
تاريخ الفيزياء

علماء الفيزياء


الفيزياء الكلاسيكية

الميكانيك

الديناميكا الحرارية


الكهربائية والمغناطيسية

الكهربائية

المغناطيسية

الكهرومغناطيسية


علم البصريات

تاريخ علم البصريات

الضوء

مواضيع عامة في علم البصريات

الصوت


الفيزياء الحديثة


النظرية النسبية

النظرية النسبية الخاصة

النظرية النسبية العامة

مواضيع عامة في النظرية النسبية

ميكانيكا الكم

الفيزياء الذرية

الفيزياء الجزيئية


الفيزياء النووية

مواضيع عامة في الفيزياء النووية

النشاط الاشعاعي


فيزياء الحالة الصلبة

الموصلات

أشباه الموصلات

العوازل

مواضيع عامة في الفيزياء الصلبة

فيزياء الجوامد


الليزر

أنواع الليزر

بعض تطبيقات الليزر

مواضيع عامة في الليزر


علم الفلك

تاريخ وعلماء علم الفلك

الثقوب السوداء


المجموعة الشمسية

الشمس

كوكب عطارد

كوكب الزهرة

كوكب الأرض

كوكب المريخ

كوكب المشتري

كوكب زحل

كوكب أورانوس

كوكب نبتون

كوكب بلوتو

القمر

كواكب ومواضيع اخرى

مواضيع عامة في علم الفلك

النجوم

البلازما

الألكترونيات

خواص المادة


الطاقة البديلة

الطاقة الشمسية

مواضيع عامة في الطاقة البديلة

المد والجزر

فيزياء الجسيمات


الفيزياء والعلوم الأخرى

الفيزياء الكيميائية

الفيزياء الرياضية

الفيزياء الحيوية

الفيزياء والفلسفة

الفيزياء العامة


مواضيع عامة في الفيزياء

تجارب فيزيائية

مصطلحات وتعاريف فيزيائية

وحدات القياس الفيزيائية

طرائف الفيزياء

مواضيع اخرى
الهندسة والتجربة
المؤلف:
المصدر:
تطور الأفكار في الفيزياء
الجزء والصفحة:
ص164
2026-03-08
36
إن المثال الذي سنفحصه الآن أكثر غرابة من مثال المصعد في السقوط الحر، إذ علينا الآن أن نواجه مسألة جديدة؛ مسألة الصلة بين النسبية العامة والهندسة. لنبدأ بفحص العالم الذي تعيش فيه كائنات ذات بعدين. لقد عودتنا الأفلام على رؤية كائنات ذات بعدين تتحرك على شاشة ذات بعدين، لنتصور الآن أن هذه الأشباح، أي الممثلين ذوي البعدين، مخلوقات عاقلة يمكنها أن تبني علمها الخاص، وأن الشاشة ذات البعدين هي كل فضائها الهندسي. إن هذه المخلوقات عاجزة عن أن تتصور، بشكل ملموس، فضاء ذا ثلاثة أبعاد؛ تماماً كما نحن عاجزون عن تصور فضاء ذي أربعة أبعاد. إنهم يعرفون كيف يحيدون عن الخط المستقيم ويعرفون الدائرة؛ لكنهم عاجزون عن صنع كرة، مثلاً، لأن صنع الكرة يستلزم بعداً ثالثاً، وهم عاجزون عن مغادرة شاشتهم ذات البعدين. ونحن في عالمنا نعيش وضعاً مماثلاً؛ فنحن قادرون على الحيود وعلى حني الخطوط والسطوح: لكننا يصعب علينا جداً أن نتصور فراغاً، منحرفاً أو منحنياً، ذا ثلاثة أبعاد.
إن أشباحنا ذات البعدين تستطيع، عند اللزوم وبواسطة الخبرة والتجربة والتفكير، أن تكتسب معلومات تامة عن الهندسة الإقليدية ذات البعدين. فهم يستطيعون مثلاً أن يثبتوا أن مجموع زوايا المثلث يساوي 180درجة قوسية، ويستطيعون رسم دائرتين لهما مركز واحد، فيجدون أن نسبة محيطيهما تساوي نسبة نصفي قطريهما. وإذا كانت الشاشة التي يعيشون فيها لامتناهية الاتساع، فسيشعرون بأن الذهاب إلى الأمام في خط مستقيم لن يعيد المرء أبداً إلى النقطة
