إن أدنى تأمّل في مضمون ما قاله الطبريّ يوضّح أنَّ هدف عمر الوحيد من تشكيل الشورى: استخلاف عثمان. ذلك أنَّ عبد الرحمن بن عوف لا يسعه أن يكون منافساً لعثمان في المسرح السياسيّ لما يتمتّع به الأخير من مكانة عند بني اميّة، بخاصّة، انّه صاهر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مرّتين حتّى قيل له: ذو النورين.[1]
ولنا أدلّتنا على ما نقول:
الأوّل: نقل لنا التأريخ أنَّ عمر كان يتعامل مع عثمان بإحسان على امتداد السنوات العشر التي حكم فيها، إذ كان يقرّبه ويستشيره في مهامّه حتّى ظنّ النّاس أنّه هو الخليفة الثالث لا محالة؛ وعلى حدّ تعبير الفرس في محاوراتهم هذا اليوم، كانوا يعتبرونه الشخص الثاني في الدولة، إذ كان عمر هو الشخص الأوّل.
قال الطبريّ في تأريخه: وكَانَ عُثْمَانْ يُدْعَى في إمَارَةِ عُمَرَ رَدِيفَاً. قَالُوا: والرَّدِيفُ بِلِسَانِ العَرَبِ الذي بَعْدَ الرَّجُلِ. والعَرَبُ تَقُولُ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ الذي يَرْجُونَهُ بَعْدَ رَئِيسِهِمْ.[2]
الثاني: كان عثمان ضالعاً في أمر الخلافة منذ تسلّم أبي بكر مقاليد الامور، واعترف ببيعته بل وبايعه منذ اليوم الأوّل. وكان أحد المقرّبين. حتّى أنَّ أبا بكر عند ما سأله عن عمر، قال له: أنا أعرف بباطنه من ظاهره، وليس بيننا مثيل له. وهو الذي كتب عهد أبي بكر في استخلاف عمر. فقد ذكر الطبريّ وسائر المؤرّخين أنَّ أبا بكر لمّا مرض المرض الذي مات فيه، دعا عثمان وقال له: اكتب: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا مَا عَهِدَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي قُحَافَةَ إلى المُسْلِمِينَ: أمَّا بَعْدُ؛ قَالَ ... ثُمَّ اغْمِيَ عَلَيْهِ فَذَهَبَ عَنْهُ فَكَتَبَ عُثْمَانُ: أمَّا بَعْدُ؛ فَإنِّي اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ولَمْ آلُكُمْ خَيْرَاً مِنْهُ.
ثُمَّ أفَاقَ أبُو بَكْرٍ فَقَالَ: اقْرَأ عَلَيّ! فَقَرَأ عَلَيْهِ. فَكَبَّرَ أبُو بَكْرٍ وقَالَ: أرَاكَ خِفْتَ أنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ إنِ افْتَلَتَتْ نَفْسِي في غَشْيَتِي؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرَاً عَنِ الإسلَامِ وأهْلِهِ. وأقَرَّهَا أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ مِنْ هَذَا المَوْضِعِ.[3]
لقد منّ عثمان على عمر في ما قام به من عمل. وبهذا أرسى دعائم خلافته. ومن هذا المنطلق، نرى عمر يرفع عثمان إلى الخلافة تقديراً لخدماته التي أسداها له، وتحقيقاً لهدف رئيس كان في نفسه. فسلّط- بعمله هذا- بني أميّة، الذين كانوا عقبة كبيرة في طريق بني هاشم، على رقاب المسلمين أكثر من قرن.
روى أبو العبّاس[4] أحمد المشهور بالمحبّ الطبريّ عن عبد الله بن عمر أنه قال: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ قُلْتُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوْ اجْتَهَدْتَ بِنَفْسِكَ وأمَّرْتَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا؟! قَالَ: أقْعِدُونِي. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَتَمَنَّيْتُ لَوْ أنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ عَرْضَ المَدِينَةِ فَرَقَاً مِنْهُ حِينَ قَالَ أقْعِدْنِي. ثُمَّ قَالَ: والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لأرُدَّنَّهَا إلَى الذي دَفَعَهَا إلَيّ أوَّلَ مَرَّةٍ. خَرَّجَهُ أبُو زَرْعَةَ في كِتَابِ «العِلَلَ».[5]
ونعلم من هذه الرواية أنَّ عثمان كان وراء انتقال الخلافة إلى عمر في مرض أبي بكر.
