يقول ابن قتيبة الدينوريّ: وذكر المؤرّخون وأهل التحقيق: أنه اجتمع ناس من أصحاب النبيّ عليه الصلاة والسلام فكتبوا كتاباً ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنّة رسول الله وسنّة صاحبيه؛ وما كان من هبته خُمس إفريقيا لمروان بن الحكم[1] وفيه حقّ الله ورسوله، ومنهم ذوو القربي واليتامى والمساكين، وما كان من تطاوله في البنيان، حتّى عدّوا سبع دور بناها بالمدينة: داراً لزوجته نائلة، وداراً لابنته عائشة، وغيرهما من أهله وبناته. وبنيان مروان القصور بذي خَشَب، وعمارة الأموال بها من الخُمس الواجب للّه ولرسوله؛ وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمّه من بني اميّة أحداث وغَلَمة لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم بالامور؛ وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلّى بهم الصبح وهو أمير عليها سكران أربع ركعات، ثمّ قال لهم: إن شئتم، أزيدكم ركعة زدتكم؛ وتعطيله إقامة الحدّ عليه، وتأخيره ذلك عنه، وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء ولا يستشيرهم، واستغني برأيه عن رأيهم؛ وما كان من الحِمى الذي حمي حول المدينة و منع الناس من رعي مواشيهم فيه؛ وما كان من إدراره القطائع والأرزاق والأعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبيّ عليه الصلاة والسلام ثمّ لا يغزون ولا يذبّون؛ وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط، وأنه أوّل من ضرب بالسياط ظهر الناس، وإنَّما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرّة والخيزران.
ثمّ تعاهد القوم ليدفعنّ الكتاب في يد عثمان، وكان ممّن حضر الكتاب: عمّار بن ياسر والمقداد بن الأسود، وكانوا عشرة. فلمّا خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان، والكتاب في يد عمّار، جعلوا يتسلّلون عن عمّار حتّى بقي وحده، فمضي حتّى جاء دار عثمان.
فاستأذن عليه، فأذن له في يوم شاتٍ. فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني اميّة، فدفع إليه الكتاب.
فقرأ عثمان الكتاب، فقال له: أنت كتبت هذا الكتاب؟! قال عمّار: نعم! قال عثمان: ومن كان معك؟! قال عمّار: كان معي نفر تفرّقوا منك! قال عثمان: من هم؟! قال عمّار: لا اخبرك بهم. قال عثمان: فَلِمَ اجترأت عَلَيّ من بينهم؟! فقال مروان: يا أمير المؤمنين! إنَّ هذا العبد الأسود (يعني عمّاراً) قد جرّأ عليك الناس؛ وإنَّك إن قتلته نكلت به مَن وراءه.
قال عثمان: اضربوه. فضربوه وضربه عثمان معهم حتّى فتقوا بطنه، فغُشي عليه. فجرّوه حتّى طرحوه على باب الدار.
فأمرت به امّ سلمة زوج النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فادخل منزلها. وغضب فيه بنو المغيرة وكان حليفهم، فلمّا خرج عثمان لصلاة الظهر، عرض له هِشام بن الوليد بن المغيرة، فقال: أما والله لئن مات عمّار من ضربه هذا لأقتلنّ به رجلًا عظيماً من بني اميّة. فقال عثمان: لست هناك!
ثمَّ خرج عثمان إلى المسجد. فإذا هو بعليّ وهو شاك معصوب الرأس. فقال له عثمان: والله يا أبا الحسن ما أدري أشتهي موتك أم أشتهي حياتك؟! فو الله لئن مِتّ، ما احبّ أن أبقى بعدك لغيرك! لأني لا أجد منك خلفاً. ولئن بقيت لا أعدم طاغياً يتّخذك سلّماً وعضداً، ويعدّك كهفاً وملجأ؛ لا يمنعني منه إلّا مكانه منك ومكانك منه! فأنا منك كالابن العاقّ من أبيه، إن مات فَجَعَهُ، وإن عاش عقّه. فإمّا سلم فنسالم! وإمّا حرب فنحارب! فلا تجعلني بين السماء والأرض! فإنّك والله إن قتلتني، لا تجد منّي خلفاً! ولئن قتلتك، لا أجد منك خلفاً! ولن يلي أمر هذه الامّة بادئ فتنة!
فقال عليّ: إنَّ في ما تكلّمتَ به لجواباً، ولكنّي عن جوابك مشغول بوجعي! فأنا أقول كما قال العبد الصالح: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ}.[2]
[1] جاء في «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 6، ص 148: هو مروان بن الحكم بن أبي العبّاس بن اميّة بن عبد شمس بن عبد مناف. ولد في السنة الثانية من الهجرة. وتوفّي رسول الله وعمره ثمان سنين. نفي رسول الله أباه الحكم إلى الطائف. وقيل: كان مروان طفلًا لا يعقل، وأنه لم يَرَ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وكان الحكم في الطائف حتّى ولى عثمان، فردّه عثمان هو وولده إلى المدينة، وفوّض إليه اموره، واستولي مروان الحَدَث على عثمان. والحكم بن أبي العاص هو عمّ عثمان، كان من مسلمة الفتح، ومن المؤلّفة قلوبهم. توفّي قبل قتل عثمان بشهور.
[2] «الإمامة والسياسة» ص 30 و31.