التي انطلق منها. لنتصور الآن أن تغيراً قد طرأ على ظروف حياة هؤلاء المخلوقات ذات البعدين؛ كأن يأتي شخص من خارج عالمهم المستوي، من والبعد الثالث، ينقلهم جميعاً من الشاشة إلى سطح كرة عظيمة جداً. فلو كانت هذه الكائنات صغيرة جداً بالنسبة لاتساع السطح الكروي الجديد، ولو كانوا لا يملكون وسيلة للاتصال عن بعد، ولو كانت وسائل مواصلاتهم لا تسمح لهم بالسفر بعيداً، فإنهم لن يشعروا بتاتاً بأنهم قد انتقلوا إلى عالم مختلف عن دنياهم السابقة. سيجدون أن مجموع زوايا المثلث ما زال يساوي 180درجة، وأن نسبة محيطي الدائرتين تساوي نسبة نصفي قطريهما، وأن الذهاب في خط مستقيم إلى أبعد ما يستطيع المرء منهم لن يعود به إلى نقطة انطلاقه.
ولكن لنفترض الآن أن هذه المخلوقات العاقلة قد طورت مع الزمن وسائلها التجريبية ومعارفها النظرية؛ فاخترعوا وسائل مواصلات واتصالات تتيح لهم أن يسافروا إلى مسافات بعيدة. إنهم عندئذ سيكتشفون أن الذهاب، بعيداً جداً، إلى الأمام في خط مستقيم يعود بالمسافر إلى المكان الذي انطلق منه. إن مفهوم إلى الأمام في خط مستقيم، يعني أن المسافر يسير على محيط دائرة كبرى من الكرة (مركزها مركز الكرة). وسيكتشفون أيضاً أن نسبة محيطي الدائرتين لا تساوي نسبة نصفي قطريهما إذا كانت إحداهما صغيرة والأخرى كبيرة.
إذا كانت مخلوقاتنا هذه ذات نزعة محافظة، وإذا كانوا يعلمون الهندسة الإقليدية في مدارسهم منذ أجيال حينما كانوا لا يسافرون بعيداً وحينما كانوا يرون أن هندستهم منسجمة مع أرصادهم، فإنهم لا شك سيبذلون قصارى جهدهم للتشبث بكل ذلك رغم وضوح القياسات. وربما حاولوا أن يتهموا الفيزياء بمسؤولية هذا الاختلاف، فقد يقولون، مثلاً، إن اختلاف درجة الحرارة، من مكان لآخر، يشوه شكل الخطوط فيتولد عن هذا التشوه اختلاف مع الهندسة الإقليدية. لكن سيكتشفون، عاجلاً أو آجلاً، سبباً أكثر عقلانية وإقناعاً يفسر هذه الفروق؛ كأن يتوصلوا إلى معرفة أن عالمهم محدود الاتساع وأنه محكوم بمبادئ هندسية تختلف عما تعلموه. وسيفهمون عندئذٍ، رغم عجزهم عن تصور الكرة، أن فضاءهم مصنوع من سطح كروي ذي بعدين. وسيأخذون بعدئذ في تعلم مبادئ أخرى في الهندسة يمكن أن تصاغ، رغم اختلافها عن هندسة إقليدس، بنصوص لا تقل تماسكاً ولا منطقية عما كانوا يألفون في دنياهم الملموسة ذات البعدين. وسوف تكتسب أجيالهم الجديدة، عن هندسة الكرة، معلومات تبدو إزاءها الهندسة الإقليدية العتيقة شيئاً معقداً ومصطنعاً، لأنها لا تتفق مع الوقائع التجريبية المرصودة. لنعد الآن إلى دنيانا ومخلوقاتها ذات الأبعاد الثلاثة.
