجهه وهو يقول في دهشة مُمتزجة بالغضب «أحقًا هكذا … قد بلغت الأمور شأوًا بعيدًا … فقل لي، إذن، أيها السيد … ما الطريقة التي سيستخدمها ملك تشين في تقطيع أوصال حاكم وي حتى ينضج لحمه وعظامه للآكلين؟»

فأجابه لوجونليان بقوله: «أما الطريقة فسأخبرك بها، فانتظر حتى أخبرك بهذا لاحقًا، لكن دعني أقص عليك شيئًا مهمًّا أولًا، فقد كان لإمبراطور تشو (آل شانغ) فيما مضى من الزمان ثلاثة من أعظم النبلاء (أعظم الرجال!) وهم: قويهو، وإيهو، والملك أون. وكان للقون قويهو ابنة رائعة الجمال، فأهداها إلى الإمبراطور تشو آل شانغ [آخر الحُكام في أسرة شانغ الملكية وكان ظالمًا غشومًا] فلم ير جلالته أية لمحةٍ من الجمال واعتبرها دميمة، وقبيحة المنظر (وغضب على أبيها) قويهو فغافلَه وقتله وقطع أشلاءه وطبخها في قدرٍ كبير للطعام، فسارع إيهو إلى التنديد به، وحمِيَ بينهما وطيس الجدال واللجاجة، فظلَّ به (الطاغية الغشوم تشو) حتى قتلَه هو الآخر، واتَّخذ من لحم جسده شرائح مُجففة [طريقة إعدام قديمة]، فلما سمع الملك أون بما وقع للرجُلَين، تنهَّد عميقًا وأطرق آسفًا (وهو التصرُّف الذي أغضب منه الإمبراطور) فأمر به فأُودع في أحد سجون منطقة «يوالي» مدة مائة يوم كاملة، وخطر للإمبراطور أن يتخلَّص منه بالقتل كسابقَيه.

وثارت الدهشة في النفوس، كيف يبدأ الأمر بأن يعترف لجلالته بالمكانة وفخامة العرش وأبهة الملك بوصفه إمبراطورًا متوجًا، ثم تأتي النهاية مأساوية مفجعة حيث ساحات الإعدام وتقطيع الأوصال؟ وقام الملك «مين» حاكم تشي وقصد الذهاب إلى دولة «لو» فتبعه رجل من أرض «هيويه» يقود عربة، تجرها الخيل وهو يحثها بالسوط اللاهب، وراح يتحدث إلى الرجل الذي من دولة لو، قائلًا: «على أي نحوٍ من الآداب وقواعد الأخلاق واللياقة ستُكرم وفادة حضرة مولانا الملك حاكم البلاد؟»، فأجابه: «نكرم وفادة جلالته بعشر بقراتٍ ومثلهن من الضأن والخنزير.» وعاد السائل يسأل: «من أي موطن انتقيتَ تلك الآداب في الحفاوة بمقدم مليكنا؟ إن مولانا الملك هو الإمبراطور الأعظم ابن السماء، فانظر إذا جاء ابن السماء [الإمبراطور] ليتفقَّد أحوال الممالك والدويلات، فإن الواجب يقضي حينئذٍ بأن يخرج الأمراء من قصورهم، ويسلموا إليه مفاتيح أبوابهم، ويلتزموا بإبداء مظاهر الاحترام والتبجيل، ثم يبسطوا له ولائم الطعام، ويبقوا إلى جواره، حتى إذا فرغ من الأكل عادوا إلى مزاولة مهام وظائفهم.»

وكان أن أغلق أهل دولة لو باب بلدهم دونه وأحكموا قفل الرتاج، فلم يتيسَّر للملك «مين» العبور إلى عاصمة دولة لو، فأراد الذهاب إلى دولة «شيوي» ومنها إلى دولة «تسو»، فيسلك عبر أراضيها إلى غاية رحلته، وفي تلك الأثناء، تردَّدت الأنباء، فجأة، بموت ملك تسو، وطرأت للملك مين فكرة أن يدخل البلاد للتعزية في وفاة الراحل الكريم، وذهب أيهو إلى أمير البلاد، وقال له: «قد جاءكم ملك (عظيم المهابة) يُريد أن يقدم مواساته وتعازيه، وأرى أنه من اللائق أن تقوموا بوضع تابوت المتوفَّى في اتجاهٍ معاكس لمنصة التعازي؛ بحيث تنقلون التابوت إلى الجهة الشمالية من القصر، حتى يتمكن الزائر العظيم من إلقاء خطبة التعازي وهو مُتجه بوجهه صوب الجنوب [كما يليق بالأباطرة العظام، الذين يتَّخذون من الجنوب وجهةً مقدسة دائمًا]، وأجابه وزراء دولة تسو، في وقتٍ واحد قائلين: «بل لو حدث شيء من ذلك، فسيكون لزامًا علينا أن نقتل أنفسنا بسيوفنا (إذ إن ما تطلبه أمر تأباه نفوسنا).»

