كان الإسلام المحمّديّ بحاجة إلى هزّتين: هزّة عمليّة، واخرى علميّة.
أمّا الهزّة العمليّة فقد تحقّقت على يد سيّد الشهداء الحسين بن عليّ عليه السلام. فكانت كالصاعقة على رؤوس الجبابرة إذ هزّت السلطة الأمويّة المتفرعنة، وأحدثت ضجّة كبيرة كالبركان. وكانت صرخة الإمام قد بلغت مبلغها بحيث إنَّها أحيت كلّ ميّت، وأيقظت كلّ راقد، ودلّت عمليّاً على أنَّ النظام المحمّديّ قد بُدّل بحكومة طاغوتيّة. وأنَّ العالم الإسلاميّ الممتدّ بين الصين وأقاصى مصر وإفريقيا يحترق بنار الظالمين المعادين للإسلام والمعاندين له الذين استبدلوا السنن الجاهليّة بالسنن المحمّديّة، وفعلوا تلك الأفاعيل باسم الإسلام. ووقع طائر الصدق والأمانة والإيثار والولاية والمحبّة والطموح، بِيَدِ الصيّاد القاسيّ مصّاص الدماء. ولا يعقل لهذه الهزّة طريق أفضل وخطّة أعلى وفكر أصوب ونهج أقوم من نهج سيّد الشهداء. وضرب الإمام ضربته كما ينبغي عبر اختيار هذه الحركة الغاضبة المستعرة، وهذا الحبّ المتّقد الوهّاج، وحدّد أهدافه وخططه من خلال خطبته التي أعلن فيه قائلًا: اللَهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنهُ لَمْ يَكُنْ مَا كَانَ مِنَّا تَنَافُسَاً في سُلْطَانٍ، ولَا الْتِمَاساً مِنْ فُضُولِ الحُطَامِ، ولَكِنْ لِنَرَى المَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، ونُظْهِرَ الإصْلَاحَ في بِلَادِكَ، ويَأمَنَ المَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، ويُعْمَلُ بِفَرَائِضِكَ وسُنَنِكَ وأحْكَامِكَ.
فَإنْ لَمْ تَنْصُرُونَا وتَنْصِفُونَا قَوِي الظَّلَمَةُ عَلَيْكُمْ وعَمِلُوا في إطْفَاءِ نُورِ نَبِيِّكُمْ، وحَسْبُنَا اللهُ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا وإلَيْهِ المَصِيرُ.[1]
وأمّا الهزّة العلميّة فقد تحقّقت على يد الإمام الصادق عليه السلام. إذ نقل لنا التأريخ أنَّ ظروف الحكومة والرئاسة كانت مهيّأة للإمام الصادق عليه السلام أكثر من غيره، وأنَّ متطلّباتها ووسائلها كانت ميسّرة له أفضل من الآخرين، وذلك بعد ثورة المسلمين على الحكومة الأمويّة، وحركة أبي مسلم الخراسانيّ ضدّ النظام الأمويّ. بَيدَ أنَّ الإمام لم يَخْطُ على هذا الطريق خطوة واحدة، لأنه كان يعلم جيّداً أنه لو تسلّم مقاليد الامور، فإنَّه سيكرّس وقته كلّه من أجل الإصلاحات العمليّة والمباشرة في تنظيم البلاد والمدن، واستبدال أهل العدل بأهل الجور، وترتيب شئون الديوان والقضاء وسائر الشؤون كالحرب وقمع المعارضين، فلا يبقى حينئذٍ مجال للمدرسة العلميّة وتبيان السنّة المحمّديّة، والانشغال بالفقه والتفسير والحديث، واستبدال السنن المحمّديّة بالسنن الجاهليّة، وكشف الحقائق للناس، وعرض الولاية، وحقيقة النبوّة عليهم، وطرح الإسلام الصحيح القويم على الأجيال جيلًا بعد جيل حتّى يوم القيامة، وهذه المدرسة العلميّة تحتاج إلى وقت طويل وجهاد عظيم. فلهذا لم يهدأ الإمام لحظة واحدة على امتداد ثلاثين سنة، إذ كان يمارس نشاطه العلميّ ليل نهار عبر جهاد النفس والجهود التي لم تعرف الكلل والملل. واستطاع أن يعرض الدين الصحيح، ويحيى روح النبيّ وعليّ والولاية. فلهذا عرفت المدرسة الشيعيّة بالمدرسة الجعفريّة، مع أنَّ الأئمّة عليهم السلام جميعاً كانوا حماة هذا الدين وهذا النظام الصحيح، إلّا أنَّ الظروف العلميّة كانت مؤاتية للإمام أكثر من غيره، بخاصّة في ذلك العصر الذي اهتمّ فيه العلماء من شتّى الأديان والمذاهب بنشر آثارهم وبثّ علومهم وعقائدهم بكلّ حرّيّة، وكذلك اهتمّ الحكماء والمتكلّمون والفلاسفة من كلّ مذهب وفرقة بما اهتمّ به اولئك العلماء. فاقتضت إرادة الله أن يكون الإمام هو فارس الميدان في هذا المجال. فقا بتشكيل المدارس العلميّة في المدينة والعراق، وانبري إلى تربية الطلّاب وإعدادهم، وطرح ما أراد طرحه، وكشف الغطاء عمّا ينبغي أن يكشف عنه الغطاء وذلك من خلال دروسه الزاخرة بالبحث والاستدلال والبرهان، التي كان يلقيها على آلاف الطلّاب والمحدّثين والمفسّرين والخطباء والحكماء حتّى اعترف الصديق والعدوّ والمؤالف والمخالف بوفور علم الإمام وتقواه وإعراضه عن زينة الحياة الدنيا، وعلوّ فكره، وقداسة رأيه، وهمّته العالية، ومدرسته الرفيعة السامية.
