قال ابن أبي الحديد: لمّا مرض رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مرض الموت، دعا اسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَة، فقال: سر إلى مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل! فقد ولّيتك على هذا الجيش؛ وإن أظفرك الله بالعدوّ، فأقلل اللبث! وبثّ العيون! وقدّم الطلائع! فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلّا كان في ذلك الجيش؛ منهم أبو بكر وعمر.
فتكلّم القوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على جلّة المهاجرين والأنصار! فغضب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا سمع ذلك، وخرج عاصباً رأسه، فصعد المنبر وعليه قطيفة.
فقال: أيُّهَا النَّاسُ! مَا مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْ بَعْضِكُمْ في تَأمِيرِي اسَامَةَ، لَئِنْ طَعَنْتُمْ في تَأمِيرِي اسَامَةَ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في تَأمِيرِي أبَاهُ مِنْ قَبْلِهِ. وأيْمُ اللهِ أنْ كَانَ لَخَلِيقاً بِالإمَارَةِ، وابْنُهُ مِنْ بَعْدِهِ لَخَلِيقٌ بِهَا، وإنَّهُمَا لَمِنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيّ! فَاسْتَوصُوا بِهِ خَيْرَاً فَإنَّهُ مِنْ خِيَارِكُمْ.
ثمّ نزل ودخل بيته، وجاء المسلمون يودّعون رسول الله، ويمضون إلى عسكر اسامة بالجُرْف.
وثقل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم واشتدّ ما يجده، وهو لم يزل يؤكّد على التحاق أكابر قريش بجيش اسامة، وقال: اغْدُ على بَرَكَةِ اللهِ! وجَعَلَ يَقُولُ: انْفُذُوا بَعْثَ اسَامَةَ! ويُكَرِّرُ ذَلِكَ، فَوَدَّعَ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وخَرَجَ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ.[1]
فقال اسامة لرسول الله: بأبي أنت وامّي يا رسول الله! أتأذن لي في المقام أيّاماً حتّى يشفيك الله؟! فإنّي متى خرجت وأنت على هذه الحالة، خرجت وفي قلبي منك قرحة!
فقال رسول الله: انفذ يا اسامة لما أمرتك؛ فإنَّ القعود عن الجهاد لا يجب في حال من الأحوال.[2]
نجد هنا أنَّ رسول الله أمر وجوه قريش وسراتهم ومستكبريهم كأبي بكر، وعمر، وأبي عبيدة الجرّاح، والمغيرة بن شعبة، وعثمان بن عفّان، ومعاذ بن جبل، وسائر الشخصيّات المعروفة من المهاجرين والأنصار أن يلتحقوا بجيش اسامة بعد ما ذكرهم بأسمائهم. وأمّا أمير المؤمنين عليه السلام فلم يشمله هذا الأمر ولم يكن في عداد الجيش بإجماع الفريقين وتواتر الأحاديث في التواريخ وكتب السير والتراجم، ولم يأمره رسول الله بالخروج مع اسامة.
[1] «شرح نهج البلاغة» ج 1، 159 و160؛ و«الاحتجاج» للطبرسيّ، ج 1، ص 90.
[2] «الاحتجاج» ج 1، ص 90، باب ما جري بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله.