أقرأ أيضاً
التاريخ: 25-04-2015
2736
التاريخ: 13-10-2014
8660
التاريخ: 21-3-2016
3203
التاريخ: 2024-09-02
762
|
من المعطيات المباشرة التي تترتب على التفسير الوجودي لنظرية مراتب
الفهم، تعدّد التلاوات. التلاوة تتعدّد بتعدّد مراتب الإنسان ودرجاته ، وتأتي
متوائمة مع جوارحه ، فهناك تلاوة الظاهر وتلاوة الباطن ، وتلاوة لكلّ جارحة من
الجوارح الإنسانية ، وهكذا يرتقي الإنسان إلى أن يبلغ مرحلة التلقّي عن اللّه
سبحانه، بل المعايشة والتجسّد ومشاهدة حقيقة القرآن. وهذه مرحلة تفوق كلّ مدركات
العقل، كما هو حال الإنسان الكامل الذي يمثّل الذروة : «ليست القضية قضية إدراك
عقلي وحركة برهان ، بل القضية ، قضية مشاهدة؛ هي من ضرب المشاهدة الغيبية. هذه
المشاهدة ليست مشاهدة بالعين ولا مشاهدة بالنفس ولا مشاهدة بالعقل ، هي ليست مشاهدة
بالقلب الإنساني المألوف ، وإنّما هي مشاهدة بقلب النبي، فقلبه تلقّى [حقيقة]
القرآن بيد أنّه لا يستطيع بيانه إلّا بطريقة الأمثلة ولفافة الألفاظ» (1).
التلاوة عند الإنسان الكامل المتمثّل بالنبي
والأئمّة عليهم جميعا- صلوات اللّه وسلامه- هي تحقّق باطنهم وذواتهم بالقرآن :
«ثمّ في حملة القرآن إنسان تعدّ ذاته هي تمام حقيقة الكلام الإلهي الجامع، وهي
القرآن الجامع والفرقان القاطع نفسه، مثل علي بن أبي طالب عليه السّلام والمعصومين
من ولده عليهم السّلام، فوجود هؤلاء متحقّق بأجمعه بالآيات الإلهية الطيّبة ، وهم
آيات اللّه العظمى والقرآن التامّ والكامل» (2).
ما دون هؤلاء تتوالى درجات التلاوة ، التي
يأتي في طليعتها تلاوة الباطن التي تنفذ إلى أعماق قلب الإنسان : عن الصادق عليه
السّلام ، قال : «ومن قرأه كثيرا وتعاهده بمشقّة من شدّة حفظه ، أعطاه اللّه عزّ وجلّ
أجر هذا مرّتين» (3). يتضح من هذا الحديث أنّ المطلوب في تلاوة
القرآن الشريف هو تأثيرها في أعماق قلب الإنسان، بحيث يكون باطن الإنسان صورة
الكلام الإلهي ، وأن يتحوّل من مرتبة الملكة إلى مرتبة التحقّق. إشارة إلى هذا
المعنى ما جاء في قوله عليه السّلام : «من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن
بلحمه ودمه» (4) ، فهذه كناية على استقرار صورة القرآن في القلب وحلولها فيه، على
النحو الذي صار فيه باطن الإنسان نفسه كلام اللّه المجيد وقرآنا حميدا، بمقدار
يتناسب مع وعائه واستعداده» (5).
القلب هو المستهدف في هذه الرتبة من التلاوة
: «المطلوب في تلاوة القرآن الكريم أن يترسّخ في قلوب القرّاء، وأن تحلّ فيه وتستقرّ
أوامره ونواهيه ودعواته» (6). لكن التلاوة لا تقف عند هذا الحد بل
تتحرّك على خطّ متصاعد يكون فيه لكلّ جارحة من الجوارح حظها من التلاوة، بحيث يبلغ
من اندماجها مع القرآن وتوحّدها فيه أنّها تغدو آية من آيات اللّه : «وإن حظي
بالتوفيق الإلهي [التالي الذي يبلغ رتبة المتّقين] فسيتجاوز ذلك المقام [تلاوة
القلب] بحيث يصير كلّ عضو من أعضائه وجارحة من جوارحه وقوّة من قواه آية من
الآيات الإلهية». ثمّ يستمرّ التصاعد بعد ذلك أيضا : «وربّما نالته جذوات الخطابات الإلهية وجذباتها
وأذهلته عن نفسه، بحيث يدرك حقيقة : «اقرأ واصعد» (7) في هذا العالم ، ويبلغ إلى مرحلة سماع الكلام من المتكلّم
بدون واسطة، ويصير إنسانا نعجز نحن عن
إدراكه حتّى بأوهامنا» (8).