ماذا يعني أن فضاءنا الثلاثي الأبعاد ذو صفة إقليدية ؟ إنه يعني أن كل المقولات ، المثبوتة منطقياً في الهندسة الإقليدية ، يمكن أيضاً أن تثبت بالتجربة الفعلية ؛ فنستطيع ، بوساطة أجسام صلبة وأشعة ضوئية ، بناء أشياء تستجيب المثاليات الهندسة الإقليدية . فحرف المسطرة والشعاع الضوئي يمثلان خطاً مستقيماً ؛ ومجموع زوايا المثلث الذي أضلاعه قضبان مستقيمة يساوي 180درجة ؛ ونسبة محيطي دائرتين مصنوعتين من سلكين دقيقين صلبين تساوي نسبة نصفي قطريهما . فالهندسة الإقليدية ، عندما نفهمها بهذا الشكل ، تصبح فصلاً من الفيزياء بسيطاً جداً . لكن ذلك لا يمنعنا من أن نتصور حصول اختلالات في هذه الهندسة ؛ كأن يحدث في مثلث كبير ، مصنوع من قضبان طويلة نظنها شديدة الصلابة ، أن لا يكون مجموع زواياه مساوياً 180درجة . وبما أننا اعتدنا على تمثيل الأشكال الهندسية الإقليدية بأجسام صلبة ، فسنكون على الأرجح مضطرين إلى الظن بتدخل قوة فيزيائية تتسبب في هذا السلوك الشاذ واللامتوقع للقضيان المستخدمة ، وسنحاول معرفة أصل هذه القوة وتأثيرها على ظواهر أخرى . فلإنقاذ الهندسة الإقليدية نبدأ باتهام كفاية صلابة الأشياء ، مما يجعلها غير ممثلة للأشكال الهندسية تمثيلاً محكماً . ثم نجهد في صنع أجسام أصلب، علها تتصرف بما يرضي الهندسة الإقليدية . لكننا إذا فشلنا في التوفيق بين الهندسة الإقليدية والفيزياء وفي الحصول على صورة بسيطة ومتماسكة ، فلابد لنا عندئذ من أن نهجر فكرة أن فضاءنا إقليدي ومن أن نجتهد في الحصول على صورة أكثر انسجاماً مع الواقع ، وذلك بإصدار فرضيات أكثر شمولاً فيما يخص الصفة الهندسية لفضائنا.
إن ضرورة القيام بهذا العمل يمكن أن تتضح من خلال تجربة مثالية تثبت عدم إمكانية بناء فيزياء نسبوية حقاً على أساس من الهندسة الإقليدية . وسنستفيد في محاكمتنا من النتائج التي حصلنا عليها بخصوص المراجع العطالية ومن نظرية النسبية الخاصة لنتصور قرصاً صلباً واسعاً نرسم عليه دائرتين مركزاهما مركز القرص ، إحداهما صغيرة جداً والأخرى كبيرة جداً وتنطبق على محيط القرص ( شكل 1 ) . يوجد راصد خارج القرص يرسم على ورقة تحت القرص دائرتين أخريين ينطبق محيطاهما تماماً على محيطي الدائرتين المرسومتين على القرص . لنفترض أن هذا الراصد الخارجي مربوط ، هو والورقة ، بمرجع عطالي واحد . فتكون الهندسة الإقليدية صالحة عنده ، فيجد أن نسبة محيطي الدائرتين تساوي نسبة نصفي قطريهما ، لنفترض الآن أن القرص يدور وحده بسرعة كبيرة بالنسبة للراصد الخارجي . من الواضح أن الدوائر تظل منطبقة كما كانت ، فلا يغير هذا الأمر شيئاً بالنسبة للراصد الخارجي . لنتصور الآن راصداً آخر يعيش على القرص الدوار ؛ فكيف يكون الأمر بالنسبة له ؟ إن مرجع الراصد على القرص غير عطالي وهو لهذا السبب محظور في رأي الفيزياء التقليدية وفي رأي النسبية المقصورة أيضاً . لكننا عندما نود أن نجد لقوانين الفيزياء أشكالاً جديدة تصح في كل مرجع يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار حالة الراصد على القرص ، وحالة الراصد الخارجي . لنفترض أيضاً أن الراصدلأن على القرص وهو يهتم بقياس محيطي الدائرتين ونصفي قطريهما، يستخدم المسطرة نفسها التي يستخدمها الراصد الخارجي. وكلمة (نفسها)، تعني أنه يستعيرها من الراصد الخارجي.
الشكل 1
يبدأ الراصد على القرص بقياس محيط الدائرة الصغيرة. لابد أنه سيجد قيمة تساوي القيمة التي يجدها الراصد الخارجي محيط دائرته الصغيرة؛ لأن نقاط القرص القريبة جداً من مركز الدوران ذات سرعات خطية صغيرة جداً مما يتيح لنا تطبيق قوانين الميكانيك التقليدي دون حرج وإهمال مفعول النسبية الخاصة. وهذا يعني أيضاً أن طول المسطرة لا يتقلص قرب المركز، مما يجعل قياس نصف قطر الدائرة الصغيرة يساوي القيمة المماثلة التي يجدها الراصد الخارجي. وهكذا تتطابق نتائج القياس على الدائرة الصغيرة عند كل من الراصدين. والآن يبدأ الراصد على القرص بقياس نصف قطر الدائرة الكبيرة، فيجد أيضاً قيمة مطابقة لتلك التي وجدها الراصد الخارجي المسطرة، وهي عمودية على اتجاه حركتها لا يتقلص طولها بموجب نظرية النسبية الخاصة (راجع الشكل 2). ونتيجة هذا حتى الآن، أن القياسات الثلاثة، لنصفي القطرين ومحيط الدائرة الصغيرة، متطابقة لدى الراصدين. ولقياس محيط الدائرة الكبيرة نفترض أن الراصد على القرص موجود في مركز الدوران (2) وهي نقطة ثابتة؛ مما يجعله، هو والراصد الخارجي، في مرجع واحد. إن المسطرة على محيط القرص، وهي تتحرك بسرعة خطية كبيرة بالنسبة للراصد الخارجي، تبدو له متقلصة لأنها تتحرك وفق طولها؛ فيبدو محيط الدائرة الكبيرة( أو محيط القرص، لأنهما منطبقان) أكبر مما كان عليه (يزداد عدد المساطر المتقلصة لتغطية المحيط نفسه) لدى الراصد الخارجي. وكذلك الأمر بالنسبة للراصد في مركز القرص، لأن الراصدين في مرجع واحد. وبنتيجة ذلك كله يتضح أن قياس محيط الدائرة الكبيرة فقط يختلف من راصد لآخر، بينما تتطابق القياسات الآخرى لدى الراصدين. وهكذا نجد أن نسبة نصفي القطرين تساوي نسبة المحيطين لدى الراصد الخارجي فقط وعلى ورقته؛ لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للراصد على القرص ولو كان ثابتاً في مركز دوران عالمه. وهذا يعني أن الراصد على القرص لا يستطيع أن يؤكد صحة الهندسة الإقليدية في مرجعه.
وبعد أن يصل الراصد على القرص إلى هذه النتيجة يمكنه أن يصرح بأنه لا يريد مراجع لا تصح فيها الهندسة الإقليدية. إن انهيار الهندسة الإقليدية ناجم عن الدوران المطلق، عن واقع أن مرجعه رديء ومحظور. لكنه، وهو يحاكم بهذا الشكل، يرفض الفكرة الأساسية لنظرية النسبية العامة. لكننا إذا رغبنا في نبذ الحركة المطلقة وفي الاحتفاظ بفكرة النسبية العامة، فلا بد لنا من بناء فيزياء جديدة على أساس هندسة أكثر عمومية من هندسة اقليدس؛ ولا مناص من سلوك هذا الطريق إذا أردنا أن تكون كل المراجع مقبولة.
إن التغييرات التي تدخلها نظرية النسبية العامة لا تقتصر على الفضاء فحسب، ففي النسبية المقصورة كان لدينا، في كل مرجع، ميقاتيات ساكنة ومتزاملة وذات إيقاع واحد؛ أي أنها تشير بالتواقت إلى زمن واحد، فماذا يحدث لميقاتية مربوطة بمرجع لا عطالي؟ إن التجربة المثالية ذات القرص الدوار تفيدنا هنا أيضاً. فالراصد الخارجي يملك في مرجعه العطالي ميقاتيات جيدة متزاملة وتعمل بإيقاع واحد. أما الراصد على القرص فيحتاج، على الأقل، إلى ميقاتيتين متماثلتين، يضع أولاهما عند الدائرة الصغيرة، والثانية عند محيط القرص. فالميقاتية الأولى ذات سرعة خطية صغيرة بالنسبة للراصد الخارجي؛ مما يجعلنا نستنتج دون تردد أن إيقاعها لن يختلف عن إيقاع الميقاتيات الخارجية. لكن الميقاتية الموضوعة عند محيط القرص، وهي ذات سرعة خطية كبيرة، سيتغير إيقاعها بالنسبة لإيقاع الميقاتيات الخارجية، وكذلك بالتالي، بالنسبة للميقاتية الموضوعة قرب المركز. وهكذا يتفاوت إيقاع الميقاتيات المربوطة بالقرص الدوار من المركز إلى المحيط. فبنتيجة ذلك كله وبموجب نظرية النسبية الخاصة نرى من جديد أنه لا يمكننا، في المرجع الدوار، أن نجد وسيلة تشبه الوسائل التي طبقناها في المرجع العطالي الواحد لنحصل على ميقاتيات متزاملة وذات إيقاع واحد. ولإيضاح النتائج التي يمكن أن نستخلصها من تجربة القرص الدوار ومن تجارب مثالية أخرى شرحناها سابقاً، نتصور من جديد حواراً بين الفيزيائي التقليدي، ت، والفيزيائي الحديث. ح، المؤمن بنظرية النسبية العامة. الفيزيائي ت هو الراصد الخارجي المربوط بمرجع عطالي، والفيزيائي ح هو الراصد الذي يعيش على القرص الدوار.
ت: أشعر أن الهندسة الإقليدية غير صحيحة عندك. لقد راقبت عمليات قياساتك واعترف أن نسبة المحيطين لا تساوي، في مرجعك، نسبة نصفي القطرين. لكن هذا يدل على أن مرجعك مرجع محظور، أما مرجعي فهو، على العكس، مرجع عطالي وأنا أستطيع بكل اطمئنان أن أعتمد على الهندسة الإقليدية. إن قرصك في حالة حركة مطلقة وهو، من وجهة نظر الفيزيات التقليدية، مرجع محظور لا تصح فيه قوانين الميكانيك.
ح: لا أريد كلاماً عن الحركة المطلقة. إن مرجعي لا يختلف في الجودة عن مرجعك. لأنني رأيت أن مرجعك هو الذي يدور بالنسبة لقرصي، وليس لأحد الحق في أن يمنعني من أن أنسب كل الحركات إلى قرصي.
ت: لكن، ألم تشعر بقوة غريبة تجذبك من مركز القرص نحو محيطه؟ فلو لم يكن قرصك يدور بسرعة كبيرة لما حدثت الظاهرتان اللتان شعرت بهما، أي لما كنت أحسست بالقوة التي تجذبك نحو خارج القرص، ولما علمت أن الهندسة الإقليدية فاسدة في مرجعك. ألا تكفي هذه الوقائع لإقناعك بأن مرجعك في حالة حركة مطلقة؟
الشكل 2
ح: ألف كلا. لقد شعرت حقاً بالواقعين اللذين تذكرهما، ولكنني أعزوهما إلى حقل تثاقلي طارئ يؤثر في قرصي. وبما أن هذا الحقل التشاقلي يتجه نحو خارج القرص، فهو يشوه شكل قضباني الصلبة ويغير إيقاع ميقاتياتي. إن الحقل التثاقلي والهندسة الإقليدية وتفاوت إيقاع الميقاتيـات، هي عندي مترابطة فيما بينهما ترابطاً وثيقاً. فما على إذن، في سبيل أن أتبنى أي مرجع، سوى أن أفترض وجود حقل تثاقلي ملائم وتأثير هذا الحقل على القضبان الصلبة وعلى الميقاتيات
ت: ولكن هل تشعر بشدة الصعوبات التي تضعها النسبية العامة في طريقك. ولكي أوضح لك ما أعنيه أستعير مثالاً بسيطاً ليس من الفيزياء في شيء. تصور مدينة أمريكية مثالية ذات شوارع وأزقة متوازية عمودية على الشوارع. يوجد بين الشوارع مسافات متساوية، وبين الأزقة مسافات متساوية أيضاً، كما ترى في الشكل 3، مما يجعل مستطيلات العمارات متساوية تماماً. إنني بهذه الصورة أستطيع أن أحدد موضع أية عمارة بسهولة. لكن هذا التنظيم لا يمكن إجراؤه في غير الهندسة الإقليدية. ونحن مثلاً لا نستطيع أن نغطي الكرة الأرضية كلها بعمارات من هذا الشكل، كمدينة امريكية واحدة مثالية. وما عليك سوى أن تلقي نظرة على هذه الكرة كي تقتنع بما أقول. وكذلك الأمر بخصوص قرصك؛ فنحن لا يمكن أن نغطيه بعمارات تؤلف مثل تلك ه المدينة الأمريكية) . إنك تقول بأن قضبانك تتشوه بالحقل التثاقلي. وبما أن واقعك لا يسمح بأن تؤيد هندسة اقليدس، بسبب عدم تساوي نسبتي المحيطين ونصفي القطرين، فإن هذا يعني بأنك لو حاولت رسم شوارع طويلة وأزقة طويلة فستصادف صعوبات تجعل هذا الأمر مستحيلاً على قرصك.
إن هندستك على القرص الدوار تشبه الهندسة على سطح منحن، إذ يستحيل أن نرسم على مساحة كبيرة من سطح منحن شوارع وأزقة على الطراز الأمريكي. لنأخذ، كمثال فيزيائي، سطحاً مستوياً؛ ثم لنسخن مناطقه المختلفة إلى درجات حرارة متفاوتة بين منطقة وأخرى. إن هذا السطح سيتقوس وينحني بشدة متفاوتة من منطقة لأخرى. فهل تستطيع أن تلصق قضبانك الحديدية التي تتمدد بالحرارة، على هذا السطح بحيث تصنع شكلاً ومتوازياً متعامداً، كالشكل 3؟ بالتأكيد لا.. إن وحقلك التثاقلي سيتلاعب بمساطرك كما تتلاعب درجة الحرارة بالقضبان الحديدية.
ح: إن كل ذلك لا يرهبني. إن رسم الشوارع يهدف إلى تعيين أماكن النقاط (العمارات) وتفيد الميقاتية في معرفة ترتيب الحوادث الزمني. وليس من الضروري في سبيل ذلك أن تكون المدينة من طراز أمريكي؛ فطراز المدن الأوروبية القديمة يفي بالغرض. تصور أن مدينتك المثالية مبنية من مادة لدنة ثم تشوهت (شكل 4)؛ إنني سأظل قادراً على عد العمارات وعلى تمييز الشوارع والأزقة، رغم أنها لن تظل مستقيمة ولا متساوية الفواصل. ألا تكفي خطوط الطول وخطوط العرض على سطح كرتنا الأرضية، وهو سطح منحن، لتعيين الأماكن عليه رغم أن هذه الخطوط ليست من طراز (المدينة الأمريكية)؟
الشكل 3
الشكل 4
ت: ما تزال توجد مشكلة أخرى. إنك ستضطر لاستخدام (بنية مدينة أوربية). أوافقك على أنك تستطيع ترتيب النقاط والحوادث؛ لكن هذه البنية ستولد صعاباً في قياس المسافات. إنها لن تعطيك الخواص المترية للفضاء، على عكس ما يفعل بنائي. خذ هذا المثال: إنني، في مدينة أمريكية، أعرف أن السير مسافة عشر عمارات يتطلب مني أن أمشي ضعفي المسافة التي تغطي خمس عمارات. فبمعرفة أن أطوال العمارات متساوية يمكنني أن أعين المسافات سريعاً.