وهكذا عدل الملك مين عن فكرة دخول دولة تسو. والمُلفت في الأمر كله أن أولئك الوزراء لم يكونوا خير مُعين لسادتهم، وهم أحياء يتسنمون عرش الحكم، ولا كانوا مُقيمين للشعائر الجنائزية (التقليدية) على روح أمرائهم، بعد إذ أدركهم الموت [حرفيًّا: ولا كانوا ممن يضعون في أفواه المتوفِّين من الملوك حفنةً من الأرز وقطعة من الذهب … كما جرت بذلك عادات دفن الموتى قديمًا]، بل إنهم لم يتحمَّلوا أن يُرغمهم الملك مين على اتِّباع قواعد الآداب المُقررة في خدمة الملوك.

وإذ نتأمَّل الوضع اليوم، نجد أن … دولة تشين واحدة من الممالك الكبرى التي تملك العدد الوافر من العدة والعتاد [حرفيًّا: عشرة آلاف عربة عسكرية]. كما أن دولة وي هي الأخرى، لا تقلُّ عنها قوة؛ فهي تملك عشرة آلاف عربة مقاتلة، فكلاهما يملك نفس المقدار والمكانة ويقوم فوق عرشيهما ملوك ذوو ألقاب جليلة ومكانة معلومة، فإذا وقع في ظنك أن تدعو الدويلات إلى الخضوع لسلطان ونفوذ تشين، لمجرد أنها انتصرت في حرب، فاعلم أنك بذلك تطلُب إلى وزراء ومسئولي الدول الثلاث (سانجين) أن يمرِّغوا أنوفهم في حضيض المذلَّة، في دركات لا يتدنَّى إليها عبيد وجواري وبغايا دولتي تسو ولو. ليس هذا فقط، بل إنه إذا لم تؤخَذ تدابير سريعة للحيلولة دون بلوغ ملك تشين مرتبة القوة التي تُمكِّنه من التسمِّي باللقب الإمبراطوري، فسوف يعمل على استبدال الوزراء المُتنفذين، وسوف ينتزع السلطة ممن يرى أنهم غير جديرين بمناصبهم، فيمنحها لمن يعتبرهم أحق وأولى، بحكم ما امتازوا به من الجدارة، وسيغتصِب النفوذ ممَّن يُبغضهم، ويتكرَّم به على من يُحبهم أو يميل إلى تفضيلهم، وسيجعل من بناته ووصيفات قصره عبيدًا ومحظياتٍ (لرجال الحكم في بلاط) دولة وي، وسيبثُّهم داخل القصر الحاكم هناك، عيونًا تستطلع، وألسنة تُثرثر بالنمائم، فكيف لملك وي أن ينعم بالهدوء والاستقرار والسعادة؟ وأنَّى لك، سيدي القائد المغوار، أن تنعم بما كنتَ ترفل فيه بالأمس من رفيع الدرجة وبالِغ التكريم؟»

ثم إن شين يوانيان قام واقفًا وانحنى مُعتذرًا ﻟ لوجونليان قائلًا له: «كنت أظنك، في أول الأمر مجرد شخصٍ عادي مثل باقي الناس، لكني أدركتُ الساعة، بأنك ذو كياسة وحكمة، وأرجو السماح لي بالرحيل؛ فما عدتُ قادرًا على أن أواصل الحديث عن ضرورة تمجيد حاكم تشين ورفعِه إلى مصاف الأباطرة.» فلما بلغت أنباء ما دار بين الرجُلين من الحوار المذكور إلى مسامع قائد قوات تشين على جبهة القتال، بادر إلى الانسحاب بقواته مسافة خمسين «لي».

وتصادف، في تلك الأثناء، أن تقدم شين لينجوان على رأس قوات (من منطقة «جين بي») لمساندة جاو، حيث قام بالإغارة على قوات تشين التي اضطرَّت إلى الانسحاب والتراجُع عن حصار «هاندان»، وأراد بينيوان أن يضاعف المكافأة ﻟ «لوجونليان» بزيادة أراضي الإقطاع الممنوحة له، فاعتذر الرجل عن القبول، وانتهى الأمر دون أن يحصل لنفسه على أي لونٍ من المكافأة، فأقام له بينيوان مأدبة ودعاه إلى تناول أقداح الخمر معه، فلمَّا لعبت النشوة بالرؤوس، قام بينيوان يتهادى حتى وقف قبالة لوجونليان، فأهدى له ما مثقاله ألف وزنةٍ من الذهب تحيةً وإكرامًا له، ورمزًا إلى أطيب الأمنيات له بطول البقاء، فضحك لوجونليان وقال له: «إن أثمن ما يُقدمه رجل الفكر لأهل الممالك هو أن يُجنبهم الضيق والعُسر، ويزيل عنهم كدر الأحوال، ويُخلِّصهم من العناء والمعاناة، بما يَلُم به شعثهم ويسدُّ به خللهم دون مطمع في هدية أو مكافأة فإذا تاقت نفسه إلى شيءٍ من هذا صار كالتاجر الباحث عن الربح، وهو ما لا أرضاه لنفسي ولا أستطيع احتماله.» ثم إنه قام فودع بينيوان ومضى في طريقه، ولم يلتقِ به، بعد ذلك أبدًا.

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد