إنَّ هذا النهج العُمرَيّ معاكس للنهج العَلَويّ تماماً. فلهذا نلحظ عمر سواء كان حيّاً أم ميّتاً لا يطيق أن يرى عليّاً في مقام الرئاسة والإمارة والخلافة.
روى ابن عبد ربّه بسنده عن هشام بن عُروة، عن أبيه عروة قال: لمّا طعن عمر، قيل له: لو عهدتَ؟ ثمّ نقل كلاماً عن عمر، حتّى بلغ إلى ما قيل له ثانية: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! لَو عَهَدتَ. فَقَالَ: لَقَدْ كُنْتُ أجْمَعْتُ بَعْدَ مَقَالَتِي لَكُمْ أنْ اوَلِّيَ رَجُلًا أمْرَكُمْ أرْجُو أنْ يَحْمِلَكُمْ على الحَقِّ- وأشَارَ إلَى عَلِيّ- ثُمَّ رَأيْتُ أنْ لَا أتَحَمَّلَهَا حَيَّاً ومَيِّتَاً.[1]
وروى البلاذُريّ عن عمرو بن ميمون أنه قال: كنت شاهداً لعمر يوم طعن. فأرسل على عليّ، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص. وبعد أن تكلّم معهم، قال: ادعوا لي صهيباً، فدعى فقال له: صلّ بالناس ثلاثاً، وليخل هؤلاء النفر في بيت حتّى يجتمعوا على رجل. فمن خالف بعد الاجتماع، فاضربوا رأسه! ولمّا خرجوا من عنده، قَالَ: لَوْ وَلَّوْهَا الأجْلَحَ سَلَكَ بِهِمُ الطَّرِيقَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا يَمْنَعَكَ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟! قَالَ: لَا أتَحَمَّلُهَا حَيَّاً ومَيِّتَاً.[2]
وروى ابن عبد البرّ هذا المضمون عن عمر.[3]
وبعد أن ذكر محبّ الدين الطبريّ ما رواه عن عمرو بن ميمون في ما يخصّ عليّ بن أبي طالب، قال: هذا الحديث أخرجه النسائيّ. ونقل هناك أيضاً أنَّ عمر قال: للَّهِ دَرُّهُمْ إنْ وَلَّوْهَا الاصَيْلِعَ كَيْفَ يَحْمِلُهُمْ على الحَقِّ وإنْ كَانَ السَّيْفُ على عُنُقِهِ! قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: فَقُلْتُ: أتَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ ولَا تُوَلِّيهِ؟! فَقَالَ: إنْ تَرَكْتُهُمْ فَقَدْ تَرَكَهُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي.[4]
لمّا استبان من تضاعيف البحث أنَّ عمر لم يقصد خلافة عليّ قطّ وإنَّما قصد خلافة عثمان. فعلينا أن نرى: لما ذا لم يوص بالخلافة لعثمان مباشرة، وترك الأمر شورى ليُخْتَار عثمان في آخر المطاف؟ وجوابنا أنَّ لهذا العمل أسباباً هي: الأوّل: ساوت الشورى بين عليّ وبين أشخاص آخرين لم يكونوا بمستواه، فجعلت له نظائر لا تقاس به. وهذا التدبير السيّئ لم يحرم عليّاً من حقّه الثابت فحسب، بل وجرّأ الزبير وطلحة على التفكير بالخلافة بعد قتل عثمان، وعلى الوقوف بوجه عليّ ومناوءته، وإقلاق حكومته الفتيّة بإشعال حرب الجمل. ومن وراء الجمل صفّين التي أنتجت النهروان، ومن ثمّ اغتياله في محراب العبادة من قبل أحد المعارضين النهروانيّين.
الثاني: كان عمر قد رأى تخلّف عليّ والزبير عن بيعة أبي بكر ونتائج ذلك التخلّف، وكذلك كان مطّلعاً على مؤاخذة طلحة أبا بكر عند ما جعل عمر خليفة،[5] فلهذا جمع المعارضين في مجلس واحد باسم الشورى للحؤول دون بروز الخلاف، وسلّط عليهم خمسين مسلّحاً للوقاية من خطر الانشقاق، وأجبرهم على البيعة أو القتل، وحينئذٍ تزول العقبات في طريق خلافة عثمان.
الثالث: كان عمر يعرف عثمان جيّداً، وكان يرى تعامله مع المسلمين؛ فلهذا كان يقول مراراً: أخاف أن يسلّط قومه وآل مُعيط على الامّة. فتفادى من تعيينه تعييناً مباشراً، وأوكل ذلك إلى الشورى ليقع القدح واللوم عليها وعلى ما يراه عبد الرحمن، ويحافظ بذلك على قدسيّته وشعبيّته.
الرابع: أراد عمر أن يمنّ على أعلام المهاجرين منّة صوريّة ظاهريّة، فجمعهم في الشورى ليغلق منافذ العتاب والتقريع ضدّه.
الخامس: تخلّص عمر من الاستبداد في التعيين كما يبدو، وجعل شورى الحلّ والعقد مركزاً لاتّخاذ القرار واختيار الخليفة. وهذا أمر كان عمر يعوّل عليه من قبل. وكان يقول: الخلافة بالشورى، وذلك ليحول دون بيعة الناس عليّ بن أبي طالب عليه السلام بعد موته.