يقول الإمام أبو الفتح محمّد الشهرستانيّ المتوفّى سنة 548 هـ، وهو من العامّة لا من الشيعة، بل ويقدح بالشيعة أيضاً، يقول في الإمام الصادق: أبُو عَبْدِ اللهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ، ذُو عِلْمٍ غَزِيرٍ في الدِّينِ، وأدَبٍ كَامِلٍ في الحِكْمَةِ، وزُهْدٍ بَالِغٍ في الدُّنْيَا، ووَرَعٍ تَامٍّ عَنِ الشَّهَوَاتِ. وقَدْ أقَامَ بِالمَدِينَةِ مُدَّةً يُفِيدُ الشِّيعَةَ المُنْتَمِينَ إلَيْهِ، ويُفِيضُ عَلَى المُوَالين لَهُ أسْرَارَ العُلُومِ، ثُمَّ دَخَلَ العِرَاقَ وأقَامَ بِهَا مُدَّةً مَا تَعَرَّضَ لِلإمَامَةِ قَطُّ ولَا نَازَعَ أحَداً في الخِلافَةِ؛ ومَنْ غَرِقَ في بَحْرِ المَعْرِفَةِ لَمْ يَطْمِعْ في شَطٍّ، ومَنْ تَعَلَّى إلَى ذِرْوَةِ الحَقِيقَةِ لَمْ يَخَفْ مِنْ حَطٍّ. وقِيلَ: مَنْ أنِسَ بِاللهِ تَوَحَّشَ عَنِ النَّاسِ، ومَنِ اسْتَأنَسَ بِغَيْرِ اللهِ نَهَبَهُ الوَسْوَاسُ.[2]
وكان أحمد أمين المصريّ ينظر إلى الشيعة نظرة سيّئة حتّى أنه يتّهمهم، بَيدَ أنه يقول في الإمام الصادق بعد عرض ما قاله الشهرستانيّ: إنَّهُ مِنْ أوْسَعِ النَّاسِ عِلْمَاً واطِّلَاعَاً. ولقّب بالصادق لصدقه. عاش بين سنة 83 و148 هـ. ولم يرغب في الرئاسة والحكومة، ومع ذلك لم يسلم من إيذاء المنصور الدوانيقيّ. وكان له بستان جميل في المدينة يجتمع إليه فيه جميع العلماء على اختلاف آرائهم ومذاهبهم. وروي أنه كان من تلامذته أبو حنيفة، ومالك بن أنس الفقيهان المشهوران. وكان واصل بن عطاء المعتزليّ، وجابر بن حيّان الكيمياويّ المعروف من طلّابه. ثمّ ينقل أحمد أمين بعضاً من كلمات الإمام في الإرادة والقضاء والقدر، ويثنى على علم الإمام الكثير.[3]
أجلّ، ينبغي أن تؤلّف الكتب حول حركة سيّد الشهداء العمليّة العسكريّة، وحركة الإمام الصادق العلميّة وترابط الحركتين بعضهما ببعض كي تستبين حقيقة الأمر .
[1] «تحف العقول» ص 239.
[2] «الملل والنحل» للشهرستانيّ، في هامش كتاب «الفصل» لابن حزم ج 1، ص 234، وج 2، ص 2، طبعة مصر سنة 1317 هـ.
[3] «ظهر الإسلام» ج 4، ص 114 و115.