الحصيلة حتّى الآن أنّ هناك تلاوات على قدر
تنوّع الفهوم، بحيث تنسجم كلّ تلاوة مع مرتبتها في المعرفة الوجودية. ومن الواضح
أنّ هذا التعاطي مع التلاوة يضع المسلمين في حرج إذ لا يرتقي إليها سوى الأوحدي من
الناس، فما ذا يكون مصير عامتهم؟ ثمّ هل يغلق هذا التصوّر الوجودي الطريق على
التلاوة الإدراكية، التي يكون فيه لكلّ إنسان نصيب يتناسب ومستواه العقلي وما
يحمله من علوم وقابليات نظرية؟ وإلا تتعارض التلاوة الوجودية التي تنزع نزوعا
نخبويا وأقليا، مع الهدف من نزول القرآن ومع مقولة : «إنّ القرآن نعمة يستفيد منها الجميع» (9) وهي تخرج السواد الأعظم من
المسلمين عن دائرتها؟
نسجّل مرة اخرى أنّ التصوّر الوجودي للتلاوة
أو التلاوات لا يدفع التلاوة أو التلاوات الإدراكية ولا ينفيها، بل غايته أن يؤكّد
أنّ هناك طورا ما وراءها يأتي ما بعدها، هو أغنى وأثرى.
بقدر ما يتعلّق الأمر بهذه الفقرة نكتفي بنص
واحد للإمام الخميني مدهش في دلالاته، حتّى ليصعب أن نتصوّر أنّه صادر عنه حين
نضعه إلى جوار بقية نصوصه في التلاوة الوجودية. يقول سماحته : «بنيّ تعرّف على القرآن، هذا
الكتاب المعرفي الكبير، وبتلاوته والمرور من خلاله شقّ طريقا لنفسك إلى المحبوب.
لا تتصورن أنّ القراءة بدون معرفة لا أثر لها فهذه وسوسة شيطانية، فهذا الكتاب جاء
من جهة المحبوب لك وللجميع، ورسالة المحبوب محبوبة حتّى ولو لم يعرف العاشق والمحبّ
مفادها» (10). هنا التلاوة مطلوبة حتّى من دون فهم ومعرفة
وعلم، لأنّها تعبير عن ضرب من ضروب الصلة بصاحب الكتاب جلّ وعلا، وفي النبوي
الشريف : «وعليك
بتلاوة القرآن على كلّ حال» (11).
بهذا يكون الطريق مفتوحا أمام الجميع
لممارسة جميع ضروب التلاوة وجوديا ومعرفيا حتّى ما كان منها بدون معرفة، ولا مكان
للحذف والإلغاء إذ لكلّ بحسب سعته الوجودية واستعداده الفكري، والسفر مفتوح في
آفاق الكتاب الكريم سواء كان سفرا قلبيا بتلاوة القلب والروح، أم سفرا عقليا
بتلاوة العقل والنظر.
___________________
(1)- تفسير سورة حمد : 141.
(2)- شرح چهل حديث : 498.
(3)- الكافي 2 : 603/ 4.
(4)- نفس المصدر.
(5)- شرح چهل حديث : 498.
(6)- نفس المصدر : 499.
(7)- إشارة إلى حديث شريف في فضل حامل
القرآن، حيث يقال له في القيامة : «هذه الجنة مباحة لك فاقرأ واصعد، فإذا قرأ آية صعد درجة». الكافي 2 : 602/ 12.
(8)- شرح چهل حديث : 500.
(9)- صحيفه امام 19 : 115.
(10)- جلوههاى رحمانى : 26.
(11)- وسائل الشيعة 6 : 186، كتاب الصلاة،
أبواب قراءة القرآن، الباب 11، الحديث 1.