نقل ابن هشام في سيرته عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: عند ما كان عمر بمنى، قال له رجل: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! هَلْ لَكَ في فُلَانٍ يَقُولُ: واللهِ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلاناً. واللهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أبِي بَكْرٍ إلَّا فَلْتَةً فَتَمَّتْ؟
قال: فغضب عمر لذلك فقال: إنيّ إن شاء الله لقائم العشيّة في الناس فمحذّرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم.
قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين! لا تفعل، فإنَّ الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم؛ ... فأمهِلْ حتّى تقدم المدينة فإنَّها دار السنّة وتخلَّص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكّناً! فيعي أهل الفقه مقالتك ويضعوها على مواضعها.
فقال عمر: والله إن شاء الله لأقومنّ بها أوّل مقام أقومه بالمدينة. ثمّ نقل ابن هشام أشياء عن ابن عبّاس، وقال بعدها: فلمّا قدم عمر المدينة، خطب في أوّل جمعة صعد فيها المنبر، وقال في خطبته: إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أنَّ فُلانَاً قَالَ: واللهِ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلاناً. فَلَا يَغُرَّنَّ امْرءَاً أنْ يَقُولَ: إنَّ بَيْعَةَ أبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً فَتَمَّتْ. وإنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ إلَّا أنَّ اللهَ قَدْ وَقَى شَرَّهَا. ولَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تَنْقَطِعُ الأعْنَاقُ إلَيْهِ مِثْلَ أبِي بَكْرٍ. فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِغَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُ لَا بَيْعَةَ لَهُ هُوَ ولَا الذي بَايَعَهُ تَغِرَّةً أنْ يُقْتَلَا.
وروى ابن أبي الحديد، عن الجاحظ أنهُ قَالَ: إنَّ الرَّجُلَ الذي قَالَ: لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَبَايَعْتُ فُلاناً، عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ. قَالَ: لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَبَايَعْتُ عَلِيَّاً. فَهَذَا القَوْلُ هُوَ الذي هَاجَ عُمَرَ أنْ خَطَبَ مَا خَطَبَ بِهِ.[6]
[1] «العقد الفريد» ج 3، ص 71، الطبعة الاولي.
[2] «أنساب الأشراف» ج 5، ص 18. وجاء في الجزء الخاصّ بأمير المؤمنين، الطبعة الجديدة، ص 103: لَئِنْ وَلَّوْهَا الاجَيْلِحَ؛ و«الرياض النضرة» ج 2، ص 182 و183 بتخريج النسائيّ.
و ذكره الحافظ الكبير عبد الرزّاق بن همّام الصنعانيّ المتوفّى سنة 211 هـ في كتاب «المُصَنَّف» ج 5، ص 446 و447، عن عمرو بن ميمون بهذه العبارة: قال: كنت عند عمر بن الخطّاب حين ولَّي السِّتَّة الأمر فلمَّا جازوا أتبعهم بصره، ثمّ قال: لئن ولَّوها الاجَيْلِحَ لَيَركَبنَّ بهم الطريق- يريد عليّاً.
[3] «الاستيعاب» ج 3، ص 1154.
[4] «الرياض النضرة» ج 2، ص 183.
[5] جاء في «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 2، ص 120، طبعة دار إحياء التراث العربيّ ذات أربعة أجزاء: وطلحة هو الذي قال لأبي بكر عند موته: ما ذا تقول لربّك وقد ولَّيتَ فينا فظّاً غليظاً؟ وهو القائل له: يا خليفة رسول الله! إنَّا كنَّا لا نحتمل شراستَه وأنت حيّ تأخذ على يديه، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميِّتٌ وهو الخليفة؟!
و جاء أيضاً في ج 2، ص 119 و120 من الشرح عند حديث ابن أبي الحديد عن أخلاق عمر السيّئة، إذ نقل شيئاً منها، فقال: وكان عمر بن الخطّاب إذا غَضِب على واحدٍ من أهلِه لا يسكن غضبه حتَّي يَعَضَّ يَدَهُ عَضَّاً شديداً حتَّي يُدميها.
[6] «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 1071 إلي 1073، طبعة مطبعة المدنيّ بالقاهرة. وجاء في عبارة «أنساب الأشراف» ج 1، ص 584، طبعة دار المعارف بمصر: فمن بايع رجلًا على غير مشورة فإنَّهما أهْلٌ أن يُقتلا. وإنّي اقسم بالله ليكفّنّ الرِّجال أو ليقطعنّ أيديهم وأرجلهم وليصلّبنّ في جذوع النخل. وجاء في صدر الخطبة: قال فيها: إنَّ فلاناً وفلاناً قالا: «لو مات عمر، بايعنا عَلِيَّاً فتمّت بَيعته. فإنّما كانت معه إلي أبي بكر فَلتةً وقي الله شرّها».
و لعمر خطبة طويلة فصّل فيها، بعد نقل كلام ذينك الاثنين اللذين قالا: نبايع عليّاً.