نظام النقد الدولي
ـ مفهوم المالية الدولية
ـ تطور نظام النقد الدولي
يتميز الاقتصاد العالمي في عصرنا هذا بتزايد وزن وأهمية المعاملات الخارجية للاقتصادات المكونة له. فالتجارة الخارجية بين الدول نمت بوتائر تزيد عن ضعف وتائر النمو الاقتصادي العالمي خلال النصف الأخير من القرن الماضي مما زاد من حصة المعاملات الدولية في الناتج المحلي لمعظم دول العالم وبشكل خاص الدول الصناعية الكبرى.
وقد صاحب النمو المطرد في التجارة الخارجية والذي نتج عن تحرير التبادل التجاري الدولي وازالة المعيقات أمام تدفق السلع ورؤوس الأموال نمو موازي في العمليات المالية الدولية، اذ انه لا بد للدول والشركات من تسوية مدفوعاتها التجارية وتمويل استثماراتها المحلية والخارجية المتزايدة.
وعلى صعيد آخر فقد ادى الانكماش الهام في المجال الاقتصادي "Economic Space" الناتج عن ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات والمواصلات وما نتج عنه من تخفيض في كلف التعامل الخارجي الى تعزيز نمو التبادل التجاري الدولي وتزايد اعتماد الاقتصادات والأسواق على بعضها البعض، مما أدى الى عولمة أسواق الاستثمارات المالية والحقيقية. ويتمثل واقع العولمة بارتفاع الاستثمارات الأمريكية الخارجية خلال 1970-1992 بما نسبته 600% في حين ارتفعت الاستثمارات الأجنبية في امريكا خلال نفس الفترة بما نسبته %1700 (1).
وأمام تزايد أهمية وأحجام المعاملات المالية الدولية تنامت المشكلات المترتبة على التعامل بعدد من العملات العالمية الرئيسية والعملات الدولية من حيث اسعار صرف هذه العملات واسعار الفائدة عليها. فعلى صعيد الشركات تؤثر اسعار الصرف تأثيراً هاماً ومباشراً على المبيعات والكلفة والأرباح والتي تؤثر بدورها على الأسواق المالية ومدخرات الأفراد المستثمرة في هذه الأسواق. أما على صعيد الدول فتؤثر اسعار الصرف على الاستقرار النقدي والنمو الاقتصادي وكلفة الدين الخارجي مما يؤثر على موازنة الدولة وقدرتها على دفع عجلة التنمية. ومن هنا كان لا بد لنا من التعمق في فهم عناصر المالية الدولية.
فالانفتاح المتزايد لدول العالم على بعضها البعض يشكل أحد أهم عناصر نموها اذ لا يتوقف هذا الانفتاح عند تزايد نسبة التجارة الخارجية من استيراد وتصدير الى الناتج المحلي الاجمالي بل يتعداه الى تزايد حركة الأموال من والى تلك الدول بشكل استثمارات مباشرة او غير مباشرة قصيرة وطويلة الأجل تشجعها حرية دخولها وخروجها وقابليتها للتحويل.
وقد صاحب هذا الانفتاح مزيد من التحرر في أنظمة مراقبة العملة الأجنبية حيث أتاح العديد من الدول النامية لمواطنيها حرية الاحتفاظ بمدخراتهم بعملات عالمية رئيسية مما ادى الى تشجيع الادخار والاستثمار في بلادهم وفي جميع انحاء العالم.
ومن ثم كان لا بد لهذه الدول النامية ان تنافس الدول الصناعية المتقدمة على استقطاب المدخرات المحلية والخارجية بهدف تمويل نموها الاقتصادي المستدام، وذلك باتباع السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية والتجارية الجاذبة لرؤوس الأموال. وقد ادى ذلك الى تزايد ارتباط المالية العامة والادارة المالية الخاصة بالمالية الدولية، والتي أصبحت جزاً لا يتجزأ من المعطيات اللازمة لاتخاذ اي قرار مالي أو استثماري.
مفهوم المالية الدولية:
تعنى المالية الدولية بكل ما ينبثق عن التبادل الدولي من:
- تسوية مدفوعات اثمان الصادرات والمستوردات.
- تدفق الأموال بشكل قروض أو استثمارات من الدول المتقدمة والشركات متعددة الجنسيات الى الدول النامية بهدف تمويل مشاريع تنموية ومن الدول النامية الى الدول المتقدمة تسديداً للقروض المستغلة وفوائدها أو تحويلاً لأرباح الاستثمارات أو توظيـفـاً لمدخرات مواطني هذه الدول. ويترتب على ذلك تبـديـل مـسـتـمـر للعملات من عملة محلية الى عملة عالمية ومن عملة عالمية الى عملة عالمية أخرى وهكذا.
ومن الطبيعي أن يؤدي اختلاف العرض والطلب على عملة ما الى اختلاف سعر صرفها من حين لآخر، مما ادى الى ظهور سوق هامة للتعامل بالعملات الأجنبية تهدف الى تحقيق الأرباح من خلال المضاربة على تقلبات اسعار العملات او تهدف الى التحوط وحماية التدفقات المتوقعة من الخسائر التي قد تنتج عن هذه التقلبات.
ومن هنا فقد أصبحت ادارة مخاطر اسعار الصرف واسعار الفائدة سمة رئيسية من سمات المالية الدولية. حيث تطورت أسواق المشتقات المالية بالإضافة الى أدوات التعامل في سوق العملات والسوق النقدية، لتصبح الأدوات الأساسية للمضاربة من جهة وتغطية المخاطر المذكورة من جهة أخرى.
وسنقوم من خلال هذا المؤلف بدراسة المجمعات الاقتصادية التي تحكم المالية الدولية مثل نظام النقد الدولي ومصادر التمويل وتسوية المدفوعات الدولية بالإضافة الى أسواق التمويل والاستثمار الدولية وادواتها ومن ثم النظرية والتطبيق للتعامل بالعملات الأجنبية والمشتقات المالية، لنغطي بذلك جميع مكونات المالية الدولية.
وتخضع جميع المعاملات المالية الدولية الى اصول واعراف مصرفية وقوانين وأنظمة الدول المصدرة للعملات العالمية الرئيسية والتي تعمل تحت مظلة نظام نقد دولي أعتمد دولياً بعد الحرب العالمية الثانية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) احصاءات بنك التسويات الدولية، بازل، سويسرا.