ح: هذا صحيح. فأنا فعلاً لا أستطيع، في (مدينتي الأوربية)، أن أعرف المسافات بعد العمارات ذات الامتداد المشوه، وعلى أن أعلم شيئاً إضافياً، أن أعرف الخواص الهندسية لسطحي: فكل امرئ يعرف أن المسافة بين خطي الطول صفر و510 عند خط الاستواء لا تساوي المسافة بينهما قرب القطب الشمالي. لكن كل الملاحين يعرفون ما يجب عمله لتعيين المسافة بين نقطتين على سطح الكرة الأرضية، لأنهم يعرفون الخواص الهندسية لهذا السطح. فهم إما أن يفعلوا ذلك حسابياً بالاستناد على علم المثلثات الكروي، وإما تجريبياً بالسير على مسافتين بسرعة واحدة. إن المسألة بسيطة في حالتك لأن الشوارع مفصولة بمسافات متساوية وكذلك الأزقة. أما في حالة الأرض فالمسألة أكثر تعقيداً؛ فالخطان صفر و510 يلتقيان عند قطبي الأرض ويتباعدان أكثر ما يمكن عند خط الاستواء. وأنا كذلك أتطلب في (مدينتي الأوربية)، كي أعرف المسافات، معرفة شيء آخر زيادة عنك. ويمكن أن أكتسب هذه المعرفة الاضافية بدراسة الخواص الهندسية للمتصل، الذي أعمل فيه في كل حالة خاصة.
ت: لكن كل هذا يظهر عظم مزعجات الموقف الذي نحشر أنفسنا فيه عندما: نهجر البنية البسيطة للهندسة الاقليدية لتنشئ بناءً معقداً نضطر لاستخدامه. فهل هذا ضروري. حقاً.
ح: بالتأكيد عندما نريد أن نستعمل فيزياءنا في أي مرجع دون أن نهتم بالمرجع العطالي الذي لا نجده؛ فأنا أعترف بأن جهازي الرياضي أشد تعقيداً من جهازك، لكن افتراضاتي الفيزيائية أبسط وأكثر انسجاماً مع الطبيعة وكثيراً ما تبرر الغاية الوسيلة.
لقد اقتصرت هذه المناقشة على المتصل ذي البعدين. لكن نقطة الخلاف في النسبية العامة أكثر تعقيداً لأن هذه النظرية تتناول متصلاً ذا أربعة أبعاد. بيد أن الأفكار هي نفسها في الحالتين.
ونحن في النسبية العامة لا نستطيع استخدام بنية القضبان المتوازية والمتعامدة ولا الميقاتيات المتزاملة بعكس ما نفعل في النسبية الخاصة. ففي مرجع اختياري لا نستطيع تعيين النقطة واللحظة، اللتين حدث فيهما الحادث، بواسطة قضبان صلبة وميقاتيات ذات إيقاع واحد ومتزاملة، كما كنا نفعل في المرجع العطالي وفي النسبية الخاصة. لكن القياسات الواقعية، وهي تتطلب مساطر صلبة وميقاتيات ذات إيقاع واحد ومتزاملة، لا يمكن إجراؤها إلا في المراجع الموضعية، المحدودة في المكان وفي الزمان؛ لكن هذا الهدف يمكن بلوغه في إطار النسبية الخاصة. أما في النسبية العامة فإن المرجع (الجيد ) موضعي فحسب، أي أن صفته العطالية محدودة في المكان والزمان. وحتى في المرجع الاختياري نستطيع التنبؤ بنتائج القياسات الجارية في المرجع العطالي؛ لكن ذلك يتطلب معرفة الخواص الهندسية للمتصل المكاني - الزماني.
إن تجاربنا المثالية لا تفعل أكثر من إبراز خاصة العمومية للفيزياء النسبوية الجديدة. فهي تظهر أن المسألة الجوهرية هي مسألة التثاقل وأن النسبية العامة ، فوق ذلك ، تقود إلى تعميم مفهومي المكان والزمان.
الاكثر قراءة في الميكانيك
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)