وروى محبّ الدين الطبريّ أيضاً حسب تخريج رواية خَيْثَمَة بن سُلَيْمَان في كتاب «فضائل الصحابة» عن حُذَيفَة، قال: قِيلَ لِعُمَرَ وهُوَ بِالمَوْقِفِ: مَنِ الخَلِيفَةُ بَعْدَكَ؟! قَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ.[6]
وذكر الطبريّ أيضاً عن حارثة بن مضرب، قال: حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ فَكَانَ الحَادِي يَحْدُو: إنَّ الأمِيرَ بَعْدَهُ عُثْمَانُ.[7]
وقال الملّا المتّقي في «كنز العمّال»: لمّا سئل أبو حفص عمر بن الخطّاب في المدينة: مَنِ الخليفة بعدك؟! قال: عثمان.[8]
الثالث: كان عمر شديد الكُرْهِ لخلافة بني هاشم. ويستبين كرهه من خلال مطالعة الموضوعات التي عرضناها في هذا الجزء من كتابنا «معرفة الإمام». وهو بيّن لا غبار عليه، وذلك من حواره مع ابن عبّاس، وقوله: إنَّ قريشاً لا ترضخ لبني هاشم. بَيدَ أنه طالما ينقل رأيه في هذه المجالات عن لسان الآخرين ويلقي التبعة على قريش، كما نقرأ ذلك في قوله للأنصار يوم السقيفة: واللهِ لَا تَرْضَى العَرَبُ أنْ يُؤَمِّرُوكُمْ ونَبِيُّهَا مِنْ غَيْرِكُمْ.[9]
إنَّ قصده من العرب هو ذاته لا غير، لأنَّ قريشاً لو مالأت الأنصار فلا ضير على العرب حينئذٍ. ولمّا كان عمر قد أدرك جيّداً أنَّ أحداً لا يستطيع الوقوف بوجههم مثله، لذلك حبّب إلى نفسه أن تكون الإمارة في أكبر فئة منافسة لبني هاشم، ألا وهم بنو اميّة الذين انقرضت رئاستهم بظهور الإسلام، والذين كانت قلوبهم مليئة بالإحن والشنآن ضدّ عليّ بن أبي طالب وأهل بيته. وتعاهد عمر تلك الشجرة الملعونة بالسقى والرعاية ما وسعه الجهد. وكان يدّخرهم ليوم لو قدّر لبني هاشم فيه أن يدافعوا عن حقّهم، ويستعيدوا موقعهم ومكانتهم، فإنَّ بني اميّة: منافسيهم المقتدرين الوحيدين سيقفون حجر عثرة وسداً منيعاً دون نيل مناهم.
لقد ولّى عمرُ معاويةَ بن أبي سفيان على الشام بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان،[10] وسافر إلى الشام بنفسه لتوطيد أركان حكومته، وحثّ الناس على اتّباع معاوية، حتّى يتحقّق هدفه عمليّاً في يوم الفتنة والخلاف- الفتنة والخلاف اللذان يتوقّعهما من معاوية- ولا يتسنّى لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأهل بيته وأنصاره أن يرفعوا لواء المعارضة ويصمدوا أمامه.
يقول ابن حجر الهيتميّ في حديثه عن فضائل معاوية: ومِنْهَا: أنَّ عُمَرَ حَضَّ النَّاسَ على اتِّبَاعِ مُعَاوِيَةَ والهِجْرَةِ إلَيْهِ إلَى الشَّامِ إذَا وَقَعَتْ فُرْقَةٌ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيَا بِسَنَدِهِ: أنَّ عُمَرَ قَالَ: إيَّاكُمْ والفُرْقَةَ بَعْدِي فَإنْ فَعَلْتُمْ فَاعْلَمُوا أنَّ مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ. فَإذَا وُكِلْتُمْ إلَى رَأيِكُمْ كَيْفَ يَسْتَبِزُّهَا مِنْكُمْ.[11]
ونحن نرى أنَّ معاوية المدعوم هذا لم يحترم المهاجرين والسابقين إلى الإسلام. فلمّا سخط الناس على عثمان وعابوه، وأحصوا سلبيّاته، وبيّنوا التغييرات التي أحدثها، وكثرت المؤاخذات عليه، وتهيّأت أرضيّة الاضطرابات لإسقاطه أو استتابته بترك الإسراف في بيت المال، والكفّ عن محاباة أرحامه وأقاربه به، توجّه معاوية إلى المدينة لتعزيز موقع عثمان وتشجيعه على الانحراف والإعلان عن دعمه وتحذير المهاجرين وتوعّدهم.
يقول ابن قتيبة الدينوريّ: صعد عثمان المنبر وقال: أمَا واللهِ يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ! لَقَدْ عِبْتُمْ عَلَيّ أشْيَاء، ونَقَمْتُمْ امُورَاً قَدْ أقْرَرْتُمْ لابْنِ الخَطَّابِ مِثْلَهَا! ولَكِنَّهُ وقَمَكُمْ وقَمَعَكُمْ، ولَمْ يَجْتَرِئ مِنْكُمْ أحَدٌ يَمْلُا بَصَرَهُ مِنْهُ ولَا يُشِيرُ بِطَرْفِهِ إلَيْهِ! أمَا واللهِ لأنَا أكْثَرُ مِنِ ابْنِ الخَطَّابِ عَدَدَاً، وأقْرَبُ نَاصِرَاً وأجْدَرُ- إلَى أنْ قَالَ لَهُمْ- أتَفْقِدُونَ مِنْ حُقُوقِكُمْ شَيْئاً؟ فَمَا لي لَا أفْعَلُ في الفَضْلِ مَا ارِيدُ؟ فَلِمَ كُنْتُ إمَامَاً إذَاً؟ أمَا واللهِ مَا غَابَ عَلَيّ مَنْ عَابَ مِنْكُمْ أمْراً أجْهَلُهُ! ولَا أتَيْتُ الذي أتَيْتُ إلَّا وأنَا أعْرِفُهُ![12]
[1] كان لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أربع بنات من خديجة هنّ: زينب رقيّة، امّ كلثوم، وفاطمة عليها السلام. زوّج رقيّة في مكّة من عُتبة بن أبي لهب. ولمّا نزلت سورة اللهب، أمر أبو لهب ابنه أن يطلّقها، فطلّقها قبل الدخول كرامة من الله وهواناً لأبي لهب. وتزوّجها عثمان في مكّة. وهاجرت معه إلى الحبشة. وفيها رزقها الله ولداً سمّوه عبد الله، ولذلك كان يقال لعثمان: أبو عبد الله. ولمّا بلغ السادسة من عمره نقره ديك في عينه فورم وجهه، ومات على إثره في جمادي الاولى، السنة الرابعة من الهجرة، وصلّى عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وعند ما كان رسول الله يتهيّأ للذهاب إلى غزوة بدر، مرضت رقيّة، فمنع عثمان من الخروج معه، وأمره بالبقاء في المدينة ليمرّضها. وبعد ذلك ماتت في اليوم الذي جاء فيه زيد بن حارثة إلى المدينة يخبر فيه بظفر رسول الله على المشركين. وكانت قد أصابتها الحصبة التي أودت بحياتها. فتزوّج عثمان امّ كلثوم بعدها. وماتت امّ كلثوم في بيت عثمان. («تنقيح المقال» ج 3، ص 73 و78؛ و«إعلام الورى» ص 147 و148» و«أسد الغابة» ج 3، ص 376 و377).
[2] «تاريخ الطبريّ» ج 3، ص 2، طبعة مطبعة الاستقامة.
[3] «المصدر السابق» ج 2، ص 618 و619، طبعة الاستقامة؛ وج 2، ص 429 طبعة دار المعارف؛ و«الرياض النضرة» ج 2، ص 66 بتعليق محمّد مصطفي أبو العلاء.
[4] جاء في «أعلام الزركليّ» ج 1، ص 153: محبّ الدين الطبريّ المولود في 615 هـ والمتوفّى في 694 هـ أحمد بن عبد الله بن محمّد الطبريّ، أبو العبّاس الحافظ الفقيه الشافعيّ من المتفنّنين. من أهل مكّة مولداً ووفاة. وكان شيخ الحرم فيها. له تصانيف منها: «السمط الثمين في مناقب امّهات المؤمنين» و«الرياض النضرة في مناقب العشرة» و«القري القاصد امّ القري» و«ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربي» و«الأحكام».
[5] «الرياض النضرة» ج 2، ص 182، الطبعة الثانية.
[6] «المصدر السابق» ج 3، ص 66.
[7] «الرياض النضرة» ج 3، ص 66.
[8] «كنز العمّال» ج 3، ص 158، الطبعة الاولي.
[9] «الإمامة والسياسة» ص 9، طبعة مصر، سنة 1328 هـ .
[10] «الإصابة» ج 3، ص 412، طبعة مصر. وجاء في «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 1، ص 338، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة: ولى معاوية اثنتين وأربعين سنة. منها اثنتان وعشرون سنة ولى فيها إمارة الشام منذ مات أخوه يزيد بن أبي سفيان، بعد خمس سنين من خلافة عمر، إلى أن قتل أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في سنة أربعين؛ ومنها عشرون سنة خليفة إلى أن مات في سنة ستّين.
[11] رسالة «تطهير الجنان» المطبوع في هامش «الصواعق المحرقة» ص 37 و38. وذكر ابن حجر العسقلانيّ الشافعيّ أصل هذا الحديث في كتاب «الإصابة» ج 2، ص 414 ضمن ترجمة معاوية.
[12] «الإمامة والسياسة» ص 28، الطبعة الثالثة، مصر، سنة 1382 هـ ، مطبعة مصطفي البابي الحلبيّ؛ وجاء في هذه الطبعة: مَا غَابَ عَلَيّ بالغين المعجمة. أمّا ما جاء في طبعة مطبعة الامّة، درب شغلان، مصر، سنة 1328 هـ، في ص 26 و27، حيث نقلت فيه هذه القصّة فهو قوله: مَا عَابَ عَلَيّ بالعين المهملة.